تم تقديم مقترحات لإنشاء لجنة للسلام ومنصة دائمة للأديان داخل مجلس أوروبا ومبادرات تعليمية وفنية لإشراك الشباب في مواجهة الكراهية والتمييز وتعزيز التماسك المجتمعي

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مجتمع تتعدد فيه الأديان والمعتقدات والثقافات، لا يتطلب التعاون الإنساني إلغاء الاختلافات، بل احترامها والبحث عن القيم والمسؤوليات المشتركة. فالحوار الحقيقي يتجاوز التعارف والتفاهم إلى بناء جسور عملية بين الناس، تتيح لهم مواجهة التحديات المجتمعية معًا، دون أن يفقد أي طرف خصوصيته الدينية أو الثقافية.
وتزداد أهمية هذا التوجه حين يجد الحوار بين الأديان طريقه إلى المؤسسات الأوروبية، حيث يمكن تحويل الخبرات المتراكمة في التعايش والعمل المشترك إلى مبادرات للتعليم والسلام ومواجهة التمييز، بما يعزز دور المجتمعات الدينية شريكًا فاعلًا في خدمة الصالح العام.
مشاركة في مجلس أوروبا
وفي هذا السياق، شارك الأكاديمي الألباني، الأستاذ المشارك الدكتور جنتي كرويا، رئيس منظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا»، في أعمال مؤتمر المنظمات الدولية غير الحكومية التابع لمجلس أوروبا، الذي انعقد بمدينة ستراسبورغ الفرنسية خلال الفترة من 28 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2026، بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس المؤتمر.
وشارك كرويا عبر الاتصال المرئي، إلى جانب البروفيسورة إليزابيث ناورات، رئيسة «أديان من أجل السلام – ألمانيا»، وعمر فاروق كاراجان، أمين الهيئات الوطنية الأوروبية للحوار بين الأديان، فيما مثّل المنظمة حضوريًا هان ستاينبروخ، الرئيس الجديد لمنظمة «أديان من أجل السلام – هولندا».
وشهدت الاجتماعات، التي استضافها مبنى أغورا، مناقشات حول مستقبل التعاون الأوروبي، ومكانة الحوار بين الأديان والمعتقدات المختلفة ضمن أعمال مجلس أوروبا، ودور المجتمع المدني في دعم السلام والتماسك الاجتماعي.
مقترحات مؤسسية للسلام
تركزت أبرز المناقشات على إمكانية إنشاء منصة دائمة للأديان داخل مجلس أوروبا، وتطوير آليات للتعاون بين المؤسسات الدينية والمدنية، بما يتيح مشاركة أوسع للمجتمعات المختلفة في المبادرات الأوروبية المرتبطة بالسلام وحقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، شارك ستاينبروخ في مجموعة نقاش ضمت نحو 12 مشاركًا لبحث مقترح إنشاء لجنة للسلام، تتولى الاهتمام بمنع العنف، ومواجهة الكراهية والتمييز، وتعزيز التماسك المجتمعي من خلال الحوار.
واتفق المشاركون على مواصلة التواصل لتطوير المقترح، فيما برزت أهمية التعليم والتدريب ووضع مبادئ أخلاقية للحوار باعتبارها مجالات عملية للتعاون المستقبلي.
كما أتاحت الاجتماعات لمنظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا» فرصة لدعم مساعيها للحصول على صفة المشاركة في أعمال مجلس أوروبا، وإبراز خبراتها في الحوار بين الأديان والتعليم والوقاية من النزاعات.
الشباب في بناء السلام
حظيت مشاركة الشباب باهتمام خاص خلال المؤتمر، الذي شهد حضور أكثر من 30 شابًا وشابة، وخصص جانبًا من برنامجه لبحث دور الأجيال الجديدة في مواجهة التطرف والانقسامات المجتمعية.
وتضمنت الفعاليات عرض الفيلم الوثائقي «اليمين الأبيض: لقاء العدو» للمخرجة ديا خان، ومناقشة أهمية الإنصات والتعاطف والتواصل مع أصحاب الأفكار المتطرفة، إلى جانب بحث إمكانية الاستفادة من هذه التجربة في برامج تدريبية.
كما تناول عرض فيلم «على طول الطريق» أهمية تمكين اللاجئين من رواية تجاربهم بأنفسهم، وتوفير التعليم والمساحات الآمنة للمتضررين من النزوح والصدمات النفسية.
وفي مبادرة تجمع الفن بالحوار الإنساني، أطلقت «أديان من أجل السلام – أوروبا»، بالتعاون مع لجنة الحوار بين الأديان والمعتقدات التابعة للمؤتمر، مسابقة للفن والتصوير الفوتوغرافي تحت شعار «الحوار بين الأديان: جسور التعاون والسلام والتفاهم».
وتستهدف المسابقة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا، لإتاحة التعبير عن رؤاهم بشأن التعايش والتنوع والسلام من خلال الرسم والتصوير الفوتوغرافي.
وتعكس هذه المبادرات توجهًا نحو توسيع مفهوم الحوار بين الأديان، بحيث لا يقتصر على اللقاءات الرسمية بين القيادات، بل يمتد إلى التعليم والثقافة والفنون والعمل الشبابي، باعتبارها مساحات قادرة على بناء الثقة وتقريب المجتمعات المختلفة.
وتمثل مشاركة المنظمة الأوروبية في مؤتمر ستراسبورغ خطوة ضمن مساعيها لتعزيز التعاون المؤسسي مع مجلس أوروبا، والاستفادة من خبراتها في تحويل الحوار بين الأديان إلى برامج مجتمعية تسهم في الوقاية من النزاعات، ومواجهة التمييز، وترسيخ ثقافة السلام.
د. جنتي كرويا..
سفير التسامح الألباني إلى العالم
يمثل الدكتور جنتي كرويا نموذجًا أكاديميًا ألبانيًا يجمع بين المعرفة والعمل الإنساني والحضور المؤسسي، مستندًا إلى تجربة بلاده في التعايش بين أتباع الأديان بوصفها قيمة حضارية يمكن أن تسهم في بناء جسور التفاهم بين الشعوب والثقافات.
ويعمل كرويا في مجالات علم الاجتماع والحوار بين الأديان وبناء السلام والحرية الدينية، جامعًا بين التدريس والبحث العلمي وقيادة المؤسسات والمشاركة في المحافل الأوروبية والدولية. وتشمل مسؤولياته رئاسة «أديان من أجل السلام – أوروبا»، والعمل ضمن «أديان من أجل السلام الدولية»، والأمانة العامة لمجلس ألبانيا للحوار بين الأديان، وإدارة معهد «بريزمي للحوار»، إلى جانب عمله أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة بدر، وخبيرًا في حرية الدين أو المعتقد لدى مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ورئاسة تحرير المجلة العلمية «زاني إي نالت».
ومن خلال أبحاثه ومحاضراته ومشاركاته الدولية، يحمل كرويا إلى خارج ألبانيا تجربة مجتمع استطاع أن يجعل من التنوع الديني مساحة للعيش المشترك لا سببًا للانقسام، رابطًا بين المعرفة الأكاديمية والحوار الإنساني والعمل من أجل السلام. ومن هنا تتجاوز رسالته حدود النشاط المؤسسي لتقدم صورة حضارية عن ألبانيا، يكون فيها احترام الاختلاف والتعارف والتعاون بين أتباع الأديان جسورًا تصل الإنسان بالإنسان، مهما اختلفت معتقداته وثقافته ووطنه.
المصدر: منظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا».