مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ألمانيا.. 5 دول تقدم نموذجًا رائدًا للتعاون بين الأديان لحماية البيئة وتربية الأجيال في أوغسبورغ

جامعة أوغسبورغ تختتم مشروعًا دوليًا ضمن «إيراسموس+» بمشاركة مؤسسات أكاديمية من ألبانيا والنمسا وإسبانيا وماليزيا

من الحوار الديني إلى العمل الإنساني المشترك..

إعداد المعلمين لنشر الوعي البيئي بين الأطفال والشباب وإنتاج موارد تعليمية لتطبيقها في المدارس والجامعات والمساجد والكنائس

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

حين تتجاوز اللقاءات بين أتباع الأديان حدود التعارف والتفاهم المتبادل، وتتجه نحو التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، يكتسب الحوار بُعدًا إنسانيًا وحضاريًا أوسع، يصبح فيه الاختلاف الديني والثقافي مصدرًا لتبادل الخبرات والعمل المشترك، لا عائقًا أمام التعاون.

وتبرز حماية البيئة والحفاظ على موارد الأرض بوصفهما من القضايا التي تجمع البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم وأوطانهم، وتفتح أمام المؤسسات الدينية والأكاديمية آفاقًا جديدة لخدمة الإنسان وتطوير المجتمعات، من خلال تحويل القيم الأخلاقية إلى برامج تعليمية ومبادرات عملية تستثمر في الإنسان منذ طفولته، وتمتد آثارها إلى الأجيال القادمة.

تجربة دولية لحماية البيئة

وفي هذا السياق، استضافت جامعة أوغسبورغ الألمانية، في 8 أكتوبر 2026، المؤتمر الختامي لمشروع «التعليم بين الأديان من أجل التنمية المستدامة»، ضمن برنامج «إيراسموس+» الأوروبي، بمشاركة مؤسسات أكاديمية من خمس دول هي ألمانيا والنمسا وإسبانيا وألبانيا وماليزيا، لعرض نتائج تجربة دولية تربط التعاون بين الأديان بالتربية البيئية وإعداد المعلمين وحماية مستقبل الأجيال.

وعُقد المؤتمر في مركز المرونة المناخية التابع للجامعة، تحت عنوان «مواجهة التحديات العالمية: التربية البيئية والتربية على السلام من خلال التعاون بين الأديان في إعداد المعلمين»، في إطار مشروع «الأديان من أجل البيئة»، الذي يسعى إلى تحويل المسؤولية الدينية والأخلاقية المشتركة تجاه الطبيعة إلى مناهج وموارد تعليمية قابلة للتطبيق.

وتقود جامعة أوغسبورغ هذه الشراكة الدولية، التي تضم الكلية الجامعية لتأهيل معلمي الكنائس المسيحية في فيينا والنمسا السفلى، وجامعة كتالونيا الدولية في إسبانيا، وكلية بدر الجامعية في العاصمة الألبانية تيرانا، والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا.

وتكتسب التجربة أهميتها من جمع مؤسسات تنتمي إلى بيئات دينية وثقافية مختلفة، في مشروع تعليمي مشترك يتعامل مع حماية البيئة والمناخ باعتبارها مسؤولية إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الدينية.

التعاون لخدمة الإنسان والبيئة

تقوم الفكرة الأساسية للمشروع على تطوير وظيفة الحوار بين الأديان، بحيث لا يتوقف عند بناء التفاهم والاحترام المتبادل، بل يمتد إلى التعاون العملي في مواجهة القضايا التي تؤثر في حياة البشر ومستقبل المجتمعات.

وتقدم البيئة مجالًا واضحًا لهذا التحول؛ إذ تشترك المجتمعات الإنسانية في الحاجة إلى المياه النظيفة، وحماية الطبيعة، والحد من المخاطر المناخية، والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة، مهما اختلفت معتقداتها وثقافاتها.

