من استرداد الأوقاف إلى بناء القيادات والكفاءات..
كيف تنتقل المؤسسات الإسلامية من حماية البقاء إلى صناعة النهضة؟
المشيخات الإسلامية ودور الإفتاء..
من إدارة الشأن الديني إلى قيادة مشروع حضاري متكامل للمستقبل
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لم تكن نهاية الأنظمة الشيوعية في البلقان وشرق أوروبا وروسيا وآسيا الوسطى مجرد تحول سياسي، بل كانت بداية مرحلة تاريخية جديدة للمجتمعات المسلمة التي عاشت عقودًا طويلة من القمع الديني ومصادرة الأوقاف وإغلاق المدارس الإسلامية ومحاولة محو الهوية الدينية من الحياة العامة.
وعندما استعادت هذه المجتمعات جزءًا من حريتها الدينية، وجدت نفسها أمام تحديات ضخمة تراكمت عبر عشرات السنين، فلم يكن المطلوب إعادة فتح المساجد فقط، بل إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والتعليم والأوقاف والهوية والذاكرة التاريخية في آن واحد.
وفي معظم دول البلقان وشرق أوروبا وروسيا وآسيا الوسطى تمثل المشيخات الإسلامية ودور الإفتاء المرجعية الدينية والمؤسسية العليا للمجتمع المسلم، وهي الممثل المؤسسي الأول للمسلمين في هذه الدول. ولذلك تقع على عاتقها مسؤولية التخطيط والتنسيق وقيادة جهود النهوض وإعادة البناء بالتعاون مع الحكومات والجامعات والمؤسسات الاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني.
وخلال العقود الثلاثة الماضية انتقلت هذه المؤسسات من مرحلة حماية البقاء والحفاظ على الهوية، إلى مرحلة استعادة المؤسسات الدينية والأوقاف والتعليم، ثم إلى مرحلة بناء القدرات والتنمية، وصولًا إلى مرحلة جديدة عنوانها صناعة المستقبل والمساهمة في نهضة المجتمع بأكمله.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحقبة الشيوعية، يمكن رصد ست أولويات استراتيجية كبرى تشكل الإطار العام لعمل المشيخات الإسلامية ودور الإفتاء، وتحدد إلى حد كبير مستقبل المجتمعات المسلمة خلال العقود المقبلة.
استرداد الأوقاف.. أولوية البقاء والاستقلال
كانت الأوقاف الإسلامية من أولى ضحايا الأنظمة الشيوعية، حيث صودرت الأراضي والعقارات والمباني الوقفية التي كانت تمول المساجد والمدارس والمؤسسات الخيرية والاجتماعية.
ولهذا أصبح استرداد الأوقاف الهدف الأول للمؤسسات الإسلامية بعد سقوط الشيوعية، ليس فقط لأنها تمثل حقًا تاريخيًا، بل لأنها تشكل أساس الاستقلال المالي للمشيخات الإسلامية وقدرتها على تمويل أنشطتها التعليمية والدعوية والاجتماعية والتنموية بصورة مستدامة.
فالأوقاف ليست مجرد ممتلكات أو عقارات، بل تمثل قاعدة اقتصادية تضمن للمؤسسات الإسلامية الاستمرار والتطور وخدمة المجتمع دون الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي.
كما أن نجاح المؤسسات الإسلامية في استرداد الأوقاف أو تعويضها أو استثمارها بصورة صحيحة ينعكس مباشرة على قدرتها في تمويل التعليم الإسلامي، ودعم الأئمة، وتطوير الخدمات الاجتماعية، والمساهمة في التنمية المجتمعية.
إحياء التراث الإسلامي.. حماية الذاكرة التاريخية
تعرضت آلاف المساجد والمدارس والمقابر والمعالم الإسلامية للهدم أو الإهمال خلال العقود الشيوعية، كما ضاعت أعداد كبيرة من المخطوطات والوثائق والكتب القديمة.
ولهذا أصبح الحفاظ على التراث الإسلامي أولوية مركزية تشمل ترميم المساجد التاريخية، وصيانة المعالم الإسلامية، وجمع المخطوطات والوثائق وحفظها ورقمنتها، بما يضمن حماية الذاكرة التاريخية للمجتمعات المسلمة وإبراز جذورها الحضارية في أوطانها.
