مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

هذه أبرز التحديات التي تواجه الصحوة الإسلامية في روسيا

حوار مع الشيخ وسام البردويل؛ مفتي محافظة مورمانسك الروسية

منذ تخلي روسيا عن النظام الشيوعي في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، شهدت البلاد مزيدًا من الانفتاح على الحريات الدينية والحقوق العرقية للشعوب الروسية.

وهو ما انعكس بدوره على “الشعوب المسلمة” التي تعيش داخل الحدود السياسية لروسيا الاتحادية، والتي يقدر عددها بنحو 30 مليونَ نسمةٍ من إجمالي عدد سكان البلاد البالغ حوالي 140 مليون نسمة، والتي بدأت تدبُّ في أوساطها صحوة إسلامية متدرجة ومتصاعدة على الرغم من التحديات الصعبة التي تواجهها في ظل أزمات مرَّت بها البلاد في مرحلتها الانتقالية.

وفي الأعوام الأخيرة، عُقدت مؤتمرات إسلامية في داخل روسيا لمناقشة التحديات التي تواجه هذه “الصحوة الإسلامية”، والتي كان أبرزها ظاهرة التطرف الديني، وضعف مؤسسات التعليم الإسلامي، وهما معًا يُعدَّان من صلب مشكلات الشباب.

من جهةٍ أخرى، يشكو القائمون على الدعوة الإسلامية في روسيا من قلة الدعاة وندرة المدارس والجامعات الإسلامية، التي يمكن عبْرَها تخريجُ أجيالٍ شابَّةٍ جديدةٍ تنهض بواجب الدعوة الإسلامية في مختلف جمهوريات ومحافظات “القارة” الروسية.

في ظل هذه التحديات، تبرز تحديات أخرى على مستوى “الشعوب” المسلمة داخل روسيا؛ حيث ينتشر التعصب للعرقية التي تنتمي إليها، أو للمذهب المتبع لديها، وهو الأمر الذي أفشل كافَّةَ الجهود التي بذلت لتُوِّحد مسلمي روسيا تحت مظلة واحدة.

فلم يستطع مسلمو روسيا إنشاء مشيخة واحدة لهم داخل البلاد، وفشلوا في تكوين مؤسسة سياسية واحدة تخاطب السلطات الروسية الرسمية باسمهم، وتمثل نحو 30 مليونَ مسلمٍ في البلاد، وهو الأمر الذي حرمهم من إبراز تواجدهم الإسلامي في البلاد كقوة شعبية وسياسية، يحرص على مخاطبة وُدِّها وإعطائها حقوقها جميعُ السياسيين الروس والتيارات الوطنية في البلاد.

وعلى الرغم من مرور نحو ربع قرن على التحول الكبير داخل روسيا من النظام الشيوعي إلى نظام منفتح على العالم؛ لم يحقق بعدُ مسلمو روسيا الكثير من الآمال والطموحات التي كانوا هم أو غيرهم من مسلمي العالم ينتظرون تحقيقها بعد نحو 70 سنةً من الحرمان من حقوقهم الدينية خلال الحقبة الشيوعية في البلاد.

حول واقع الصحوة الإسلامية في روسيا، والتحديات التي تواجهها، كان لنا هذا الحوار مع الشيخ وسام البردويل؛ مفتي محافظة مورمانسك في أقصى شمال غرب روسيا.

هل تشهد روسيا صحوةً إسلامية؟ وما هي معالمها؟

ـ الحمد لله، بالفعل توجد صحوة إسلامية كبيرة في هذه البلاد، ومن علاماتها الظاهرة: انتشار المساجد، والتي يزيد الآن عددُها على العشرة آلافِ مسجدٍ، بعدَ أن كان عددها نحو ٢٠٠ مسجدٍ فقط قبل ٢٠ عامًا، كما نرى ازدحام هذه المساجد بروادها وامتلاء الشوارع المحيطة بها والساحات أمامها بالمصلين في أيام الجُمعِ والأعيادِ، ونجد أن أغلب المصلين هم من جيل الشباب.
أيضًا هناك انتشار للمراكز الثقافية الإسلامية في أنحاء روسيا، وتأسيس الجمعيات الإسلامية في مختلف مجالات الحياة الدينية والاجتماعية والخيرية وحتى السياسية وغيرها.
كما أن هناك حركةً نشطةً لترجمة وطباعة الكتب الإسلامية باللغة الروسية، بالإضافة إلى ظهور الكثير من وسائل الإعلام الإسلامية الإلكترونية والمطبوعة، وأيضًا انتشار المحلات التي تبيع المأكولات الحلال.

