المفتي العام الجديد يضع التعليم والكوادر الشرعية والعمل المجتمعي في صدارة الأولويات

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
على امتداد السهول والجبال التي تحتضن المجتمعات المسلمة في بلغاريا، تتواصل رحلة الحفاظ على الهوية الإسلامية التي واجهت تحديات كبيرة منذ انسحاب الدولة العثمانية من منطقة البلقان، ثم خلال عقود الحكم الشيوعي التي شهدت تقييدًا واسعًا للحياة الدينية ومؤسساتها.
ومع عودة الحريات الدينية بعد عام 1989، دخل المسلمون مرحلة جديدة من إعادة بناء مؤسساتهم الدينية والتعليمية والاجتماعية. وفي هذا السياق، جاء انعقاد المؤتمر الوطني للمسلمين في العاصمة صوفيا ليشكل محطة مفصلية جديدة في مسار المؤسسة الإسلامية، من خلال انتخاب قيادة جديدة تتولى إدارة شؤون المسلمين خلال السنوات الخمس المقبلة.
فقد انتخب المؤتمر الوطني للمسلمين في جمهورية بلغاريا الدكتور أحمد حسنوف مفتيًا عامًا للمسلمين، فيما انتخب الدكتور مصطفى حاجي رئيسًا للمجلس الإسلامي الأعلى، وذلك خلال أعمال المؤتمر الوطني الإسلامي الذي عقد في 21 يونيو 2026 بقاعة رقم 1 في قصر الثقافة الوطني بالعاصمة صوفيا، بمشاركة 1033 مندوبًا من أصل 1257 يملكون حق التصويت.
المؤتمر الأعلى للمسلمين في بلغاريا
يعد المؤتمر الوطني للمسلمين أعلى هيئة تمثيلية للمؤسسة الإسلامية في بلغاريا، ويختص بانتخاب المفتي العام والمجلس الإسلامي الأعلى والقيادات المركزية للمشيخة الإسلامية.
وشهد المؤتمر حضورًا رسميًا ودينيًا واسعًا، شمل ممثلين عن مؤسسات الدولة البلغارية والهيئات الدينية المختلفة والسلك الدبلوماسي، إضافة إلى مفتين وممثلي مؤسسات إسلامية من دول البلقان وممثلين عن رئاسة الشؤون الدينية التركية.
وقد جرت عملية الانتخاب بالتصويت العلني، وأسفرت عن اختيار الدكتور أحمد حسنوف مفتيًا عامًا للمسلمين، والدكتور مصطفى حاجي رئيسًا للمجلس الإسلامي الأعلى، لولاية تمتد خمس سنوات.
من هو الدكتور أحمد حسنوف؟
يعد الدكتور أحمد حسنوف أحد أبرز الشخصيات الدينية والأكاديمية في بلغاريا، وشغل خلال السنوات الماضية منصب نائب المفتي العام، وكان من أبرز المشرفين على ملفات التعليم الإسلامي وإعداد الكوادر الدينية والعلاقات الدولية للمؤسسة الإسلامية.
حصل الدكتور حسنوف على درجة الدكتوراه من جامعة أنقرة في تركيا، وارتبط اسمه بتطوير المؤسسات التعليمية الإسلامية وبرامج إعداد الأئمة والمعلمين، كما أسهم في توسيع شبكة العلاقات الدولية للمشيخة الإسلامية وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.
وتحظى شخصيته باحترام واسع داخل المجتمع المسلم، حيث ينظر إليه باعتباره أحد رموز الجيل الذي قاد مرحلة إعادة بناء المؤسسات الإسلامية بعد عقود من التحديات التي واجهها المسلمون في البلاد.
الدكتور مصطفى حاجي ومسيرة طويلة في القيادة
أما الدكتور مصطفى حاجي، فيعد أطول من تولى منصب المفتي العام في تاريخ المؤسسة الإسلامية الحديثة في بلغاريا، إذ شغل المنصب بين عامي 1997 و2000، ثم بين عامي 2005 و2026.
كما تولى سابقًا رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وشغل منصب رئيس المعهد الإسلامي العالي في صوفيا، ويحمل درجة الدكتوراه من جامعة مرمرة في إسطنبول، إضافة إلى درجة الماجستير من الجامعة البلغارية الجديدة.
