من جولات التراث في مصر إلى قراءة الحجر والهوية والطبيعة في مدن ألبانيا
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في بعض الرحلات لا يكتشف الإنسان المكان فقط، بل يكتشف نفسه أيضًا. وعلى امتداد أكثر من ثلاث سنوات ونصف من التجوال المتواصل بين المدن والقرى والجبال والأنهار في دولة ألبانيا الواقعة في غرب البلقان، تحولت الرحلة من مجرد تنقل جغرافي إلى تجربة إنسانية وثقافية عميقة أعادت قراءة المكان بروح مختلفة.
فهذه الدولة الهادئة التي ما تزال بالنسبة لكثير من العرب «جوهرة مخفية» تكشف أسرارها تدريجيًا لمن يمنحها الوقت الكافي للسير بين طرقها القديمة وتأمل تفاصيلها الصغيرة بعيدًا عن المسارات السياحية السريعة.
ومع كل صورة قديمة تعود إلى الواجهة، يعود معها شعور خاص يشبه الهدوء بعد عناء طويل؛ هدوء تصنعه الجبال الخضراء، والأنهار الهادئة، والمدن الحجرية التي تبدو وكأنها معلقة بين التاريخ والطبيعة. هنا لم تكن الرحلات مجرد زيارات عابرة، بل محاولة مستمرة لفهم روح المدن وقراءة ما تخبئه خلف واجهاتها البسيطة.
سنوات العمل ثم العودة بروح المستكشف
قبل أكثر من عشرين عامًا ارتبطت الإقامة الأولى في ألبانيا بالعمل والانشغال ببناء المشاريع وتطوير الحياة المهنية، ولم تكن هناك مساحة كافية للتأمل الطويل أو لاكتشاف المدن القديمة والطرق الجبلية والقرى البعيدة.
لكن العودة مجددًا قبل أكثر من ثلاث سنوات ونصف حملت نظرة مختلفة تمامًا؛ إذ تحولت المدن من أماكن للعيش إلى عوالم مفتوحة تستحق الاكتشاف. ومن هنا بدأت رحلة طويلة تقوم على المشي الهادئ، والتنقل بالحافلات والميكروباصات وسيارات الأجرة، والدخول إلى المدن بروح الباحث الذي يريد أن يفهم المكان لا أن يلتقط صورة سريعة ويرحل.
«اكتشف مصر».. البداية الحقيقية لقراءة المكان
هذا الشغف العميق بقراءة المدن لم يولد فجأة، بل امتدت جذوره إلى التجربة السابقة في مصر عبر مشروعي: «اكتشف مصر» والجولات التراثية التي شاركت فيها وقادها رائد التراث المصري الأستاذ الدكتور عادل غنيم، الذي قدّم مدرسة مختلفة في التعامل مع التاريخ والمعالم الأثرية.
فالجولات لم تعتمد على الشرح التقليدي وحده، بل كانت تدريبًا عمليًا على قراءة الحجر وفهم العلاقة بين العمارة والناس والعادات والتاريخ، وكيف تتحول المدينة إلى نص مفتوح يمكن قراءته عبر الأزقة والأسواق والبيوت القديمة والتفاصيل الصغيرة التي تمر أمام كثيرين دون انتباه.
وقد انعكس أثر تلك التجربة بوضوح لاحقًا في طريقة اكتشاف المدن الألبانية؛ فلم يعد الاهتمام مقتصرًا على جمال الطبيعة أو شهرة المعالم، بل أصبح البحث ممتدًا نحو فهم الهوية الحضارية للمكان وكيف تشكلت طبقاته عبر القرون.
بين الجبال والأنهار والمدن الحجرية
في ألبانيا بدأت رحلة مختلفة تمامًا لقراءة المدن بين الجبال والحجر والطبيعة والناس. بعض المدن ظهرت كأنها متاحف مفتوحة تحتفظ بروح عثمانية قديمة، بينما بدت مدن أخرى كلوحات طبيعية هادئة معلقة بين الأنهار والجبال الخضراء.
وكانت أجمل لحظات الرحلة أحيانًا هي أبسطها؛ طريق جبلي هادئ، أو مقهى صغير يطل على نهر، أو ساعات طويلة من السير داخل مدينة قديمة دون هدف سوى التأمل ومحاولة فهم الإيقاع الخاص للحياة فيها.
وخلال هذه الرحلات تكشفت ألبانيا بوصفها أكثر من مجرد وجهة سياحية جميلة؛ فهي بلد يحمل طبقات عميقة من التاريخ والهوية والتنوع الثقافي، ولا تظهر تفاصيله الحقيقية إلا لمن يقترب منه بهدوء ويمنحه الوقت الكافي للفهم.
حين تتحول الرحلة إلى ذاكرة
ومع مرور السنوات تحولت الرحلات المتواصلة بين المدن الألبانية إلى تجربة صحفية وثقافية وإنسانية متكاملة، وإلى محاولة لتقديم صورة مختلفة عن ألبانيا للقارئ العربي؛ صورة تنقل روح المكان لا مظهره فقط.
وربما لهذا بقيت الصور الطبيعية أكثر صدقًا وقوة من أي تصميم أو معالجة بصرية؛ لأنها تحتفظ بروح اللحظة نفسها، وتحمل داخلها تعب الطريق، ومتعة الاكتشاف، وهدوء الجبال، ودهشة المدن التي تكشف أسرارها تدريجيًا لمن يحب أن يقرأ ما بين الحجر والطبيعة والناس.
وفي أدب الرحلات تبقى بعض المدن أكبر من أن تُختصر في تقرير أو صورة؛ لأنها تتحول مع الزمن إلى ذاكرة طويلة، وإلى جزء من روح الإنسان نفسه، وهذا تمامًا ما فعلته ألبانيا خلال سنوات الترحال بين طرقها ومدنها وجبالها الهادئة.

















