الاستثمار في الطفولة والأسرة
يتصدر أولويات المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
وسط التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي تشهدها المجتمعات الأوروبية، برز نموذج لافت في كوسوفا يتمثل في قدرة المؤسسات الإسلامية على تحويل الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية إلى أدوات عملية لبناء الأسرة ورعاية الأطفال وتعزيز حضور القيم الإسلامية داخل المجتمع.
ففي الوقت الذي ينظر فيه كثيرون إلى الأعياد بوصفها مناسبات احتفالية عابرة، أصبحت هذه المناسبات في كوسوفا جزءًا من مشروع تربوي واجتماعي متكامل تقوده المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا ومؤسساتها المحلية، مستفيدة من كل مناسبة لتقديم رسالة تعليمية أو أسرية أو مجتمعية تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي.
وتكشف عشرات الأنشطة التي تُنظم سنويًا في مختلف المدن والبلدات عن تحول واضح في فلسفة العمل المؤسسي؛ إذ لم تعد الفعاليات تقتصر على الخطب والمحاضرات، بل باتت تشمل برامج للأطفال، ودورات تعليمية، ومهرجانات أسرية، وأنشطة ثقافية، وفعاليات تعزز الترابط المجتمعي والانتماء الديني.
الطفل في صدارة الأولويات
يُذكر بأن الأطفال يمثلون أحد أبرز محاور العمل في المؤسسات التابعة للمشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا خلال السنوات الأخيرة. وتُظهر الفعاليات التي تُنظم في الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية توجهًا واضحًا نحو الاستثمار في الأجيال الجديدة، ليس فقط من خلال التعليم الديني التقليدي، بل عبر أنشطة ترفيهية وتربوية تُشعر الطفل بأن المؤسسة الإسلامية جزء من حياته اليومية.
فمن احتفالات تعلم الأحرف العربية وحفلات الانتقال إلى تلاوة القرآن الكريم، إلى مهرجانات يوم الطفل والبرامج الترفيهية المصاحبة للأعياد، تسعى هذه الأنشطة إلى بناء علاقة إيجابية بين الطفل ومؤسساته الدينية منذ سنواته الأولى.
وتدرك المؤسسات الإسلامية أن الطفل الذي ينشأ داخل بيئة دافئة وجاذبة يكون أكثر ارتباطًا بقيمه وهويته وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية مستقبلاً.
الأسرة شريك أساسي في المشروع التربوي
لا تقتصر هذه الأنشطة على الأطفال وحدهم، بل تستهدف الأسرة بأكملها. ففي معظم المناسبات تحرص المؤسسات المنظمة على إشراك الآباء والأمهات في الفعاليات، وتحويل الحدث إلى مساحة للتواصل العائلي والتفاعل المجتمعي.
ويُلاحظ أن حضور الأسر أصبح عنصرًا ثابتًا في أغلب البرامج التي تنظمها المجالس الإسلامية المحلية، الأمر الذي يعزز الروابط بين المؤسسة الدينية والمجتمع ويجعلها أكثر قربًا من احتياجات الناس اليومية. كما أن مشاركة الأسرة تمنح الأطفال شعورًا بأهمية ما يتعلمونه وتضاعف الأثر التربوي للأنشطة المقامة.
صعود دور المرأة في العمل المجتمعي
يُذكر بأن قسم المرأة في المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا أصبح أحد أكثر الأقسام حضورًا وتأثيرًا في المجال المجتمعي خلال السنوات الأخيرة.
فمن خلال شبكة واسعة من البرامج والدورات والأنشطة، نجح القسم في الوصول إلى شرائح كبيرة من النساء والأطفال والأسر، وتحول إلى أحد المحركات الأساسية للفعاليات المجتمعية في البلاد.
وتكشف الأنشطة الأخيرة أن دور المرأة لم يعد مقتصرًا على البرامج النسائية التقليدية، بل امتد إلى إدارة مشاريع تربوية وثقافية واسعة تستهدف المجتمع بأكمله.
من المسجد إلى المجتمع
من أبرز التحولات التي تشهدها كوسوفا اليوم انتقال العمل الإسلامي من التركيز على المسجد فقط إلى الانخراط المباشر في مختلف قضايا المجتمع.
فالمؤسسات الإسلامية أصبحت حاضرة في مجالات التعليم والأسرة والشباب والطفولة والعمل الخيري والثقافة، وتسعى إلى تقديم نموذج متوازن يجمع بين المحافظة على الهوية الإسلامية والانفتاح على احتياجات المجتمع المعاصر.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في طبيعة الأنشطة التي تُنظم خلال الأعياد والمناسبات، حيث تتحول هذه المناسبات إلى فرص للتعليم والترفيه والتواصل الاجتماعي وبناء الثقة بين الأجيال المختلفة.
لماذا يكتسب هذا التوجه أهمية خاصة؟
تنبع أهمية هذا النموذج من خصوصية التجربة الكوسوفية نفسها. فكوسوفا دولة خرجت من حرب مدمرة قبل أقل من ثلاثة عقود، واضطرت إلى إعادة بناء مؤسساتها ومجتمعها من جديد. وفي هذا السياق برزت الحاجة إلى مؤسسات قادرة على المساهمة في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز الاستقرار الأسري ورعاية الأجيال الجديدة.
ومن هنا أصبحت الأعياد والمناسبات أكثر من مجرد احتفالات موسمية؛ إذ تحولت إلى أدوات لبناء الإنسان وتعزيز الانتماء وترسيخ القيم الإيجابية داخل المجتمع.
نموذج يستحق المتابعة
يبلغ عدد المسلمين في كوسوفا نحو 1.7 مليون نسمة يشكلون الغالبية الساحقة من سكان البلاد، وتواصل المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا تطوير برامجها المجتمعية عامًا بعد عام.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الاستثمار في الأسرة والطفولة سيبقى أحد أهم أولويات المرحلة المقبلة، في ظل إدراك متزايد بأن بناء المجتمعات يبدأ من الطفل والأسرة قبل أي شيء آخر.
ولعل أبرز ما يميز التجربة الكوسوفية اليوم هو نجاحها في تحويل المناسبات والأعياد إلى فرص حقيقية للتعليم والرعاية والاندماج المجتمعي، لتصبح هذه الفعاليات جزءًا من مشروع طويل الأمد لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وثقة بمستقبله.