ماذا عن التحديات التي تواجه هذه الصحوة؟

ـ التحديات الداخلية تتمثل في: وجود جهل بالإسلام، والانقسام بين المسلمين، ووجود جماعات ذات فكرٍ متطرف، وهذه مشاكل تنبع من داخل المجتمع المسلم نفسه.
بينما التحديات الخارجية (من خارج المجتمع المسلم) تتمثل في: وجود ضغط، والحدِّ من حريات المسلمين من طرف السلطات الاتحادية على مستوى البلاد، أو من طرف السلطات المحلية بنِسَبٍ متفاوتة في بعض الأماكن.

برأيكم.. كيف يمكنكم التغلب على هذه التحديات؟

ـ أرى أن كل هذه التحديات هي كالأمراض؛ بعضها خطير جدًّا، وبعضها ليس بنفس الدرجة من الخطورة، ولكلِّ داءٍ دواءٌ.
كثيرٌ من المسلمين المخلصين في روسيا، سواءً كانوا أفرادًا عاديين أو رموزًا مشهورة في المجتمع المسلم الروسي، وأيضًا جمعيات إسلامية عديدة؛ تُقدّر حجم التحدي أمام هذه الصحوة الإسلامية وتتعامل مع هذه التحديات، ولكن لديها قناعة بأن وضع المسلمين في روسيا ليس مأساويًّا وسوداويًّا كما يتصوره البعض، بل يوجد مبشرات وفرص وميادين منفتحة أمامهم لم تُستغل بعد.
وأقول: إنه وعلى الرغم من كثرة العراقيل، فالإنجازات والنجاحات أكثر، والحمد لله.
ولعلَّنا في هذه المرحلة يجب أن نركز على نشر العلم الشرعي بين المسلمين وخاصة الشباب، كذلك علينا الاهتمام بالعمل المؤسسي، وفتح قنوات تواصل وحوار للتفاهم مع كافة أجهزة الدولة الروسية الرسمية من جهة، ومن جهةٍ أخرى مع كافة منظمات المجتمع المدني الروسي أيضًا.

“الشباب والتطرف”.. شعار سمعناه يتردد كثيرًا في روسيا.. فهل هذا الشعار حقيقي أم أنه صادر عن جهات إعلامية غير منصفة؟

ـ للأسف! ظاهرة التطرف حاضرة وبقوة بين مسلمي روسيا عامة، والشباب منهم خاصة، ولكن لا شكَّ أن الإعلام وخاصة المملوك من جهات معادية أو ليست محايدة على أقل تقدير (مثل الصهيونية أو القومية المتطرفة) تُضخم الأمر، وتعمم الظاهرة لتشمل أغلب المسلمين، وهذا ليس من باب الإنصاف، كما أنه ليس في مصلحة المجتمع الروسي المتعدد الأعراق والقوميات والثقافات والأديان.

هل توجد مؤسسات تعمل على احتضان الشباب بفهم الإسلام الصحيح بعيدًا عن التطرف؟

ـ نعم، بفضل الله، توجد العديد من الجمعيات الدينية والاجتماعية (اتحاد المنظمات الإسلامية مثالًا) التي تُولي اهتمامًا كبيرًا بالعمل الدعوي بين الشباب وتجعله من أولوياتها.
وأيضًا يوجد العديد من الدعاة والخطباء الذين يتصدون للتطرف والأفكار المنحرفة رغم المخاطر التي يتعرضون لها، ففي داغستان وحدَها تم اغتيال أكثر من ألفِ إمامٍ وداعيةٍ خلال العشرين عامًا المنصرمة، حسب تقدير الإدارة الدينية المحلية.