ويمثل انتخابه رئيسًا للمجلس الإسلامي الأعلى استمرارًا للاستفادة من خبرته الطويلة في إدارة المؤسسة الإسلامية خلال المرحلة المقبلة.
شعار المرحلة الجديدة
انعقد المؤتمر تحت شعار “الوحدة والاستمرارية والمسؤولية”، وهو الشعار الذي عكس طبيعة المرحلة الانتقالية داخل المؤسسة الإسلامية.
وقد أظهرت أجواء المؤتمر حالة من التوافق المؤسسي بين القيادات المنتخبة، حيث أكدت مختلف الكلمات والرسائل الصادرة عن المشاركين أهمية الحفاظ على وحدة المسلمين وتعزيز استقرار مؤسساتهم الدينية.
رؤية المفتي العام الجديد
وفي أول كلمة له بعد انتخابه، أكد الدكتور أحمد حسنوف أن اختياره مفتيًا عامًا لا يمثل نجاحًا شخصيًا بقدر ما يمثل أمانة ومسؤولية تجاه جميع المسلمين في بلغاريا.
وشدد على أنه سيكون مفتيًا عامًا لجميع المسلمين دون تمييز بين المناطق أو الأجيال أو المكونات المختلفة، مؤكدًا رفض أي مظاهر للانقسام أو الاستقطاب داخل المجتمع المسلم.
وأوضح أن إدارته ستقوم على مبادئ الشفافية والحوار والعدالة والاحترام المتبادل، مع تعزيز الثقة في مؤسسات المشيخة الإسلامية ومكاتب المفتين الإقليميين.
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد اهتمامًا خاصًا بتطوير التعليم الديني، وإعداد الكوادر الشرعية المؤهلة، ودعم الشباب، وتوسيع برامج العمل الاجتماعي والخيري، إلى جانب تعزيز التعاون مع مؤسسات الدولة وسائر المكونات الدينية في البلاد.
وأكد كذلك أن جمهورية بلغاريا تمثل البيت المشترك لجميع مواطنيها، وأن نموذج التعايش بين المكونات الدينية والعرقية يشكل قيمة وطنية مهمة ينبغي الحفاظ عليها وتعزيزها.
المجلس الإسلامي الأعلى الجديد
أقر المؤتمر كذلك تشكيل المجلس الإسلامي الأعلى الجديد الذي يضم 25 عضوًا برئاسة الدكتور مصطفى حاجي، ويعد أعلى هيئة إدارية وإشرافية داخل المؤسسة الإسلامية، ويتولى متابعة السياسات العامة وإدارة شؤون المشيخة الإسلامية خلال الدورة الجديدة.
المسلمون في بلغاريا
تقع جمهورية بلغاريا في جنوب شرق أوروبا ضمن منطقة البلقان، ويشكل المسلمون نحو 10% من سكان البلاد، وينتمي معظمهم إلى الأتراك البلغار والبوماك والغجر المسلمين.
وتدير المشيخة الإسلامية شبكة واسعة من المساجد والمفتيات الإقليمية والمؤسسات التعليمية، وتشرف على المدارس الثانوية الإسلامية والمعهد الإسلامي العالي وبرامج التعليم الديني المختلفة في أنحاء البلاد.
الخاتمة
يمثل انتخاب الدكتور أحمد حسنوف مفتيًا عامًا للمسلمين في بلغاريا بداية مرحلة جديدة في مسيرة المؤسسة الإسلامية التي أعادت بناء نفسها خلال العقود الثلاثة الماضية بعد سنوات طويلة من التحديات السياسية والدينية. وبينما تتطلع القيادة الجديدة إلى تعزيز التعليم الديني والعمل الاجتماعي وإعداد الأجيال القادمة، يبقى الحفاظ على وحدة المسلمين وتطوير مؤسساتهم وتعزيز حضورهم الإيجابي في المجتمع البلغاري من أبرز الملفات التي ستشكل ملامح المرحلة المقبلة.
المصدر: دار الإفتاء العامة في جمهورية بلغاريا.








