منارة معمارية عمرها أكثر من قرنين تواصل حضورها الثقافي والإنساني في شمال ألبانيا
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مثل هذا اليوم من العام الماضي استعادت مدينة شكودرا، كبرى مدن شمال ألبانيا والقريبة من الحدود مع الجبل الأسود، واحدًا من أهم معالمها التاريخية بإعادة افتتاح «جامع الرصاص» بعد سنوات طويلة من الترميم والتأهيل.
وشكّل الحدث لحظة بارزة في مسار الحفاظ على التراث الإسلامي والعثماني في البلاد، بعدما عاد الجامع ليفتح أبوابه أمام المصلين والزوار بوصفه معلمًا دينيًا وحضاريًا يتجاوز دوره التعبدي التقليدي.
وجاءت إعادة افتتاح الجامع بدعم مشترك من الجمهورية التركية والدولة الألبانية، في خطوة أعادت إحياء أحد أبرز الرموز المعمارية في مدينة شكودرا، وربطت الحاضر بتاريخ المدينة التي عُرفت عبر قرون طويلة بمكانتها العلمية والثقافية داخل غرب البلقان.
جامع عثماني يعود للحياة من جديد إلى شكودرا
شُيّد «جامع الرصاص» عام 1773 على يد محمد باشا بوشاتي، أحد أبرز حكام أسرة بوشاتي التي قادت مدينة شكودرا خلال القرن الثامن عشر، ويُعد من أهم النماذج المعمارية العثمانية الباقية في ألبانيا حتى اليوم.
واكتسب الجامع اسمه من القبة المغطاة بطبقات الرصاص، وهي تقنية معمارية كانت تُستخدم في المباني الكبرى داخل العمارة العثمانية، لما توفره من حماية ومتانة وقدرة على مقاومة العوامل الطبيعية. وقد منح هذا العنصر المعماري الجامع هويته البصرية الخاصة التي ظل معروفًا بها عبر الأجيال.
عمارة مستوحاة من المدرسة العثمانية الكلاسيكية
يعكس تصميم الجامع تأثيرات المدرسة العثمانية الكلاسيكية التي ارتبطت بأعمال المعماري الشهير سنان، حيث يقوم البناء على توازن واضح بين البساطة الهندسية والاتساع الداخلي والانسيابية البصرية.
ويُظهر الجامع قدرة العمارة العثمانية على الجمع بين الوظيفة الدينية والجمال المعماري، من خلال القبة المركزية الضخمة، والكتل الحجرية المتناسقة، والموقع المفتوح الذي يمنح المبنى حضورًا بصريًا بارزًا داخل المشهد العمراني لمدينة شكودرا.
مكانة دينية وثقافية داخل المجتمع المسلم
لم يكن الجامع عبر تاريخه مجرد مكان للصلاة، بل أدى دورًا علميًا وثقافيًا مهمًا داخل المجتمع المسلم في شمال ألبانيا، إذ ارتبط بحلقات التعليم الديني والأنشطة الاجتماعية التي ساهمت في تشكيل الهوية الثقافية للمدينة.
وتشير وثائق عثمانية ورحلات أوروبية قديمة إلى أن الجامع كان من أبرز المراكز الدينية في المنطقة، كما حافظ على حضوره في الذاكرة الجماعية لسكان شكودرا رغم ما تعرض له من إهمال وأضرار خلال فترات مختلفة من التاريخ الحديث.
ترميم يعيد وصل الماضي بالحاضر
أعادت أعمال الترميم للجامع كثيرًا من تفاصيله الأصلية، مع الحفاظ على طابعه التاريخي وهويته المعمارية، وهو ما جعل إعادة افتتاحه تتجاوز البعد الإنشائي إلى رسالة أوسع تتعلق بحماية التراث الثقافي والديني في ألبانيا.
ويبرز الجامع اليوم كأحد أهم المعالم التاريخية في مدينة شكودرا، ليس فقط بسبب قيمته الدينية، بل باعتباره شاهدًا على مراحل طويلة من تاريخ المدينة وعلاقتها بالحضارة العثمانية والتراث الإسلامي في غرب البلقان.




