12 فعالية دينية وعلمية وثقافية وفنية تستعيد رحلة المدرسة من الوقف العثماني إلى مؤسسة تعليمية معاصرة وحضور بارز في المشهد الثقافي والسياحي للمدينة
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في ترافنيك، وسط البوسنة والهرسك، يمتد بين واقف عاش قبل أكثر من ثلاثة قرون وطلاب يدخلون مدرسته اليوم خيط من العلم لم تستطع تحولات التاريخ أن تقطعه نهائيًا.
تغير المبنى، وتعطلت الدراسة عقودًا، وتعاقبت على المدينة مراحل وأنظمة مختلفة، لكن فكرة الوقف التي بدأت لخدمة العلم بقيت قادرة على استعادة الحياة، حتى وصلت المدرسة إلى عامها الـ320 وهي تؤدي رسالتها التعليمية والتربوية.
12 فعالية تحتفي بوقف ما زال حيًا بعد 320 عامًا
فقد أعلنت مدرسة «إلتشي إبراهيم باشا» في ترافنيك، خلال مؤتمر صحفي عقد في مقرها اليوم، 7 أكتوبر 2026، برنامج الاحتفال بمرور 320 عامًا على تأسيسها، تحت شعار «320 عامًا في خدمة العلم والأخلاق».
ويمتد البرنامج خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، ويضم 12 فعالية احتفالية ودينية وعلمية وثقافية وفنية، تستعيد تاريخ المدرسة ودورها في التعليم والتربية وحفظ التراث البوشناقي، وتقدم مسيرتها الممتدة من الوقف العثماني إلى المؤسسة التعليمية المعاصرة.
وقال مدير المدرسة ورئيس اللجنة المنظمة، الدكتور كمال أفداغيتش، إن المناسبة تتجاوز الاحتفال بذكرى تأسيس مؤسسة تعليمية، إذ تمثل المدرسة شاهدًا على عصر كامل، وعلى الاستثمار في التعليم والحفاظ على التراث البوشناقي وبناء الإنسان.
وأوضح أن المدرسة شاركت شعبها مصيره عبر مراحل تاريخية وأنظمة اجتماعية مختلفة، بما حملته من صعود وتراجع، وصولًا إلى استئناف عملها عام 1994، مشيرًا إلى أنها تحافظ اليوم على تقاليدها، وفي الوقت نفسه تواكب التطورات الحديثة واحتياجات المجتمع.
1706.. وقف عثماني بدأ في عاصمة البوسنة القديمة
وتبدأ الإجابة عن سر استمرار المدرسة بالعودة إلى عام 1706، عندما أسسها إلتشي إبراهيم باشا، الوزير العثماني والواقف، في ترافنيك التي كانت آنذاك عاصمة البوسنة. وكانت المدرسة واحدة من ثلاث مدارس موجودة في ترافنيك، لكنها أصبحت الأقدم والوحيدة بينها التي بقيت حتى اليوم.
وتكتسب هذه الحقيقة دلالة خاصة في الذكرى الـ320؛ فالمدرسة نفسها وقف لإلتشي إبراهيم باشا، وهو ما جعل قصة بقائها مرتبطة بفكرة الوقف التي أنشئت من خلالها لخدمة العلم.
وأشار أفداغيتش إلى أن استمرار المدرسة بعد 320 عامًا يكشف كيف يمكن لفكرة الخير، عندما تنطلق من نية صادقة، أن تعيش وتتواصل عبر القرون.
1892.. هُدم المبنى وبقيت المدرسة
ولم تكن رحلة هذا الوقف ممتدة بلا انقطاع؛ فقد تعرض المبنى الأصلي للمدرسة للهدم عام 1892 بسبب إنشاء خط للسكك الحديدية عبر ترافنيك. لكن هدم المبنى لم ينه المؤسسة، إذ شُيد المبنى الحالي واستمرت فيه الدراسة حتى عام 1941.
وبعد الحرب العالمية الثانية، مُنعت المدرسة من مواصلة عملها، واستخدم المبنى لأغراض مختلفة خلال العقود التالية، لتدخل المؤسسة أطول فترات الانقطاع في تاريخها.
1994.. 96 طالبًا يعيدون الحياة بعد توقف 53 عامًا
وبعد 53 عامًا من توقف الدراسة، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المدرسة عام 1994. ففي 8 أكتوبر من ذلك العام، عادت الدراسة بأول دفعة ضمت 96 طالبًا موزعين على ثلاثة فصول، لتستأنف المؤسسة التعليمية رسالتها بعد أكثر من نصف قرن من الانقطاع.
وكانت العودة أكثر من مجرد إعادة فتح أبواب مبنى قديم؛ فقد أعادت الحياة إلى وقف تعليمي تأسس قبل نحو ثلاثة قرون، وفتحت أمامه فصلًا جديدًا يستمر حتى اليوم.
وتعمل مدرسة «إلتشي إبراهيم باشا» حاليًا مؤسسةً للتعليم الثانوي بنظام داخلي، محافظة بذلك على الوظيفة التعليمية التي كانت في أصل تأسيسها.
2004 و2014 و2021.. تطوير المناهج لمواكبة الحاضر
ولم يكن بقاء المدرسة قائمًا على المحافظة على تاريخها فقط؛ فقد صاحب استئناف نشاطها تطوير للعملية التعليمية بما يتلاءم مع احتياجات الأجيال الجديدة. وشهد المنهج الدراسي عمليات تطوير في أعوام 2004 و2014 و2021، بهدف مواكبة الاتجاهات الحديثة وإتاحة الفرصة أمام الطلاب للمنافسة في مواصلة تعليمهم ودخول سوق العمل.
