مشروع حضاري واعد لصناعة قادة العلم والدعوة والتنمية في القارة الإفريقية
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في قلب السنغال، ومن رحم تجربة علمية امتدت لعقود، يبرز مشروع «الجامعة الإفريقية المعاصرة» بوصفه أحد أكثر المشاريع التعليمية الإسلامية طموحًا في غرب إفريقيا، بعد أن تجاوزت الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية قدرتها الاستيعابية نتيجة الإقبال المتزايد من الطلاب من داخل السنغال وخارجها.
ويأتي هذا المشروع استجابة لحاجة ملحّة في القارة الإفريقية إلى تعليم عالٍ يجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة والتأهيل المهني، في وقت تؤكد فيه الدراسات الإفريقية أن التعليم المفتوح والتعليم عن بُعد أصبحا من أهم أدوات توسيع الوصول إلى التعليم العالي في إفريقيا جنوب الصحراء.
إقبال كبير فرض قرار التوسع
كشف الأستاذ الدكتور محمد أحمد لوح أن الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية، التي انطلقت عام 2001، شهدت خلال السنوات الماضية إقبالًا شديدًا من الطلاب، حتى بات من الصعب استيعاب الأعداد المتزايدة.
وأوضح أن المؤسسة لا تستطيع قبول أكثر من نحو 150 طالبًا سنويًا رغم كثرة طلبات الالتحاق، الأمر الذي دفع الإدارة إلى اتخاذ قرار استراتيجي بالتوسع عبر تأسيس «الجامعة الإفريقية المعاصرة».
وبيّن أن هذا القرار لم يكن مجرد فكرة، بل دخل بالفعل مرحلة الدراسة والتخطيط المؤسسي، بعد الحصول على الترخيص الرسمي، إلى جانب تخصيص أرض منحة من الحكومة السنغالية في العاصمة الجديدة.
ويؤكد هذا التوجه ما تشير إليه تقارير التعليم العالي في إفريقيا من أن الضغط المتزايد على مقاعد الجامعات يدفع المؤسسات إلى تبني نماذج توسع جديدة، خاصة التعليم المدمج والتعليم عن بُعد.
خمس كليات تخدم نهضة القارة
بحسب ما ورد في اللقاء، أُنجزت الدراسة الأكاديمية الكاملة للمشروع، وتشمل خمس كليات رئيسية صُممت لتلبية احتياجات الواقع الإفريقي:
١) كلية الشريعة والدراسات الإسلامية لتخريج علماء ودعاة وباحثين قادرين على خدمة المجتمعات المسلمة في إفريقيا.
٢) كلية اللغة العربية وآدابها لتعزيز حضور العربية، لغة القرآن والعلوم الإسلامية، في غرب إفريقيا.
٣) كلية التربية وعلومها لإعداد المعلمين والكوادر التربوية وتأهيل المؤسسات التعليمية.
٤) كلية الإدارة والعلوم المالية لإعداد قيادات مهنية في الإدارة والاقتصاد والتمويل.
٥) كلية الحاسوب والتكنولوجيا الحديثة لتأهيل الشباب الإفريقي في المجالات الرقمية والتقنية الحديثة.
هذا التوجه يتوافق مع الرؤية الإفريقية المعاصرة التي تربط التعليم العالي بالمهارات والاقتصاد الرقمي.
معهد كبير للتدريب المهني
لم يقتصر المشروع على التعليم الأكاديمي، بل يتضمن أيضًا معهدًا كبيرًا للتدريب المهني يضم نحو ثماني تخصصات وحِرَف مختلفة.
ويمثل هذا المعهد بُعدًا تنمويًا بالغ الأهمية، لأنه يفتح المجال أمام الشباب لاكتساب مهارات عملية مباشرة تؤهلهم لسوق العمل، وتسهم في الحد من البطالة ورفع مستوى الدخل.
وتشير التجارب الإفريقية الناجحة إلى أن التعليم المهني والتقني من أكثر المسارات تأثيرًا في التنمية المحلية وبناء فرص العمل.
التعليم عن بُعد.. الحل لاستيعاب الأعداد الكبيرة
من أبرز ما يميز المشروع، وجود خطة واضحة لإطلاق نظام التعليم عن بُعد.
وأوضح الدكتور لوح أن الأعداد المتقدمة من مختلف الدول الإفريقية تفوق القدرة الاستيعابية حتى بعد إنشاء الجامعة، ولذلك يجري التخطيط لإدراج التعليم عن بُعد ضمن المشروع منذ البداية.
وهذا المسار يحمل أهمية استراتيجية، لأنه يسمح بوصول التعليم إلى آلاف الطلاب في المناطق البعيدة والريفية وعبر الحدود، دون الحاجة إلى الانتقال الجغرافي.
وتؤكد التقارير التعليمية الإفريقية أن التعليم عن بُعد أصبح وسيلة محورية لتوسيع فرص التعليم العالي والوصول إلى المجتمعات الأقل حظًا.
دعوة مفتوحة لأهل الخير
هذا المشروع ليس مجرد مبنى جامعي، بل هو مشروع نهضة للقارة الإفريقية بأسرها.
جامعة قادرة على استيعاب أكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة، وتخريج علماء، ومعلمين، وخبراء إدارة، ومختصين في التكنولوجيا، إلى جانب تأهيل الشباب مهنيًا.
إنها فرصة تاريخية للمساهمة في صناعة مستقبل العلم والدعوة والتنمية في إفريقيا.
كل لبنة في هذا المشروع قد تتحول إلى عالم، أو معلم، أو داعية، أو شاب يجد طريقه إلى العمل والكرامة.
إن دعم هذا المشروع هو استثمار في الإنسان الإفريقي، وفي مستقبل المجتمع المسلم في القارة، وفي صناعة أثرٍ ممتد لأجيال قادمة.
ـ المصدر: بودكاست قصة حياة / د. حياة الله عتيد + تصريحات الأستاذ الدكتور محمد أحمد لوح