روسيا كدولة في حجم قارة.. هل يؤثر ذلك على مظاهر الصحوة الإسلامية وتنوّعها ما بين فهمٍ صحيح وفهمٍ منقوص أو خاطئ؟

ـ نعم، هذا عامل مهم؛ فاتساع المساحة وتفرُّق المسلمين في كل أنحاء روسيا يُعتبر عائقًا للتواصل مع التجمعات الإسلامية.
خاصةً إذا علمنا بأن الأئمة والدعاة أعدادهم قليلة، ويتكبدون العناء في قطع مسافات بآلاف الكيلومترات، قاضين الأيام والليالي في القطارات متنقلين في أرجاء روسيا الواسعة.
كما أن المسلمين في روسيا من أعراق وقوميات مختلفة يتكلمون بعشرات اللغات المختلفة عن بعضها، ويعيشون في ظروف تختلف جدًّا عن بعضهم البعض أحيانًا، وهناك اختلاف مذهبي بينهم، كما أنه توجد اختلافات في العادات والتقاليد والإرث التاريخي والثقافي والمدني، ونلاحظ أن الشعوب الإسلامية، وخاصة الصغيرة منها تميل إلى الانغلاق على نفسها، وينتشر فيهم التعصب القومي والشعوبية وكره العرب.

هل هناك مرجعية إسلامية واحدة لعموم روسيا؟

ـ لا توجد مرجعية موحدة، ولم يتفق المسلمون إلى الآن على اختيار مفتٍ واحد للمسلمين في روسيا، ولا توجد أي جهة تمثل كلَّ أو حتى أغلب المسلمين، فقد باءت كل المحاولات العديدة لتوحيد المسلمين بالفشل حتى الآن.
وأسباب عدم توحُّدِ مسلمي روسيا كثيرة، بعضها متعلق بحب الرئاسة أو التعصب القومي والمذهبي، وأيضًا تدخُّل أجهزة الدولة في شئون المسلمين الداخلية وعرقلة أي عمل إسلامي موحَّد، فالكثيرون في روسيا يدركون أنه في حالة اتحاد ٣٠ مليونَ مسلمٍ ستظهر قوةٌ جديدة مؤثرة في المجتمع الروسي.

ماذا عن الشباب.. إلى أي مرجعية يستندون إليها في التعرف على الإسلام؟

ـ الشباب وسط هذا الانقسام فَقَدَ الثقة في أغلب القيادات الإسلامية المنقسمة على بعضها، والكثير منهم يستسقون معلوماتهم من شيوخ مشبوهين، ولكن خطبهم ودروسهم مترجمة إلى الروسية، ومنتشرة في مئات المواقع في الإنترنت، وبذلك تم استيراد كل المشاكل الموجودة في العالم الإسلامي إلى روسيا، دون الأخذ في الاعتبار خاصية هذا البلد وواقعه المختلف عن باقي الدول العربية والإسلامية.

التعليم الإسلامي ودوره في الصحوة الإسلامية ومحاربة التطرف.. هل هناك مؤسسات إسلامية تعليمية تقوم بهذا الدور؟ وما هو المطلوب لتحقيق ذلك؟

ـ لعل التعليم الإسلامي على مستويات مختلفة بدءًا بالأطفال؛ حيث إن القانون الروسي الآن يسمح بتعليم الدين في المدارس الحكومية، والمدارس الأسبوعية في المساجد، والمراكز الإسلامية، وطبعًا المعاهد والجامعات الإسلامية، كل هذا من الممكن أن يساهم في استمرار الصحوة الإسلامية وتصحيح مسارها مستقبلًا، إلا أنه – وللأسف الشديد – ما زالت روسيا تعاني نقصًا في عدد الجامعات والمعاهد والمدارس الإسلامية. 
وإضافةً لذلك، فإن المؤسسات التي تمارس التعليم ـ على قلتها ـ الكثير منها يعاني من الضغط لتصبح مُسَيَّسةً، ولتخرِّج أشخاصًا مبشرين لمذهب معين، مُغذِّين بذلك حالة الانقسام والتطرف.
ورغم ذلك نرى أمثلةً مشرفة للعمل التعليمي القائم على أُسس علمية وتربوية صحيحة، ولعلَّني أضرب مثلًا للتعليم الإسلامي الصحيح والناجح بمعهد الشيخ سعيد في مدينة “ساراتوف”، وهو ليس الوحيد من نوعه، والحمد لله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة “الأمـة” ـ 2014 ـ هاني صلاح