مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في أقصى جنوب الفلبين، حيث تمتد مئات الجزر وسط مياه استوائية نقية، تبرز محافظة تاوي تاوي بوصفها أحد أهم المراكز التاريخية للإسلام في البلاد، رغم الصورة النمطية التي لا تربط الفلبين غالبًا بهذا البعد. ويكشف فيلم وثائقي ميداني حديث عن هذا الوجه الغائب، مقدمًا رحلة إنسانية داخل مجتمع مسلم أصيل حافظ على دينه وهويته عبر قرون طويلة، في منطقة نادرًا ما تحظى بالاهتمام الإعلامي الدولي.
رحلة البلوجر.. استكشاف الإسلام المنسي في جنوب شرق آسيا
يأتي هذا الفيلم ضمن مشروع المدوّن والرحالة فيليب نيسر، الذي يسعى من خلال قناته إلى استكشاف المجتمعات المسلمة المنسية حول العالم، خاصة في المناطق البعيدة عن التغطية الإعلامية. ويعتمد في رحلاته على التفاعل المباشر مع السكان المحليين، ونقل تفاصيل الحياة اليومية كما هي.
وفي هذه الرحلة، توجّه إلى أقصى جنوب الفلبين عبر عدة رحلات جوية متتالية، وصولًا إلى تاوي تاوي، ليكشف واقع المنطقة بنفسه، في ظل ما يُتداول عنها من تصورات أمنية سلبية، مقدمًا صورة مغايرة تعكس الأمن والكرم والتماسك المجتمعي.
تاوي تاوي.. جغرافيا الجزر وعراقة الحضور الإسلامي
تقع تاوي تاوي ضمن أرخبيل سولو في أقصى جنوب غرب الفلبين، وتتميز بكونها مجموعة من الجزر المتناثرة التي يعتمد سكانها على النقل البحري للتنقل بينها. وتُعد المنطقة من أقدم مواطن دخول الإسلام إلى الفلبين، حيث تشير الروايات التاريخية إلى وصول الداعية الشيخ كريم المخدوم في القرن الرابع عشر، وبناء مسجد يُعد من أقدم المساجد في البلاد.
ويعيش في هذه المنطقة مجتمع مسلم أصيل، خاصة من عرقية «ساما» المسلمة، التي تنقسم إلى مجموعات تعيش في البر وأخرى تعيش في البحر مثل «باجاو»، في نمط حياة يعكس التكيف مع البيئة البحرية والتمسك بالعادات والتقاليد.
أقدم مسجد.. شاهد حي على أكثر من 600 عام من الإسلام
تتجه الرحلة إلى جزيرة سيمونول، حيث يوجد مسجد الشيخ كريم المخدوم، الذي يُعد من أقدم المساجد في جنوب شرق آسيا، إذ يعود تاريخه إلى أكثر من ستة قرون. ولا تزال بعض أعمدته الأصلية محفوظة حتى اليوم، في دلالة واضحة على عمق الجذور الإسلامية في المنطقة.
ويمثل هذا المسجد نقطة انطلاق انتشار الإسلام في الجزر الجنوبية، قبل وصول الاستعمار الإسباني في القرن السادس عشر، الذي سعى إلى تغيير الهوية الدينية للبلاد، لكنه لم يتمكن من إخضاع مناطق الجنوب بشكل كامل.
صمود تاريخي.. من الاستعمار إلى الحفاظ على الهوية
يعرض الفيلم جانبًا مهمًا من تاريخ المسلمين في الفلبين، حيث واجهوا موجات متعاقبة من الاستعمار، بدءًا من إسبانيا، ثم الولايات المتحدة، وصولًا إلى الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم ذلك، حافظت المجتمعات المسلمة في الجنوب على دينها وثقافتها ونمط حياتها.
ويؤكد هذا المسار أن الوجود الإسلامي في الفلبين ليس طارئًا، بل هو جزء أصيل من تاريخ البلاد، سبق فترات الاستعمار وما زال مستمرًا حتى اليوم.
الحياة اليومية.. بساطة وكرم وروابط مجتمعية قوية
تنقل الرحلة ملامح الحياة اليومية في تاوي تاوي، حيث يعتمد السكان على الصيد والتنقل بين الجزر، وتُعد القوارب وسيلة أساسية للحياة. كما تظهر مشاهد الضيافة اللافتة، حيث يُستقبل الزائر بحفاوة، وتُقدّم له المأكولات المحلية والمشروبات التقليدية دون مقابل.
كما تبرز أجواء شهر رمضان، من صلاة التراويح في المساجد، إلى موائد الإفطار الجماعية التي يشارك فيها آلاف الأشخاص، في صورة تعكس قوة الروابط الدينية والاجتماعية داخل المجتمع.
التعايش والأمان.. صورة مغايرة للواقع المتداول
يختتم الفيلم برسالة إنسانية تؤكد أن تاوي تاوي، رغم ما يُشاع عنها، تُعد منطقة آمنة ومسالمة، يعيش فيها المسلمون وغيرهم في حالة من التعايش والاستقرار. وتظهر الرحلة أن الواقع على الأرض يختلف كثيرًا عن الصور النمطية المتداولة في بعض الخطابات الدولية.
وتبقى تاوي تاوي نموذجًا حيًا لمجتمع مسلم أصيل في أقصى أطراف العالم الإسلامي، حافظ على هويته عبر قرون، ونجح في تقديم تجربة إنسانية تستحق أن تُروى وتُعرف.
ـ المصدر: قناة يوتيوب للمدوّن فيليب نيسر
ـ المصدر: موسوعة ويكيبيديا
ـ المصدر: موسوعة بريتانيكا
ـ المصدر: دراسات حول الإسلام في الفلبين وأرخبيل سولو

