مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

لا للمؤتمرات.. نعم للزيارات الإعلامية الميدانية

رحلة صحفي بين القاعات المغلقة وواقع المسلمين على الأرض

تجربة ميدانية بدأت من كوسوفا بعد الاستقلال وكشفت الفارق الكبير في الأثر والفاعلية

الميدان يصنع الفهم الحقيقي.. من روسيا إلى كوسوفا تتجدد القناعة بأولوية الاقتراب من الناس

بقلم: هاني صلاح ـ كاتب صحفي

في عالمٍ تزداد فيه المؤتمرات واللقاءات الدولية عامًا بعد آخر، تبرز تساؤلات مهمة حول مدى قدرتها على تحقيق أثر حقيقي يتجاوز الكلمات والخطب الرسمية، خاصة بالنسبة للعمل الإعلامي المعني بنقل واقع المجتمعات المسلمة كما هو. وبين قاعات الفنادق المغلقة والميدان المفتوح، تتشكل أحيانًا قناعات جديدة تُعيد تعريف الأولويات وتحدد الاتجاهات المهنية بصورة أكثر وضوحًا.

بالنسبة للصحفي والإعلامي المتخصص في متابعة واقع المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية، سواء كانت مجتمعات مسلمة أصيلة في أوطانها التاريخية أو أقليات مسلمة أو جاليات مهاجرة، فإن الاقتراب من الناس وفهم تفاصيل حياتهم اليومية يبقى عنصرًا أساسيًا لا يمكن تعويضه عبر الكلمات أو البيانات الرسمية. ومن هنا، تبلورت تجربة خاصة امتدت لسنوات، انتهت إلى شعار واضح: «لا للمؤتمرات.. نعم للزيارات الإعلامية الميدانية».

كوسوفا 2008.. بداية القناعة الحقيقية

يُذكر بأن أول اختبار حقيقي لهذه القناعة جاء في عام 2008، بعد أيام قليلة من إعلان كوسوفا استقلالها. حينها، انطلقت أول زيارة إعلامية ميدانية إلى كوسوفا استمرت نحو عشرة أيام، لتكشف فارقًا كبيرًا في القيمة والفاعلية مقارنة بأي مشاركة تقليدية في المؤتمرات.

خلال الزيارة، جرى التنقل بين المدن والبلدات بعد مرحلة الاستقلال مباشرة، وإجراء حوارات ميدانية مع أبناء المجتمع المسلم، وزيارة المساجد والمؤسسات التعليمية والدينية، والاطلاع عن قرب على التحولات التي كانت تشهدها البلاد في مرحلة تاريخية حساسة. بل شملت الزيارة دخول مناطق كان الوصول إليها محدودًا أو حساسًا آنذاك، بهدف فهم الواقع كما هو، بعيدًا عن الروايات الجاهزة والانطباعات المنقولة.

ذلك الاحتكاك المباشر أظهر بوضوح أن فهم المجتمعات لا يتحقق من خلال الجلوس داخل القاعات، بل عبر السير في الشوارع، والجلوس مع الناس، والاستماع إلى تفاصيل حياتهم اليومية وتحدياتهم وآمالهم. وهناك بدأت تتشكل القناعة الأولى بأن الصحفي الحقيقي يحتاج إلى الميدان أكثر من حاجته إلى المقاعد الوثيرة في الفنادق.

المؤتمرات الدولية.. كلمات مهمة لكن بقيود كثيرة

ورغم المشاركة لاحقًا في عدد من المؤتمرات الدولية، ظل الشعور بعدم الاكتفاء حاضرًا. فبعد رابع مؤتمر دولي جرت المشاركة فيه عام 2014، تبلورت القناعة بشكل نهائي بضرورة إعادة النظر في جدوى هذا المسار بالنسبة للعمل الصحفي الميداني.

صحيح أن المؤتمرات الدولية توفر مساحة للنقاش وتبادل الرؤى، وقد تحمل كلمات وأفكارًا مهمة، إلا أن طبيعتها القائمة على الجلسات المغلقة والبرامج المنظمة تجعل المشاركين في كثير من الأحيان أسرى القاعات والفنادق، يستمعون إلى كلمات مهمة، لكنهم يبقون بعيدين عن الواقع الحقيقي للمجتمعات التي يُفترض الحديث عنها.

وبالنسبة للصحفي، فإن هذا الواقع يمثل نوعًا من القيد المهني؛ إذ إن جوهر العمل الإعلامي يقوم على الاقتراب من الناس، والتحرك في الميدان، ومشاهدة الواقع مباشرة، لا الاكتفاء بالاستماع إليه من خلف المنصات الرسمية.

روسيا وكوسوفا مجددًا.. الميدان يؤكد القناعة

بعد اتخاذ القرار في عام 2014، بدأت ترجمة هذه القناعة عمليًا. ففي عام 2017 انطلقت زيارة إعلامية ميدانية طويلة إلى روسيا استمرت قرابة ثلاثة أسابيع، وشكلت تجربة ثرية أتاحت الاقتراب من واقع المجتمعات المسلمة في عدد من المدن والمناطق، بعيدًا عن الطابع الرسمي للمناسبات الدولية.

وفي عام 2023، تكررت التجربة في كوسوفا عبر زيارة إعلامية أخرى استمرت نحو ثلاثة أسابيع أيضًا، لتؤكد مجددًا أن الميدان أكثر قدرة على إنتاج المعرفة والفهم من المؤتمرات التقليدية. وقد جاءت الزيارتان بدعوة كريمة من المشيخات الإسلامية، ما أتاح فرصة أوسع للحركة والاطلاع واللقاءات المباشرة.

الصحافة الميدانية.. حيث تُفهم الحقيقة

تؤكد هذه التجربة الممتدة أن القيمة الحقيقية للعمل الإعلامي لا تكمن في الفنادق أو البروتوكولات أو العلاقات العامة، بل في القدرة على الوصول إلى الناس، وطرق أبواب المساجد والمؤسسات، والجلوس مع المجتمعات المسلمة كما هي، ونقل قصصها وتحدياتها وإنجازاتها بصدق وأمانة.

فخطوات قليلة في قرية بعيدة، أو حديث بسيط مع إمام مسجد، أو جلسة مع أسرة مسلمة تعيش تحديات الهوية، قد تحمل للصحفي معرفة أعمق وأثرًا أكبر من أيام طويلة داخل قاعات المؤتمرات.

واليوم، تتجدد القناعة أكثر من أي وقت مضى: نعم للزيارات الإعلامية الميدانية.. ولا للمؤتمرات التي تُبقي الصحفي أسير القاعات والفنادق، بعيدًا عن الناس والواقع.

التخطي إلى شريط الأدوات