مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

حمزة وجاستن.. كيف سبق الدرهم القليل مئات الآلاف

بقلم الدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المقيم في لندن

مسلمون حول العالم ـ متابعات

يواصل الدكتور مجدي سعيد تقديم سلسلته المعرفية المتميزة التي تسلط الضوء على الشخصيات الرائدة والتجارب الحياتية الملهمة، حيث يمضي في استكشاف نماذج إنسانية جمعت بين الفكر والعمل، وقدّمت إسهامات حقيقية في مجالاتها، مستخرجًا من مسيرتها الدروس والعبر التي تعزز الوعي وتلهم القارئ نحو البناء والإيجابية، ضمن طرح عميق يربط بين الفكرة والتطبيق، ويعيد توجيه الاهتمام نحو مساحات التأثير المجتمعي الفعّال.

قصة عطاء نادر تؤكد أن قيمة العطاء في صدقه لا في حجمه

بقلم الدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المقيم في لندن

في زمن تتزاحم فيه صور الألم الإنساني، تبرز أحيانًا مواقف فردية صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل من المعاني ما يفوق أرقامها بكثير. وتأتي قصة حمزة وجاستن مشعوف نموذجًا بليغًا لمعنى العطاء الصادق، حيث تحوّل مبلغ بسيط لا يتجاوز 17 دولارًا و74 سنتًا إلى رسالة إنسانية ألهمت الآلاف حول العالم.

من داخل السجن.. عطاء يفوق قيمته المادية

تبدأ القصة من داخل أحد السجون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، حيث قرر حمزة، الذي قضى قرابة أربعة عقود خلف القضبان، أن يخصص كامل أجره الشهري لدعم جهود الإغاثة في غزة بعد أسابيع من اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.

كان هذا المبلغ ثمرة 136 ساعة من العمل داخل السجن، بأجر لا يتجاوز 13 سنتًا في الساعة، في وظيفة النظافة والخدمة. ورغم ضآلة الرقم في الحسابات المادية، فإن قيمته المعنوية كانت هائلة، إذ مثل حصيلة شهر كامل من الجهد اليومي.

جاستن مشعوف.. من التوثيق إلى صناعة الأثر

الذي نقل هذه القصة إلى العالم كان صانع الأفلام الوثائقية الأمريكي جاستن مشعوف، الذي عرف حمزة منذ عام 2009 أثناء عمله على فيلم وثائقي يتناول قصص من تعرفوا على الإسلام داخل السجون الأمريكية.

وعندما نشر جاستن صورة إيصال التبرع وسجل ساعات العمل على منصات التواصل الاجتماعي، انتشرت القصة بسرعة كبيرة، ووجدت صدى واسعًا لدى الجمهور، الذي رأى في هذا الموقف تجسيدًا نادرًا لمعنى التضامن الإنساني الصادق.

من 17 دولارًا إلى أكثر من 100 ألف

سرعان ما تحولت القصة إلى موجة تضامن واسعة، حيث أطلق جاستن حملة دعم لمساعدة حمزة على بدء حياته بعد خروجه من السجن، وتمكنت الحملة من جمع أكثر من 100 ألف دولار خلال فترة وجيزة.

وقد أظهرت هذه الاستجابة كيف يمكن لفعل إنساني صغير أن يوقظ الخير في قلوب آلاف الناس، وأن يحول موقفًا فرديًا إلى قصة أمل جماعية. ووفق ما نُقل، طلب حمزة بنفسه إيقاف الحملة بعد أن رأى أن المبلغ أصبح كافيًا، مؤكدًا أن هناك من هم أشد حاجة منه.

سيرة إنسانية طويلة خلف القضبان

تشير القصة إلى أن حمزة سُجن منذ كان مراهقًا بعد حادث مأساوي أدى إلى وفاة أحد أفراد أسرته، وقضى ما يقارب أربعين عامًا في السجن، قبل أن يقترب موعد الإفراج عنه في مارس 2024.

وخلال سنوات السجن، وجد طريقه إلى الإسلام، متأثرًا بسيرة مالكوم إكس، وهو ما أعاد تشكيل رؤيته للحياة، ورسّخ لديه قيم الرحمة والعدل والتكافل الإنساني.

رسالة تتجاوز حدود المكان

ما يجعل هذه القصة استثنائية ليس فقط التبرع نفسه، بل الرسالة التي حملها حمزة في كلماته إلى الداعمين، حيث دعا إلى تذكر معاناة المدنيين في فلسطين واليمن وأفريقيا، وربط بين الرحمة والإيمان والعدل الإنساني.

لقد خرجت هذه الرسالة من خلف القضبان، لكنها وصلت إلى فضاء أوسع، مؤكدة أن السجن قد يحبس الجسد، لكنه لا يستطيع أن يقيد الضمير أو يمنع الإنسان من أن يكون صاحب أثر.

دلالة أعمق.. البركة التي توقظ الضمير

المتأمل في هذه القصة يدرك أنها ليست مجرد موقف فردي، بل واحدة من آلاف صور التفاعل الإنساني التي أطلقتها معاناة غزة في ضمير العالم.

لقد تحولت المأساة إلى اختبار أخلاقي عالمي، فأيقظت في نفوس كثيرين مشاعر الرحمة والتضامن، وأثبتت أن الفطرة الإنسانية ما زالت حية، وأن الصدق في العطاء قد يسبق في أثره مئات الآلاف.

وهنا تتجلى المعاني العميقة للحديث النبوي الشريف: «سبق درهم مائة ألف درهم»، حيث لا تقاس قيمة العطاء بحجمه، بل بما يحمله من صدق وإخلاص وتضحية.

التخطي إلى شريط الأدوات