مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مبادرة تحمل أبعادًا حضارية وثقافية تتجاوز حدود التطوير التقني، دشّن المسجد الجامع في مدينة ساراتوف، التابعة لمنطقة حوض الفولغا في روسيا، شاشة رقمية حديثة لتوثيق تاريخ المسجد وعرض ذاكرته البصرية أمام الزوار والمصلين، في تجربة رائدة تفتح أفقًا جديدًا أمام المساجد التاريخية حول العالم في كيفية تقديم تاريخها وهويتها بوسائل معاصرة.
وتأتي هذه الخطوة في العام الذي يحيي فيه المسجد مرور 190 عامًا على تأسيسه، لتتحول الزيارة إلى تجربة معرفية متكاملة؛ إذ لم يعد الزائر بحاجة إلى التساؤل عن تاريخ البناء أو هوية من شيده أو أبرز محطاته، بل بات المسجد نفسه يروي قصته مباشرة عبر عرض رقمي حديث يجمع الصور التاريخية والتواريخ والفعاليات والذاكرة المجتمعية في مشهد بصري جذاب.
المسجد يروي تاريخه بنفسه
تكمن القيمة الكبرى لهذه المبادرة في أنها تنقل المسجد من كونه مكانًا يحمل التاريخ إلى فضاء يقدّم هذا التاريخ بنفسه. فبدل أن يظل الزائر في حيرة، يسأل من حوله: متى بُني هذا المسجد؟ من أسسه؟ وما هي قصته؟ أصبحت الإجابة معروضة أمامه بصورة مباشرة، من خلال شاشة حديثة توثق مسيرة المسجد منذ تأسيسه وحتى اليوم.
وهذا التحول يمنح المكان بُعدًا جديدًا، حيث يصبح المسجد ذاته راويًا لتاريخه، ومعبّرًا عن هويته، وحافظًا لذاكرة المجتمع المسلم الذي نشأ حوله.
ذاكرة المجتمع المسلم في عرض بصري حي
لا يقتصر العرض على تاريخ المبنى وحده، بل يمتد ليشمل تاريخ المجتمع المسلم في المدينة، وصور الفعاليات، والمحطات المفصلية، والأجيال التي تعاقبت على هذا الصرح.
وبذلك تتحول الشاشة إلى أرشيف حي يوثق مسيرة المسلمين في ساراتوف، ويجعل الذاكرة الجماعية متاحة للأجيال الجديدة والزوار والباحثين، بأسلوب بصري حديث يناسب لغة العصر.
نموذج عالمي رائد للمساجد التاريخية حول العالم
وتحمل هذه التجربة دلالة أوسع تتجاوز ساراتوف نفسها، إذ تقدم نموذجًا يمكن أن يُحتذى به في المساجد التاريخية والأثرية حول العالم. فالمساجد العريقة في العالم الإسلامي وأوروبا والبلقان وآسيا تحمل في جدرانها قصصًا عمرها قرون، لكن كثيرًا من الزوار لا يجدون وسيلة واضحة للتعرف على هذه القصص.
ومن هنا تبرز أهمية هذه التجربة بوصفها نموذجًا رائدًا في صون التراث الإسلامي وتقديمه بوسائط رقمية حديثة، من خلال الصور والتواريخ والإحصاءات والمعلومات التفاعلية، بما يجعل الزيارة أكثر ثراءً ووعيًا.
خاتمة دلالية
لا تمثل هذه المبادرة مجرد تحديث تقني داخل مسجد تاريخي، بل تعكس رؤية متقدمة في حفظ الذاكرة الإسلامية وتقديمها للعالم بأدوات حديثة. ومن هذه الزاوية، يفتح المسجد الجامع في ساراتوف بابًا جديدًا أمام المساجد التاريخية في العالم، لتروي قصصها بنفسها، وتحفظ تاريخ مجتمعاتها، وتمنح الزائر تجربة معرفية متكاملة تليق بقيمة المكان ورسالته.
ـ المصدر: فضيلة الشيخ مقدّس حضرة بيبارسوف، مفتي منطقة حوض الفولغا