ولا يقتصر دور التراث على حفظ الماضي فقط، بل يسهم في تعزيز الانتماء والهوية وربط الأجيال الجديدة بتاريخها الحضاري الممتد عبر قرون طويلة.
كما يمثل التراث الإسلامي وسيلة مهمة لتعريف المجتمعات الأخرى بالدور التاريخي للمسلمين في أوطانهم، وتصحيح كثير من الصور النمطية أو التصورات الخاطئة حول وجودهم وإسهاماتهم الحضارية.
إعادة بناء التعليم الشرعي.. من الصفر إلى صناعة العلماء
كان التعليم الإسلامي من أكثر القطاعات تضررًا خلال الحقبة الشيوعية، حيث أُغلقت المدارس والمعاهد والكليات الشرعية، وتعرض العلماء والأئمة للملاحقة أو السجن أو التهجير.
ولذلك بدأت المؤسسات الإسلامية بعد سقوط الشيوعية بإعادة بناء منظومة التعليم من الصفر تقريبًا، وأرسلت آلاف الطلاب إلى الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي ليعودوا لاحقًا ويقودوا المؤسسات الدينية والتعليمية في بلدانهم.
وقد نجحت هذه الجهود في إعادة تأسيس المدارس الشرعية والكليات الإسلامية وتخريج أجيال جديدة من الأئمة والمعلمين والدعاة.
إلا أن التحدي الأكبر لم يعد يتمثل في توفير الأئمة والمعلمين فقط، بل في تكوين علماء كبار ومراكز علمية وبحثية قادرة على إنتاج المعرفة الشرعية محليًا، وتقديم اجتهادات معاصرة تستجيب لاحتياجات المجتمعات المسلمة في هذه الدول.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من استيراد المعرفة إلى إنتاجها، ومن تخريج الأئمة فقط إلى تأسيس مدارس فكرية وعلمية قادرة على معالجة قضايا المجتمعات المسلمة المعاصرة.
التنمية الشاملة.. الأولوية الاستراتيجية الرابعة
بعد سقوط الأنظمة الشيوعية وجدت المجتمعات المسلمة نفسها أمام واقع اقتصادي واجتماعي صعب، فالكثير من مناطق البلقان وشرق أوروبا وآسيا الوسطى كانت تعاني الفقر وضعف البنية الاقتصادية وارتفاع معدلات الهجرة، خصوصًا بين الشباب وأصحاب الكفاءات.
وقد أدى ذلك إلى استنزاف جزء مهم من الطاقات البشرية التي تحتاجها هذه المجتمعات للنهوض وبناء مستقبلها.
ومن هنا بدأت تبرز قناعة متزايدة بأن دور المشيخات والمؤسسات الإسلامية لا ينبغي أن يقتصر على إدارة الشأن الديني وحده، بل يجب أن يمتد إلى المساهمة في التنمية المجتمعية الشاملة وفق الإمكانات المتاحة.
فالمجتمع المسلم لا يحتاج فقط إلى الإمام والمعلم، بل يحتاج أيضًا إلى الطبيب والمهندس والباحث ورائد الأعمال والخبير الاقتصادي الذين يجمعون بين القيم الإيمانية والكفاءة المهنية.
ولهذا أصبح دعم التعليم النوعي والمنح الدراسية والتدريب المهني وتأهيل الكوادر البشرية جزءًا من متطلبات المرحلة الجديدة. فبناء الإنسان القادر على المنافسة والإنتاج يمثل استثمارًا طويل الأمد في مستقبل المجتمع المسلم.
وقد برزت نماذج ناجحة في هذا المجال، من بينها تجربة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، الذي وسّع دائرة اهتمامه لتشمل الجوانب التنموية والاجتماعية، وعمل على بناء شراكات مع مؤسسات الدولة والقطاع المالي لخدمة الفئات المحتاجة ودعم الاستقرار المجتمعي.
الاقتصاد الحلال.. من تلبية الاحتياجات إلى صناعة الفرص
وفي عدد من الدول غير الإسلامية اتجهت المؤسسات الإسلامية إلى دخول قطاع الحلال بصورة أكثر تنظيمًا واحترافية.
