مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

إفريقيا.. لماذا ما زلنا نحفر الآبار؟ أرقام صادمة تكشف أن الماء ما زال يفصل بين الحياة والموت في القارة الإفريقية

14 مليار لتر ماء من منطقتين فقط… ومع ذلك ما زال العطش يهدد الملايين

27000 بئر لم تُنهِ الأزمة… الماء ما زال قضية حياة أو موت في القارة الإفريقية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في طرحٍ صادم يعيد تعريف أبسط احتياجات الإنسان، يكشف لقاء «بودكاست دائرة» مع الدكتور عبدالله عبدالرحمن السميط، مدير عام جمعية العون المباشر، أن قضية المياه في إفريقيا ليست مشروعًا خيريًا عابرًا، بل معركة يومية من أجل البقاء، رغم مليارات اللترات التي أُنتجت وآلاف الآبار التي حُفرت خلال السنوات الماضية.

ويُظهر اللقاء، الذي أُجري ضمن بودكاست دائرة، حجم التحدي الحقيقي، حيث أنتجت الآبار في منطقتين فقط في النيجر أكثر من 14 مليار لتر خلال عشر سنوات، ومع ذلك لا تزال الحاجة قائمة بل ومتزايدة، ما يعكس عمق الأزمة وتعقيدها في القارة الإفريقية.

كما يطرح اللقاء سؤالًا جوهريًا يتكرر كثيرًا: لماذا ما زلنا نحفر الآبار رغم كل هذه الجهود؟ وهو السؤال الذي يقود إلى فهم أعمق لطبيعة المشكلة، التي تتجاوز مجرد حفر بئر إلى منظومة متكاملة من الصحة والتعليم والاستقرار الإنساني.

أرقام ضخمة… وواقع أكثر قسوة

يكشف الدكتور السميط أن جمعية العون المباشر حفرت منذ تأسيسها نحو 27 ألف بئر في إفريقيا، ومع ذلك لا يزال الاحتياج كبيرًا، حيث أعلنت بعض الحكومات حاجتها إلى آلاف الآبار العميقة ذات الإنتاجية العالية.

وفي مثال لافت، ساهمت الجمعية خلال عشر سنوات في حفر نحو ألف بئر فقط من أصل ستة آلاف بئر مطلوبة في دولة واحدة، ما يوضح الفجوة الكبيرة بين الجهود المبذولة وحجم الاحتياج الفعلي على الأرض.

ولا تقف الأرقام عند هذا الحد، بل تشير الإحصاءات إلى أن الآبار في مناطق محددة أنتجت مئات الملايين من اللترات سنويًا، بينما يصل إنتاج بعض الآبار إلى 90 مليون لتر، ما يعكس حجم الأثر، لكنه في الوقت نفسه يكشف اتساع رقعة الحاجة.

الماء ليس رفاهية… بل خط الدفاع الأول عن الحياة

يوضح اللقاء أن الماء في إفريقيا ليس مجرد مورد، بل هو أساس كل شيء: الصحة، التعليم، الاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي. ففي بعض القرى، لا يتجاوز استهلاك الفرد 4 إلى 5 لترات يوميًا، مقارنة بأكثر من 300 لتر في بعض الدول، وهو ما يعني أن الإنسان هناك يستخدم هذه الكمية المحدودة للشرب والطهي والنظافة وحتى الزراعة.

كما أن غياب الماء النظيف يؤدي إلى انتشار أمراض خطيرة مثل الملاريا والكوليرا والتيفوئيد، إضافة إلى ارتفاع معدلات وفيات الأطفال التي تصل إلى 25–30% قبل سن الخامسة في بعض المناطق، نتيجة المياه الملوثة وسوء الظروف الصحية.

ويؤكد الدكتور السميط أن توفير الماء النظيف ينعكس مباشرة على حياة الناس، حيث تنخفض نسب الوفيات، وتتحسن الصحة العامة، وتزداد فرص التعليم والعمل.

لماذا لا تنتهي الأزمة؟

رغم آلاف الآبار، يوضح اللقاء أن الأزمة مستمرة لعدة أسباب:

أولًا: النمو السكاني الكبير في القرى الإفريقية، ما يجعل الحاجة تتجدد باستمرار.

ثانيًا: ضعف جودة بعض الآبار التي تنفذها جهات أخرى، حيث تكون سطحية أو قليلة الإنتاج أو تتعطل سريعًا.

ثالثًا: الظروف البيئية القاسية، مثل الجفاف وبعد مصادر المياه.

رابعًا: التحديات التشغيلية، مثل الصيانة والحراسة، حيث تتعرض بعض الآبار للسرقة أو الأعطال إذا لم تُدار بشكل احترافي.

كما يشير اللقاء إلى أن بعض القرى كانت تملك آبارًا سابقًا، لكنها غير صالحة أو ملوثة، ما يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

من البئر إلى الحياة

في أحد أكثر المشاهد تأثيرًا، يوضح اللقاء كيف تتحول القرية بالكامل بعد حفر بئر نظيف:
تعود الزراعة، تتحسن صحة الأطفال، تلتحق الفتيات بالمدارس بدل قضاء ساعات في جلب الماء، وتبدأ الحياة بالاستقرار.

بل إن بعض المشاريع المائية الكبيرة، التي تمتد شبكاتها لعشرات الكيلومترات، أعادت الناس إلى قراهم بعد أن هجروها بحثًا عن الماء والعمل.

كما أن أثر الماء لا يتوقف عند الجانب المعيشي، بل يمتد إلى الجانب الدعوي والإنساني، حيث يفتح الباب للتواصل، ويعزز ثقة المجتمعات، بل ويسهم أحيانًا في دخول غير المسلمين إلى الإسلام نتيجة هذا الأثر المباشر.

تمهيد للتقارير القادمة

في هذه السلسلة، ننتقل من الصورة العامة إلى التفاصيل العميقة، عبر أربعة تقارير متكاملة:

١) إفريقيا.. الماء حياة: كيف ينقذ بئر واحد قرية كاملة من الموت والفقر

٢) إفريقيا.. أرقام مذهلة: كيف تحولت مليارات اللترات إلى قصص حياة

٣) إفريقيا.. لماذا الآبار ليست متشابهة؟ الحقيقة التي لا يعرفها كثير من المتبرعين

٤) إفريقيا.. أين تذهب أموال التبرعات؟ كيف تُدار المشاريع بأعلى معايير الجودة والشفافية

هذه السلسلة لا تروي قصة الماء فقط، بل تكشف كيف يمكن لصدقة واحدة أن تتحول إلى حياة كاملة لقُرى بأكملها، وإلى أثرٍ ممتد يتجاوز حدود الزمان والمكان.

ـ المصدر: بودكاست دائرة ـ لقاء الدكتور عبدالله عبدالرحمن السميط

 

التخطي إلى شريط الأدوات