مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كيف تراجع منصة «مسلمون حول العالم» تقاريرها المنشورة لتطوير الصياغة والارتقاء المستمر بجودة المحتوى؟

من الجمهور والصحفيين إلى الذكاء الاصطناعي.. أدوات متعددة لاكتشاف نقاط القوة ومواطن التحسين وتحويلها إلى خطوات تطويرية

نموذج اليوم من بولندا.. تقييم البناء التحريري ودقة الصياغة والقيمة المعلوماتية وفق المعايير التحريرية المعتمدة في «مسلمون حول العالم»

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

قد يبدو نشر التقرير للقارئ الخطوة الأخيرة في رحلة العمل الصحفي، لكنه في «مسلمون حول العالم» لا يعني انتهاءها؛ فالمراجعة التي تبدأ قبل النشر يمكن أن تستمر بعده، من خلال إعادة قراءة المادة في ضوء ملاحظات الجمهور والزملاء الصحفيين، أو ما يستجد من معلومات، والاستفادة من أدوات العصر، ومنها الذكاء الاصطناعي. والغاية واحدة: أن تتحول كل مادة منشورة إلى خبرة تراكمية تسهم في تطوير ما يأتي بعدها.

تقرير اليوم

وقع الاختيار اليوم على تقرير منشور بعنوان «بولندا.. برامج ثقافية ومجتمعية تبني جسور التواصل بين الثقافات في وارسو»، تناول برنامجين ثقافيين نظمهما المركز الثقافي الإسلامي في العاصمة البولندية؛ أحدهما حول المطبخ الأفغاني، والآخر للتعريف بفن الخط العربي.

واختيار هذا التقرير ليس لإعادة كتابته بعد نشره، وإنما لاتخاذه نموذجًا عمليًا نعيد من خلاله قراءة مادة منشورة وفق المعايير التحريرية المعتمدة في «مسلمون حول العالم»، ونسأل: ماذا قدمنا بصورة جيدة؟ وأين توجد مساحة للتحسين؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه منها عند إعداد التقارير القادمة؟

أدوات متعددة للمراجعة

لا تعتمد عملية المراجعة على مصدر واحد؛ فقد تأتي ملاحظة مهمة من أحد القراء، أو من زميل صحفي يقرأ المادة بعين مهنية، أو من خلال المراجعة التحريرية الداخلية، كما قد تظهر معلومات جديدة تدفع إلى إعادة النظر في جانب من جوانب التقرير.

وفي نموذج اليوم، اخترنا الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة إضافية للمراجعة، وطلبنا منه تقييم التقرير وفق المعايير التحريرية التي طورتها منصة «مسلمون حول العالم» خلال نحو عامين من العمل والمراجعة المستمرة، وأصبحت تحدد بصورة أكثر وضوحًا طريقة اختيار المواد وبناء التقارير وصياغتها.

ولم تكن المهمة إصدار حكم عام على التقرير، أو ترك مهمة التقييم للذكاء الاصطناعي، وإنما استخدامه أداةً للمساعدة في تفكيك عناصر المادة وقراءتها وفق المعايير التي حددناها نحن؛ من العناوين والمقدمة إلى ترتيب المعلومات وبناء الفقرات والخاتمة والقيمة المعلوماتية التي تقدمها المادة.

ثلاثة محاور للتقييم

ركزت المراجعة على ثلاثة محاور رئيسية: البناء التحريري، ودقة الصياغة، والقيمة المعلوماتية.

وفي البناء التحريري، جرت مراجعة وظائف العناوين وتسلسل المقدمة والمتن والخاتمة، ومدى انتقال التقرير بصورة منطقية بين معلوماته. وفي الصياغة، كان التركيز على الوضوح والدقة والتكرار، وما إذا كانت كل فقرة تؤدي وظيفة مستقلة وتضيف جديدًا. أما القيمة المعلوماتية، فتتعلق بحجم المعلومات والتفاصيل التي يحصل عليها القارئ، ومدى استحقاق المادة للنشر والقيمة التي تضيفها إليه.

