مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

مسلمو بولندا التتار.. تاريخ مشرف حافل بالإنجازات

لهم اليوم حضور ثقافي ولديهم مساجدهم ومؤسساتهم الخاصة بهم

مسلمون حول العالم ـ متابعات

بقلم/ الدكتور أمين القاسم ـ الباحث في تاريخ مسلمي شرق أوروبا

لقد عاش التتار في بولندا على مدى ستة قرون، وسطّروا تاريخاً حافلاً بالعمل والإنجاز، ولهم اليوم حضور ثقافي وتاريخي كبير، وهم جزء أصيل من الشعب البولندي، ويمثلون أحد الأقليات الفاعلة في المجتمع البولندي..

في هذه السطور نسرد قصة مجتمع مسلم تتاري ناجح بالدولة الشرق أوروبية..

بداية دخول الإسلام لبولندا

يُرجع الباحثون وصول الإسلام إلى الأراضي البولندية للقرن الثاني عشر الميلادي، عبر التّجار والرّحالة المسلمون، وقد دلّت على ذلك الآثار والكتابات والعملات الإسلامية المكتشفة.

وبدأ توافد المسلمون التتار على بولندا منذ القرن الثالث عشر فقد هاجم المغول والتتار الأراضي البولندية عام 1249م، ثم تحول هذا العداء إلى مهادنة، واستمر توافدهم من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر الميلادي.

في القرن السادس عشر، استعان الليتوانيون بالمحاربين التتار المسلمين في الحفاظ على حدودهم مع ألمانيا، ثم أقطعوهم أراضي للإقامة، ومنحوهم بعض الإمتيازات، فتشكلت من هؤلاء التتار جالية إسلامية كبيرة في ليتوانيا وبولندا.

بلغ عدد التتار المسلمين في عام 1591م قرابة 60 – 70 ألف نسمة، وبنوا عشرات المساجد والقرى والمقابر الخاصة بهم.

100 ألف مسلم

وفي عهد الملك البولندي زيغمونت الثالث (حكم بين عامي 1587- 1632م)، وصل تعداد التتار إلى 100 ألف مسلم، وتمتعوا بالحرية والتسامح الديني، ونسخوا الكتب الإسلامية باللغة البولندية ولكن بالأبحدية العربية، وبدأ أغلب التتار بفقد لغتهم الخاصة بهم. كما أقاموا علاقات مع مجتمعات مسلمة من خارج البلاد، وتشكل بينهم طبقة من الأسر العسكرية النبيلة، والتجار، ومربي الخيول.

ويذكر الباحثون أنه مع نهاية القرن السابع عشر كان هناك فرق عسكرية خاصة بالتتار المسلمين مع رايات خاصة بهم قاتلوا في الجيش البولندي في حروبه مع السويد وروسيا. وقد ظهر في ذلك الوقت للمسلمين قرابة ال 150 مسجدا في البلاد، كان معظمها مبنياً من الخشب.

مع نهاية القرن التاسع عشر وحتى بداية الحرب العالمية الأولى، كان هناك الكثير من المسلمين البولونيين في خدمة الروس – الذين احتلوا بولندا- في شؤون الجندية والمدنية، ونظرا لكفاءة التتار البولنديين فإنهم ارتقوا أعلى المناصب في القضاء والشرطة والجيش، حيث كان هناك 18 جنرالا مسلما من تتار بولندا.

تاريخيًا كانت علاقة الدولة العثمانية بالمملكة البولندية جيدة في مراحل مختلفة، حيث كانت ترى الأخيرة أن مصدر الخطر الرئيسي يأتي من الشرق من جانب روسيا الطامعة في التوسع داخل الأراضي البولندية، أو من قبل الحملات الصليبية التي زحفت عليها من الغرب.

يقول د. بوجوساف زاجورسكي وهو مسلم بولندي: “ضرب المسلمون البولنديون أروع الأمثلة في التضحية والفداء أثناء دفاعهم البطولي عن البلاد خلال فترات الغزو الخارجي، وهو ما رسّخ النظرة الإيجابية لهم من قبل المجتمع البولندي، وأظهر المسلمون بطولات في التصدي للإجتياح الألماني لبلادهم في الحرب العالمية الثانية عام 1939م، الأمر الذي دفع بالنازيين للقيام بحملات إبادة ضدهم، الأمر الذي تسبب في تقليص أعدادهم بشكل كبير”.

في عام 1913م أسس أحد التتار “الرابطة الإسلامي لمساعدة فقراء المسلمين”، وفي عام 1923 أنشئت الرابطة الإسلامية في مدينة وارسو، واختير الشيخ يعقوب شينكوفتش (1884- 1966) عام 1925م كأول مفتٍ لجمهورية بولندا المستقلة.

نهضة ثقافية

في فترة ما بين الحربين العالميتين مُنح المسلمون في بولندا حرية كبيرة، فبعد أن شارك المسلمون في استقلال بولندا اعترفت الدولة بالاتحاد الإسلامي البولندي سنة 1925م، وعُين الدكتور يعقوب شينكوفيتش رئيسا عاما للاتحاد، وأصبح ممثلاً للمسلمين أمام الدولة، وكان الاتحاد يشرف على 19 حياً من الأحياء الإسلامية و17 مسجدا و7 آلاف مسلم.

كما شهدت هذه السنوات نهضة ثقافية ملحوظة، فصدرت مجلة إسلامية «المسلم البولندي» سنة 1925م، ومجلة “حياة التتار” عام 1934م، واهتمّ المسلمون بتاريخهم، ونشرت وطبعت بعض الكتب الإسلامية، وتم إرسال العديد من الطلاب المسلمين للدراسة في يوغوسلافيا ومصر وتركيا.

كذلك كان لمسلمي بولندا حضور فعّال في مؤتمر مسلمي أوروبا الذي عقد في سبتمبر من 1935م في جنيف، وقد مثّلهم كل من رئيس مفتيّ بولندا ورئيس الجمعية الإسلامية في وارسو.

الشيوعية ومعاناة التتار

وخلال فترة الحكم الشيوعي لبولندا بعد الحرب العالمية الثانية عانى المسلمون في بولندا من إغلاق ومصادرة مساجدهم وممتلكاتهم، وملاحقة أئمتهم، واضطر الآلاف منهم للهجرة.

بدأت الصحوة الإسلامية في أواسط الأقلية ذات الأصول التترية خلال العقد السابع والثامن من القرن العشرين، وذلك نتيجة الدعوة الإسلامية التي قام بها الطلاب الوافدون من البلاد العربية والإسلامية.

ويُقدر حاليا عدد التتار المسلمون بنحو خمسة آلاف نسمة فقط، وعددهم القليل هذا يرجع لسبب الهجرة، وكذلك الذوبان في المجتمع البولندي، وهم يتوزعون في مناطق شمال شرق البلاد، والعاصمة وارسو، ولهم مساجدهم ومؤسساتهم الخاصة بهم.

 

التخطي إلى شريط الأدوات