وتقوم فلسفة المدرسة، بحسب أفداغيتش، على الجمع بين التعليم والتربية؛ بحيث لا تكون مهمتها منح الطلاب المعرفة فقط، وإنما إعداد إنسان يحمل القيم ويكون عضوًا مسؤولًا في المجتمع ومساهمًا فيما هو إيجابي ونافع.
وبهذا تجمع المؤسسة بين تقاليدها الممتدة منذ تأسيس الوقف ومتطلبات التعليم المعاصر، في أحد مفاتيح قدرتها على مواصلة رسالتها بعد عودتها.
22 أكتوبر.. الاحتفال يعيد الواقفين إلى الواجهة
ويبدأ البرنامج الرسمي للذكرى في 22 أكتوبر بأكاديمية احتفالية مركزية، تتضمن تقديم جوائز وشهادات تقديرية خاصة بالمناسبة. وتحضر فكرة الوقف مجددًا في قلب الاحتفال من خلال عرض مشروع «واقفو المدرسة»، إلى جانب الكشف عن لوحة تذكارية مخصصة للواقفين، في استعادة للدور الذي أدته ثقافة الوقف في تأسيس المؤسسة واستمرار رسالتها.
وفي 19 نوفمبر، تقام «أمسية القرآن الكريم»، التي تستعرض من خلال تلاوة آيات مختارة وكلمات بالمناسبة مكانة القرآن الكريم في مسيرة المدرسة الممتدة 320 عامًا.
«المدرسة بين أهلها»..
الخريجون يعودون إلى قصة المؤسسة
ولا تتوقف الفعاليات عند الاحتفال داخل مقر المدرسة؛ إذ يتضمن البرنامج مشروع «المدرسة في الجماعات – المدرسة بين أهلها». ويشمل المشروع تقديم الكتاب التذكاري الصادر بمناسبة مرور 30 عامًا على إعادة تفعيل عمل المدرسة، إلى جانب لقاءات مع الأئمة والخريجين والطلاب وأصدقاء المؤسسة، ومحاضرات وقصص نجاح لخريجيها ومعارض للصور الترويجية والأرشيفية.
كما تشمل الاحتفالات برامج علمية وبحثية وفنية، ومائدة مستديرة، ومعارض موضوعية، وبرامج للموسيقى الدينية، إلى جانب حملة إعلامية وترويجية ترافق مختلف الفعاليات وتوثقها وتقدمها للجمهور.
«بوابة ترافنيك الشرقية»..
320 عامًا تدخل الخريطة السياحية
ولم يعد إرث المدرسة حاضرًا في التعليم وحده؛ فقد أصبحت جزءًا من التراث الثقافي والتاريخي والعرض السياحي لمدينة ترافنيك. وقال مدير هيئة السياحة في بلدية ترافنيك، سامر دولوفاتس، إن التراث الثقافي والتاريخي يمثل أحد أهم عناصر قوة السياحة في المدينة، واصفًا مدرسة «إلتشي إبراهيم باشا» بأنها «بوابة المدخل الشرقي لترافنيك» وجزء مهم من فسيفسائها السياحية.
وأوضح أن موقع المدرسة وعمارتها وتاريخها وتقاليدها الممتدة 320 عامًا تمنحها مكانة متقدمة بين المعالم السياحية في المدينة.
ويضيف هذا الحضور بعدًا جديدًا إلى قصة الوقف؛ فالمؤسسة التي أُنشئت للتعليم أصبحت بعد ثلاثة قرون جزءًا من الصورة التي تقدم بها ترافنيك تاريخها وتراثها إلى زوارها.
عامان لبناء هوية بصرية تقدم التراث للزوار
ويمتد هذا الربط بين التاريخ والسياحة إلى الطريقة التي تقدم بها المدرسة نفسها في الحاضر. وأشار دولوفاتس إلى أن مشروع الهوية البصرية الجديدة للمدرسة جاء ثمرة عمل استمر عامين بالتعاون بين هيئة السياحة والمدرسة، في إطار السعي إلى تقديم التراث الثقافي والتاريخي لترافنيك بصورة أفضل للزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم.
وبذلك لا يبقى تاريخ المدرسة محفوظًا داخل الوثائق أو المبنى، وإنما يتحول إلى جزء من التعريف بالمدينة وذاكرتها ومعالمها أمام الأجيال الجديدة والزوار.
من واقف عاش عام 1706 إلى طلاب يدرسون في 2026
وبعد 320 عامًا، تقدم مدرسة «إلتشي إبراهيم باشا» إجابتها العملية عن سؤال البقاء؛ فقد هُدم مبناها الأول، وتوقفت الدراسة فيها 53 عامًا، وتغيرت الظروف والأنظمة، لكنها استعادت وظيفتها الأساسية وعادت لتعليم أجيال جديدة.
وبين وقف أسسه إلتشي إبراهيم باشا عام 1706 وطلاب يجلسون في فصول المدرسة عام 2026، بقيت فكرة واحدة قادرة على عبور ثلاثة قرون: أن استثمارًا في العلم والإنسان يمكن أن تتجاوز آثاره عمر صاحبه.
وهكذا لم يبق الوقف الإسلامي العثماني مجرد صفحة من تاريخ ترافنيك، بل عاد مؤسسة تعليمية حية، وحضورًا ثقافيًا وسياحيًا، وجسرًا يصل إرث المدينة بأجيالها الجديدة.
ـ المصدر: موقع «Preporod.info» .