وفي هذا الإطار، أكدت البروفيسورة الدكتورة إليزابيث ناورات، رئيسة منظمة «أديان من أجل السلام – ألمانيا»، أن التعليم بين الأديان ينبغي أن يتجاوز التفاهم المتبادل إلى العمل المشترك من أجل الصالح العام. وقالت: «لن نتمكن من حل هذه الأزمات العالمية الكبرى إلا معًا، وليس بمفردنا، وبالتأكيد ليس من خلال مواجهة بعضنا بعضًا».

وشددت ناورات على أهمية دمج الأخلاقيات البيئية في إعداد المعلمين، معتبرة أن التعاون بين الأديان يمكن أن يمنح الشباب الأمل في مواجهة التحديات العالمية، ويساعد على نقل نتائج المشروعات الأكاديمية إلى مبادرات مجتمعية.

ومن جانبه، أكد الأكاديمي الألباني، الأستاذ المشارك الدكتور جنتي كرويا، رئيس منظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا»، أهمية الربط بين الإيمان والتعليم والمسؤولية تجاه البيئة، مشيرًا إلى دور الشبكات الدينية والمؤسسات الأكاديمية في تحويل الحوار إلى تعاون ملموس.

وقال كرويا: «تساعد هذه الشبكات معًا على تحويل الحوار إلى عمل عملي»، في إشارة إلى التعاون بين الهيئات الوطنية للحوار بين الأديان والقيادات الدينية وشبكات الشباب والنساء. كما أبرز أهمية العناية بالمياه والأنهار والبحيرات والتراث الطبيعي المشترك، باعتبارها مسؤولية متبادلة بين البشر وواجبًا أخلاقيًا تجاه الأجيال القادمة.

المعلمون وصناعة المستقبل

يمثل إعداد المعلمين أحد أبرز المحاور العملية التي تميز هذه التجربة الدولية، انطلاقًا من أن حماية البيئة لا تتحقق بالتوعية المؤقتة وحدها، بل تحتاج إلى تربية مستمرة تسهم في بناء وعي الأجيال وتوجيه سلوكها اليومي.

فالمعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، وإنما مربٍّ للأجيال، يستطيع أن يحول المفاهيم البيئية إلى قيم وسلوكيات يكتسبها الأطفال والشباب، ويطبقونها في حياتهم ومدارسهم ومجتمعاتهم.

ولهذا يركز المشروع على دمج حماية الطبيعة والمناخ، والقدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، والعدالة المناخية، والمسؤولية الأخلاقية تجاه البيئة، ضمن برامج إعداد المعلمين وتأهيلهم.

وتتجاوز أهمية هذا التوجه حدود المؤسسات الأكاديمية المشاركة، إذ يفتح المجال أمام نقل المعرفة البيئية إلى الطلاب، وتشجيعهم على ترشيد استهلاك الموارد، وحماية المياه، واحترام الطبيعة، وإدراك مسؤوليتهم تجاه مستقبل الحياة على الأرض.

وفي هذا الإطار، عرض شركاء المشروع نتائج أعمالهم في الدول الخمس خلال جلسة أدارتها البروفيسورة إليف مدني، وتضمنت الفعاليات تقديم مواد تعليمية ودليل إرشادي وموارد إلكترونية، إلى جانب فيلم وثائقي عن المشروع ومساهمات للطلاب.

كما تناولت المناقشات كيفية إدخال هذه الموارد ضمن برامج إعداد المعلمين والأنشطة الشبابية في المجتمعات التابعة للمساجد والكنائس، بما يوسع نطاق الاستفادة من نتائج المشروع خارج الجامعات.

ومن هنا تتجلى القيمة التربوية للتجربة في بناء حلقة متصلة تبدأ بالتعاون بين المؤسسات الدينية والأكاديمية، وتمر بتأهيل المعلمين، ثم تنتقل إلى الأطفال والشباب، وصولًا إلى ترسيخ ثقافة مجتمعية تحترم البيئة وتحافظ على مواردها.

من المعرفة إلى التطبيق

لم يقتصر المؤتمر الختامي على استعراض المبادئ والأهداف، بل قدم نتائج تعليمية وموارد أُنتجت خلال المشروع، وبحث المشاركون سبل استمرار استخدامها بعد انتهاء مرحلته الحالية.

وشمل البرنامج عرض خبرات الشركاء من البلدان المشاركة، ومناقشة تجارب سابقة مرتبطة بمؤتمر كارلسروه، والاستماع إلى رؤى الطلاب والممارسين حول تطوير التربية البيئية القائمة على التعاون بين الأديان.

كما ناقش المشاركون فرص الاستفادة من الشبكات الدينية والمجتمعية في نشر هذه الموارد، وربط المؤسسات التعليمية بالأنشطة الشبابية والمبادرات المحلية.

وفي جانب يعكس الانتقال من التعليم إلى التضامن العملي، تضمنت الجلسة الختامية تقديم مشروع «البئر» (The Well Project)، إلى جانب نداء لجمع التبرعات شارك فيه البروفيسور الدكتور عمران شروتر والدكتور جنتي كرويا.

وشهد المؤتمر كلمات ترحيبية من البروفيسور الدكتور أكسل توما، نائب رئيس جامعة أوغسبورغ لشؤون التدويل والاستدامة، والدكتورة سلجان غوزيل من مؤسسة أويغن بيزر، وسيمونه فلايشمان، رئيسة رابطة المعلمين البافارية.

وتعكس مشاركة هذه المؤسسات الأكاديمية والدينية والتربوية أهمية بناء شراكات متعددة المجالات، تجمع المعرفة العلمية بالمسؤولية الأخلاقية والعمل المجتمعي.

وتقدم تجربة الدول الخمس نموذجًا قابلًا للاستفادة منه في توسيع مجالات الحوار بين الأديان نحو قضايا إنسانية أخرى، من خلال ربط المبادئ المشتركة بالتعليم والتدريب وإنتاج الأدوات العملية.

وتبقى القيمة الأبرز للمشروع في انتقال التعاون بين الأديان من قاعات الحوار إلى برامج إعداد المعلمين، باعتبارهم حلقة أساسية في تربية الأجيال على حماية البيئة، وصيانة موارد الأرض، وتحمل المسؤولية المشتركة تجاه الإنسان والكون.

د. جنتي كرويا.. سفير التسامح الألباني إلى العالم

يمثل الدكتور جنتي كرويا نموذجًا أكاديميًا ألبانيًا يجمع بين المعرفة والعمل الإنساني والحضور المؤسسي، مستندًا إلى تجربة بلاده في التعايش بين أتباع الأديان بوصفها قيمة حضارية يمكن أن تسهم في بناء جسور التفاهم بين الشعوب والثقافات.

ويعمل كرويا في مجالات علم الاجتماع والحوار بين الأديان وبناء السلام والحرية الدينية، جامعًا بين التدريس والبحث العلمي وقيادة المؤسسات والمشاركة في المحافل الأوروبية والدولية. وتشمل مسؤولياته رئاسة «أديان من أجل السلام – أوروبا»، والعمل ضمن «أديان من أجل السلام الدولية»، والأمانة العامة لمجلس ألبانيا للحوار بين الأديان، وإدارة معهد «بريزمي للحوار»، إلى جانب عمله أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة بدر، وخبيرًا في حرية الدين أو المعتقد لدى مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ورئاسة تحرير المجلة العلمية «زاني إي نالت».

ومن خلال أبحاثه ومحاضراته ومشاركاته الدولية، يحمل كرويا إلى خارج ألبانيا تجربة مجتمع استطاع أن يجعل من التنوع الديني مساحة للعيش المشترك لا سببًا للانقسام، رابطًا بين المعرفة الأكاديمية والحوار الإنساني والعمل من أجل السلام. ومن هنا تتجاوز رسالته حدود النشاط المؤسسي لتقدم صورة حضارية عن ألبانيا، يكون فيها احترام الاختلاف والتعارف والتعاون بين أتباع الأديان جسورًا تصل الإنسان بالإنسان، مهما اختلفت معتقداته وثقافته ووطنه.

المصدر: منظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا».

التخطي إلى شريط الأدوات