ولم يكن الهدف مقتصرًا على توفير المنتجات الحلال للمجتمعات المسلمة، بل أصبح هذا القطاع أداة اقتصادية وتنموية تساهم في خلق فرص العمل وتوليد الموارد المالية ودعم المؤسسات الإسلامية.
كما فتح قطاع الحلال أبوابًا جديدة للتعاون مع العالم الإسلامي، سواء من خلال التجارة أو الاستثمار أو تبادل الخبرات، وهو ما عزز اندماج هذه المجتمعات في الاقتصاد الإسلامي العالمي.
كما أن قطاع الحلال أثبت في عدد من الدول أنه قادر على التحول إلى مصدر دخل مهم للمؤسسات الإسلامية، وإلى منصة للتعاون الاقتصادي مع الأسواق الإسلامية العالمية، بما يعود بالنفع على المجتمع بأكمله.
الشراكات الذكية.. طريق الاستدامة
ومن الدروس المهمة التي بدأت تبرز خلال السنوات الأخيرة أن العمل الإسلامي لا يستطيع الاعتماد على التبرعات وحدها.
لذلك اتجهت بعض المؤسسات إلى بناء شراكات مع الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية وهيئات الزكاة والوقف.
وتوفر هذه الشراكات موارد إضافية تساعد على دعم الفقراء والأيتام والمرضى والطلاب والفئات الهشة، كما تتيح تنفيذ مشروعات تنموية يصعب على المؤسسات الدينية القيام بها منفردة.
كما تساهم هذه الشراكات في توفير الخبرات والموارد والقدرات الإدارية التي تساعد على تحقيق الاستدامة وتوسيع أثر المؤسسات الإسلامية داخل مجتمعاتها.
ومن خلال هذه الشراكات تستطيع المؤسسات الإسلامية أن تتحول من جهة تقدم خدمات محدودة الإمكانات إلى شريك فاعل في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
المشاركة المجتمعية وصناعة المستقبل.. الأولوية الاستراتيجية الخامسة
بعد عقود من التركيز على استعادة المؤسسات الدينية وإحياء التعليم والتراث، تواجه المشيخات والمؤسسات الإسلامية اليوم تحديًا جديدًا يتمثل في تعزيز حضورها كشريك وطني فاعل في بناء المجتمع وصناعة المستقبل.
فالمؤسسات الإسلامية ليست معنية بخدمة المسلمين فقط، بل تملك رصيدًا أخلاقيًا وإنسانيًا يمكن أن يسهم في مواجهة كثير من التحديات التي تهدد المجتمعات المعاصرة.
ولهذا أصبحت الشراكة مع مؤسسات الدولة والجامعات والمدارس ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الاجتماعية إحدى الضرورات الاستراتيجية للمرحلة المقبلة.
كما يبرز التعاون مع القيادات الدينية الأخرى بوصفه وسيلة مهمة لتعزيز قيم الاحترام المتبادل والتعايش والسلم المجتمعي، والدفاع عن القيم الإنسانية المشتركة التي تحمي الأسرة وتصون كرامة الإنسان وتعزز الاستقرار الاجتماعي.
وتواجه المجتمعات في البلقان وشرق أوروبا وروسيا وآسيا الوسطى تحديات متزايدة، من بينها انتشار المخدرات والإدمان والتفكك الأسري والعنف والجريمة وهجرة الشباب وفقدان الأمل لدى بعض الفئات.
وهذه القضايا لا تستطيع أي جهة مواجهتها بمفردها، بل تحتاج إلى جهود مشتركة تجمع المؤسسات الدينية والحكومية والاجتماعية والإعلامية.
ومن هنا تبرز أهمية حضور المؤسسات الإسلامية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل العام، ليس للدفاع عن قضاياها فحسب، بل للمساهمة في تقديم رؤية متوازنة حول بناء الإنسان والأسرة والمجتمع، وترسيخ قيم المسؤولية والتكافل والعمل والإنتاج والمواطنة الصالحة.
إن نجاح المؤسسات الإسلامية في العقود الماضية في استرداد جزء من أوقافها، وإحياء تراثها، وإعادة بناء منظومتها التعليمية، يمنحها أساسًا قويًا للانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها المشاركة في صناعة المستقبل.
فالتحدي لم يعد يقتصر على حماية الهوية، بل أصبح يتمثل في الإسهام في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وازدهارًا وعدالة.
