مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في خطوة تحمل دلالة دينية وحضارية كبيرة، أُعيد افتتاح جامع الملك التاريخي في مدينة إلباسان، الواقعة في وسط ألبانيا على بعد نحو 33 كيلومترًا جنوب العاصمة تيرانا، بعد انتهاء أعمال ترميم استمرت ستة أشهر، ليعود أحد أهم المعالم الإسلامية والأثرية في البلاد إلى استقبال المصلين والزوار داخل حي القلعة التاريخي.
مدينة محورية في قلب ألبانيا
تُعد إلباسان من أبرز المدن التاريخية في ألبانيا، وتقع في موقع استراتيجي بوسط البلاد، حيث شكّلت عبر القرون نقطة عبور رئيسية تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، ما منحها أهمية حضارية وعسكرية وثقافية كبيرة.
وقد تحولت المدينة خلال العهد العثماني إلى أحد أهم مراكز الثقافة والتعليم الإسلامي في ألبانيا، حتى أصبحت في نهاية القرن السابع عشر نموذجًا فريدًا بين مدن الإمبراطورية العثمانية، إذ ضمت أكثر من 45 مسجدًا ذا طراز معماري بديع، في وقت كان عدد سكانها يقارب عشرة آلاف نسمة فقط.
ويعكس هذا الرقم المكانة الدينية والعلمية التي تمتعت بها المدينة، التي خرج من مساجدها أجيال من العلماء والحفاظ والشعراء، فضلًا عن دورها في الفنون والحرف والعمارة.
جامع الملك.. أول مسجد في المدينة
يمثل جامع الملك أقدم وأهم مساجد إلباسان، ويُعد أحد أقدم المساجد الأثرية في ألبانيا عمومًا، إذ يعود بناؤه إلى أواخر القرن الخامس عشر خلال فترة السلطان بايزيد الثاني، بعد الفتح العثماني للمدينة.
وقد شُيّد داخل القلعة التاريخية بالقرب من بوابتها الجنوبية، وكان يُعرف أيضًا باسم «جامع الجيش»، لأنه بُني في بدايته لخدمة الجيش العثماني المتمركز داخل القلعة.
ومع مرور الوقت، أصبح الجامع نقطة الانطلاق الأولى لانتشار الإسلام في المدينة، وتحول إلى مركز رئيسي للتعليم والثقافة الإسلامية في وسط البلاد.
استكمال مشروع بدأ قبل أشهر
وكانت بلدية إلباسان، بالتنسيق مع دار الإفتاء في محافظة إلباسان وبدعم من وكالة التعاون والتنسيق التركية، قد أعلنت في وقت سابق اقتراب انتهاء أعمال الترميم، بعد زيارة ميدانية رسمية أكدت دخول المشروع مراحله النهائية.
واليوم، اكتمل المشروع وعاد الجامع إلى أداء دوره الديني والثقافي، مع استئناف الصلوات والأنشطة الدينية وفتح أبوابه مجددًا أمام أبناء المدينة والزوار.
رمزية تاريخية بعد عقود من الإغلاق
تتضاعف أهمية جامع الملك في ذاكرة المجتمع المسلم المحلي، إذ كان أول مسجد يُعاد افتتاحه في مدينة إلباسان عقب سقوط الحكم الشيوعي عام 1991، بعد سنوات من الإغلاق وتحويله خلال تلك الحقبة إلى ورشة لصناعة التماثيل. كما كان ثالث مسجد يُعاد افتتاحه على مستوى ألبانيا، بعد الجامع الرصاصي في مدينة أشكودرا شمال البلاد، وجامع أدهم بك في قلب العاصمة الألبانية تيرانا.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل الجامع رمزًا لعودة الحياة الدينية في المدينة واستعادة حضورها الإسلامي التاريخي، فيما جاء الترميم الأخير ليعزز مكانته بوصفه معلمًا دينيًا وتراثيًا وسياحيًا بارزًا في قلب القلعة التاريخية.
ترميم يحفظ الهوية ويعزز السياحة الثقافية
لا يقتصر هذا المشروع على البعد الديني فقط، بل يندرج ضمن رؤية أوسع لإحياء حي القلعة التاريخي وتعزيز السياحة الثقافية في إلباسان، بما يحفظ الهوية الإسلامية والعثمانية للمدينة ويمنحها حضورًا أوسع على خريطة التراث في ألبانيا.
ومع إعادة افتتاح جامع الملك، تستعيد المدينة أحد أبرز رموزها التاريخية، في مشهد يربط خمسة قرون من الذاكرة الدينية بالحاضر.
ـ المصدر: دار الإفتاء في محافظة إلباسان ـ موقع إلباسان إيمي









