المسجد شُيّد عام 1742 في قرية أسان-يلغا بمنطقة كوكْمور ويُعد أحد المعالم النادرة للعمارة الخشبية التترية في القرن 18 ويتميز بتصميم معماري فريد يضم قاعتي صلاة ومئذنة خشبية مثمنة الأضلاع من ثلاثة مستويات تتوسط السقف

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في قلب روسيا، حيث تمتد جذور الإسلام في منطقة الفولغا لأكثر من ألف عام، تحتفظ جمهورية تتارستان بمكانة بارزة في التاريخ الإسلامي الروسي، بوصفها أحد أهم مراكزه الدينية والحضارية. فقد أصبح الإسلام جزءًا أصيلًا من تاريخ المنطقة وهويتها وثقافتها، وظل حاضرًا في حياة أجيال متعاقبة.
وفي القرى التترية، يتجلى هذا الارتباط في المساجد التاريخية التي حافظ عليها الأهالي، تعبيرًا عن عمق الإيمان وحرصهم على صون تراث أجدادهم ونقله إلى أبنائهم. وتتزامن جهود إحياء هذه المعالم مع اختيار قازان، عاصمة تتارستان، عاصمةً للثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026، في مناسبة تعزز الاهتمام بالتراث الإسلامي وآفاق السياحة الثقافية.
1742.. أعمال ترميم مسجد أسان-يلغا التاريخي
فقد شهدت قرية أسان-يلغا، التابعة لمنطقة كوكْمور في جمهورية تتارستان الروسية، يوم 7 أكتوبر 2026، جولة صحفية للاطلاع على أعمال ترميم مسجدها التاريخي، الذي شُيّد عام 1742، ويُعد أحد أقدم المساجد الخشبية الباقية في المنطقة.
ويتمتع المسجد بصفة معلم تراثي ذي أهمية إقليمية، وتبلغ مساحته 130.7 مترًا مربعًا. وشارك في الجولة مفتي تتارستان، رئيس الإدارة الدينية لمسلمي الجمهورية، الشيخ كامل سميع الله، ورئيس لجنة حماية مواقع التراث الثقافي إيفان غوشين، ورئيس منطقة كوكْمور سيرغي ديميترييف، ورئيس مجلس الوجهاء منير يوسفوف، وإمام المسجد شامل جلالييف، إلى جانب ممثلي وسائل الإعلام.
بدأت أعمال الترميم في مايو 2026، حيث جرى تفكيك الهيكل الخشبي للمسجد ونقله إلى ورشة في قرية سوكوري، التابعة لمنطقة لايشيفو، لفحص أجزائه واستبدال العناصر المتضررة. وبعد الانتهاء من هذه المرحلة، بدأت إعادة تجميع الهيكل في موقع المسجد الأصلي بقرية أسان-يلغا. وتشمل الأعمال المقررة لاحقًا ترميم الأجزاء الداخلية، وتجهيز المرافق والخدمات، وتهيئة المنطقة المحيطة بالمبنى.
مئذنة مثمنة وقاعتا صلاة.. خصائص العمارة الخشبية التترية
يتكون المسجد من ثلاثة أقسام داخلية، تشمل قاعة صلاة كبيرة تشغل نحو نصف مساحة المبنى، وقاعة صلاة صغيرة، ومدخلًا داخليًا. وتعلو المبنى مئذنة خشبية مثمنة الأضلاع من ثلاثة مستويات، تتوسط السقف، ويؤدي إلى جزئها العلوي درج داخلي شديد الانحدار، فيما يتميز المستوى العلوي بفتحات غير مزججة.
ويضم المسجد طابقًا سفليًا وشرفة مغطاة بسقف مائل من جهتين، يستند إلى عمودين منفصلين. أما المحراب، فيبرز خارج الواجهة الجنوبية للمبنى، وتعلوه سقيفة مائلة من ثلاث جهات، ضمن التكوين المعماري المميز للمسجد.
حظي المسجد باهتمام أهالي قرية أسان-يلغا، الذين حافظوا على هذا المعلم الإسلامي التاريخي، وهو ما أشاد به المشاركون في الجولة الصحفية، ووجهوا الشكر إلى السكان تقديرًا لجهودهم. ويكتسب هذا الاهتمام دلالة خاصة في المجتمع المسلم التتري، حيث يعبر الحفاظ على المساجد القديمة عن ارتباط الأجيال بتاريخها الديني، وحرصها على استمرار حضور التراث الإسلامي في قراها.
922م.. أكثر من ألف عام على اعتماد الإسلام في منطقة الفولغا
يرتبط التاريخ الإسلامي لتتارستان ببلغار الفولغا، التي اعتمدت الإسلام رسميًا عام 922م، في عهد حاكمها ألموش، الذي استقبل بعثة من الخليفة العباسي المقتدر بالله، كان من أعضائها الرحالة أحمد بن فضلان. وفي عام 2022، أحيت تتارستان الذكرى الـ1100 لهذا الحدث التاريخي، الذي يمثل محطة رئيسية في تاريخ الإسلام بالمنطقة. وقد سبق اعتماد الإسلام رسميًا لدى بلغار الفولغا اعتناق دولة روس الكييفية المسيحية عام 988م بنحو 66 عامًا، وهو ما يبرز الجذور التاريخية المبكرة للإسلام في الأراضي التي تشكل روسيا المعاصرة.
قازان 2026.. عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي
اختارت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» مدينة قازان عاصمةً للثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026. ويعكس هذا الاختيار المكانة التاريخية والثقافية للمدينة، التي تعد من أبرز مراكز الحياة الإسلامية في روسيا.
وتوفر هذه المناسبة إطارًا ثقافيًا أوسع للتعريف بالتراث الإسلامي التتري، بما يشمله من مساجد تاريخية وفنون معمارية ومواقع مرتبطة بتاريخ المسلمين في منطقة الفولغا.
مسجد ماسكارا.. تجربة سابقة وآفاق للسياحة الثقافية
أشار مفتي تتارستان، الشيخ كامل سميع الله، خلال الجولة، إلى تجربة ترميم مسجد ماسكارا التاريخي، الذي أصبح بعد ترميمه مقصدًا للزوار. وأوضح أن مسجد أسان-يلغا أقدم من مسجد ماسكارا، معربًا عن أمله في أن يحقق مشروع ترميمه نتائج مماثلة في جذب المهتمين بالتراث والتاريخ.
وتبرز هذه المقارنة أهمية الحفاظ على المساجد الخشبية القديمة، وإمكانية توظيفها في التعريف بتاريخ العمارة الإسلامية التترية، مع بقاء استكمال أعمال الترميم خطوة أساسية قبل الحديث عن نتائج المشروع السياحية.
ـ المصدر: الإدارة الدينية لمسلمي جمهورية تتارستان