ماذا نجح في التقرير؟

أظهرت المراجعة أن التقرير نجح في اختيار زاوية واضحة للحدث، من خلال الجمع بين نشاطين ثقافيين قريبين من الحياة اليومية؛ المطبخ الأفغاني وفن الخط العربي، وهو ما أتاح تقديم فكرة التواصل بين الثقافات من خلال تجارب عملية يستطيع القارئ تصورها.

كما حافظ التقرير على تسلسل واضح، وانتقل من الإطار العام للأنشطة إلى تفاصيل تجربة المطبخ الأفغاني، ثم ورشة الخط العربي، قبل الوصول إلى الدلالة الأوسع لهذه اللقاءات. وأسهم تقسيم المتن إلى محاور في تسهيل القراءة وتنظيم المعلومات.

وأدت المقدمة الوصفية وظيفتها في التمهيد للموضوع دون استباق تفاصيله الأساسية، بينما توزعت العناوين بين الحدث والجهة المنظمة والدلالة الثقافية والمجتمعية، بما منح القارئ تصورًا مبكرًا عن زاوية التقرير.

كما أضافت الخاتمة معلومة مستقبلية مهمة بالإشارة إلى اعتزام المركز الثقافي الإسلامي في وارسو مواصلة تنظيم اللقاءات والورش والفعاليات، وهو ما منح نهاية التقرير وظيفة تتجاوز مجرد تلخيص ما سبق.

أين يمكن أن يتحسن؟

في المقابل، كشفت إعادة القراءة عن تكرار بعض المعاني المرتبطة بالتعارف والتواصل والتعلم وتبادل الخبرات والثقافات في أكثر من موضع. ورغم ارتباط هذه المفاهيم بطبيعة الموضوع، فإن تكرارها يقلل المساحة التي يمكن أن تخصص لمعلومات أو تفاصيل جديدة.

وأظهرت المراجعة كذلك أن القيمة المعلوماتية للتقرير كان يمكن أن تصبح أكبر لو توافرت تفاصيل إضافية عن البرنامجين، مثل توقيت تنظيمهما، وعدد المشاركين، والقائمين على الورش، وأسماء بعض الأطباق التي جرى إعدادها، ونوع الخط العربي الذي مارسه المشاركون.

ولا تعني هذه الملاحظة إضافة معلومات لم يوفرها المصدر، وإنما تكشف جانبًا يمكن تطويره في مرحلة جمع المعلومات نفسها؛ فعندما تكون التفاصيل المتاحة محدودة، يمكن محاولة الحصول على معلومات إضافية من الجهة المنظمة متى كان ذلك ممكنًا، مع بقاء القاعدة الأساسية هي عدم إضافة أي معلومة لا يمكن توثيقها.

الهدف غير النتيجة

ومن الملاحظات المهمة التي أظهرتها المراجعة ضرورة الحفاظ على الفصل الدقيق بين الهدف الذي تسعى إليه الفعالية والنتيجة التي نستطيع إثبات تحققها.

فقد يكون تعزيز التواصل والتعارف بين الثقافات هدفًا معلنًا لنشاط ما، لكن القول إن النشاط حقق هذه النتيجة بالفعل يحتاج إلى ما يثبت ذلك في المعلومات المتاحة، مثل شهادة أحد المشاركين، أو موقف محدد، أو معلومة صريحة يقدمها المصدر.

وهذا التفريق ليس مسألة لغوية فقط، بل قاعدة ترتبط بدقة العمل الصحفي؛ لأنه يفصل بين ما تستهدفه الجهة المنظمة وما يستطيع التقرير إثباته، ويجعل الدلالة الإنسانية والمجتمعية مستندة إلى معلومات وشواهد.