وعندما تتكامل جهود المؤسسات الدينية مع جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، يمكن تحقيق نتائج ملموسة في مجالات الهداية والتعليم والتنمية الاقتصادية والنهوض الاجتماعي وحماية الأسرة وتمكين الشباب.
وعندها تصبح المؤسسات الإسلامية جزءًا من مشروع وطني شامل ينظر إلى المستقبل بثقة، ويعمل على إعداد أجيال قادرة على الحفاظ على هويتها والمساهمة في تقدم أوطانها في الوقت نفسه.
بناء القيادات والكفاءات.. الاستثمار الأهم للمستقبل
تمثل هذه الأولوية اليوم أحد أهم التحديات والفرص في الوقت نفسه.
فنجاح أي مؤسسة لا يعتمد على المباني والأوقاف وحدها، بل على وجود قيادات وكفاءات قادرة على إدارة هذه الموارد وتطويرها وتحويلها إلى مشاريع ناجحة تخدم المجتمع.
وبوصفها الممثل المؤسسي الأول للمسلمين في كثير من هذه الدول، تتحمل المشيخات الإسلامية مسؤولية المساهمة في إعداد القيادات المستقبلية والكفاءات العلمية والمهنية التي ستقود المجتمعات المسلمة خلال العقود القادمة.
وقد نجحت العديد من المشيخات بالفعل في إطلاق برامج تعليمية وتربوية ومنح دراسية ومبادرات شبابية أسهمت في إعداد أجيال جديدة من الكفاءات، إلا أن هذا المسار يحتاج إلى مزيد من التركيز والاستمرارية والتوسع والتطوير.
فالمستقبل لا يُبنى بالأئمة والعلماء فقط، بل كذلك بالأطباء والمهندسين والأكاديميين والباحثين والإعلاميين ورجال الأعمال والمتخصصين في الإدارة والاقتصاد والقانون.
كما أن نجاح التعليم الإسلامي لا يُقاس بعدد الأئمة الذين يخرجهم فقط، بل بعدد الكفاءات التي يساهم في إعدادها لخدمة المجتمع والدولة والأمة.
فالطبيب الأمين، والمهندس المبدع، والباحث المتميز، والمعلم القدوة، ورائد الأعمال الناجح، جميعهم يمثلون ثمرة من ثمار الاستثمار في الإنسان، ويشكلون امتدادًا طبيعيًا لرسالة المؤسسات الإسلامية في خدمة المجتمع.
ومن هنا فإن بناء القيادات والكفاءات يمثل حلقة الوصل بين التعليم والتنمية وصناعة المستقبل.
من حماية البقاء
إلى صناعة النهضة
إذا كانت المرحلة الأولى بعد سقوط الشيوعية قد انشغلت بحماية الوجود الديني واسترداد الأوقاف وإحياء التراث وإعادة بناء التعليم الإسلامي، فإن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال إلى مرحلة أوسع عنوانها التنمية وصناعة النهضة.
فالمجتمعات التي نجحت في الحفاظ على هويتها بعد عقود من القمع قادرة اليوم على الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستثمار في الإنسان، وتعزيز التنمية، وبناء الشراكات، وصناعة القيادات، والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.
إن التحدي الحقيقي أمام المشيخات والمؤسسات الإسلامية خلال العقود المقبلة لن يكون فقط في حماية ما تبقى من التراث أو تخريج الأئمة، بل في المساهمة الفاعلة في صناعة نهضة مجتمعية متكاملة تمنح الشباب أسباب البقاء والعطاء داخل أوطانهم بدلًا من البحث عن مستقبلهم في الخارج.
وعندما تنجح المشيخات الإسلامية في الجمع بين الأوقاف والتعليم والتراث والتنمية والكفاءات والشراكات المجتمعية، فإنها لن تحافظ على هوية مجتمعاتها فحسب، بل ستسهم في بناء أوطان أكثر استقرارًا وازدهارًا وعدالة للأجيال القادمة.
وبذلك يمكن القول إن مهمة المشيخات الإسلامية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقتصر على إدارة المساجد والتعليم الديني، بل أصبحت قيادة مشروع حضاري متكامل يجمع بين الدين والتعليم والتنمية وبناء الإنسان وخدمة المجتمع وصناعة المستقبل.