القيمة المعلوماتية أولًا

وأعادت هذه المراجعة التأكيد على أن التقييم لا يبدأ بعد كتابة التقرير، بل تسبقه مرحلة أساسية تتعلق بقرار النشر نفسه: هل تحمل المادة قيمة معلوماتية تجعلها جديرة بأن تتحول إلى تقرير؟

وتدخل في هذا القرار طبيعة الحدث، وما يقدمه من جديد، وأهميته للجمهور، والبيئة التي يأتي منها، والتفاصيل المتاحة عنه، ومدى ارتباطه بالمجالات التي تهتم بها منصة «مسلمون حول العالم».

ولهذا فإن القيمة المعلوماتية ليست عنصرًا نفحصه بعد النشر فحسب، وإنما معيار يبدأ منذ اللحظة الأولى لاختيار المادة، ويساعد لاحقًا في تحديد زاويتها وحجمها وطريقة بنائها.

من الملاحظة إلى التطوير

لا تكتمل قيمة المراجعة بمجرد تحديد ما نجح وما يحتاج إلى تحسين، وإنما تبدأ فائدتها الحقيقية عندما تتحول الملاحظات إلى خطوات عملية في التقارير التالية.

ومن مراجعة نموذج بولندا تبرز مجموعة من الأسئلة التي ينبغي أن تسبق المواد القادمة وتصاحبها: هل جمعنا التفاصيل الأساسية المتاحة؟ هل يحمل كل عنوان معلومة مختلفة؟ هل تضيف كل فقرة جديدًا؟ هل تكرر معنى يمكن اختصاره؟ هل فرقنا بين الهدف والنتيجة؟ وهل أضافت الخاتمة معلومة جديدة؟

وبذلك تنتقل المراجعة من تقييم تقرير انتهى نشره إلى تطوير طريقة العمل نفسها، وتتحول الملاحظات المتراكمة إلى خبرة يستفاد منها في المواد اللاحقة.

المعايير تتطور أيضًا

ولا يعني وجود معايير تحريرية معتمدة أن تصبح عملية الكتابة قالبًا جامدًا؛ فهذه المعايير نفسها نشأت وتطورت من الممارسة، ومن مراجعة المواد، واكتشاف ما ينجح وما يحتاج إلى إعادة نظر.

وخلال نحو عامين من العمل على تقارير «مسلمون حول العالم»، تطورت هذه المعايير تدريجيًا، وتحولت الخبرات والملاحظات المتراكمة إلى قواعد أكثر وضوحًا في اختيار المواد وبناء العناوين والمقدمات وترتيب المعلومات وصياغة المتن والخاتمة.

وهكذا تعمل العملية في اتجاهين متكاملين: المعايير تساعدنا على مراجعة التقارير، والتقارير وما نتعلمه منها يساعداننا بدورهما على تطوير المعايير.

القارئ شريك في التطوير

ونشر هذه التجربة في قسم «رسالة الموقع» هو جزء من عملية التطوير نفسها؛ لأننا نريد أن يعرف القارئ كيف نختار ونكتب ونراجع، وأن تكون لديه مساحة للمشاركة بملاحظاته واقتراحاته.

فالذكاء الاصطناعي في تجربة اليوم ليس حكمًا على العمل الصحفي، وإنما أداة من أدوات متعددة يمكن الاستفادة منها إلى جانب الخبرة البشرية والمراجعة الداخلية وملاحظات الجمهور والزملاء الصحفيين، بينما تظل المسؤولية التحريرية والقرار النهائي مسؤولية القائمين على الموقع.

ويبقى المقياس الحقيقي لنجاح هذه المراجعة فيما ستتركه في التقارير القادمة: قيمة معلوماتية أكبر، وصياغة أدق، وبناء تحريري أكثر إحكامًا، وتكرار أقل، ومحتوى يتطور باستمرار ليقدم للقارئ مادة أكثر وضوحًا وفائدة.

التخطي إلى شريط الأدوات