صور تستحضر الجذور الاجتماعية والثقافية والعمرانية للمجتمع التتري في إحدى مدن وسط روسيا العريقة، وتسلط الضوء على تراث إسلامي شهد تحولات تاريخية من المصادرة في الحقبة الشيوعية إلى إعادة البناء بعد انهيار الاتحاد السوفيتي

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في الأحياء القديمة للمدن التاريخية، تختزن الشوارع والمباني ذاكرة المجتمعات وتقاليدها الدينية والثقافية، وتتحول مع مرور الزمن إلى شواهد حضارية على هويتها وتطور حياتها.
وعلى ضفاف نهر الفولغا، تمثل الأحياء التترية والمساجد العريقة جزءًا من هذا الموروث، بما تحمله من قصص الاستقرار والتحولات التاريخية واستمرار الحضور الإسلامي عبر الأجيال.
شارع التتار.. معرض مصور في ساراتوف
وفي هذا السياق، يستضيف المسجد الجامع المركزي بمدينة ساراتوف، إحدى المدن التاريخية العريقة في حوض نهر الفولغا بوسط روسيا، يوم 21 أكتوبر 2026، معرضًا فوتوغرافيًا بعنوان «شارع التتار»، يُفتتح في الساعة الحادية عشرة صباحًا، للتعريف بتاريخ «حي التتار»، أول حي سكني تاريخي للمسلمين في المدينة.
ويأتي المعرض ضمن سلسلة من الفعاليات الثقافية والتراثية والدينية المتواصلة المرتبطة بالاحتفال بالذكرى الـ190 لتأسيس المسجد التاريخي، والمقرر أن تتوج بنهاية العام الجاري.
ويُقام المعرض داخل المسجد الجامع الواقع بشارع تاتارسكايا، رقم 10/12، في الموقع الذي شهد بناء المسجد الحجري القديم عام 1832م.
حي التتار التاريخي
يُعرف الحي في التراث المحلي باسم «تاتارسكايا سلوبودا»، ويمثل أحد الشواهد العمرانية والاجتماعية على استقرار المسلمين التتار في ساراتوف، وارتباطهم بالحياة الحضرية في منطقة الفولغا الروسية.
ومن خلال الصور الفوتوغرافية، يستحضر المعرض ذاكرة الحي ومكانته في تاريخ المجتمع التتري المحلي، ويبرز أهمية الأحياء القديمة في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية ونقل التراث إلى الأجيال الجديدة.
وتقع ساراتوف على مسافة تقارب 850 كيلومترًا جنوب شرقي العاصمة الروسية موسكو، وهي المركز الإداري لمقاطعة تحمل اسمها، ويضم مجتمعها المسلم أبناء قوميات متعددة، أبرزها التتار والكازاخ.
من المصادرة إلى الإعمار
تعود جذور المسجد الجامع المركزي إلى عام 1832م، عندما شُيّد مسجد حجري كبير في شارع التتار، تعلوه مئذنة مرتفعة، ويحيط به سور يحمل ملامح العمارة الإسلامية.
وبحسب تقرير نشره موقع «مسلمون حول العالم» في 29 أكتوبر 2020، استنادًا إلى رواية الدكتور نضال عوض الله الحيح، نائب مفتي منطقة حوض الفولغا للعلاقات الخارجية آنذاك، تعرض المسجد للمصادرة خلال الحقبة الشيوعية، وهُدمت مئذنته وسوره، وحُوّل المبنى إلى استخدامات أخرى، حتى لم يبق من معالمه الإسلامية الظاهرة سوى بروز المحراب في اتجاه القبلة.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، استعاد المسلمون المبنى عام 1991م، لكنه كان في حالة إنشائية متدهورة، ما دفع إلى اتخاذ قرار بإعادة بنائه بدلًا من ترميمه، بعد أن تبين أن تكلفة الصيانة تفوق تكلفة إنشاء مسجد جديد.
وبدأت أعمال البناء عام 1995م في الموقع نفسه، بمساحة أكبر وتصميم مختلف عن المسجد القديم، واستمرت عشر سنوات حتى اكتمل المبنى وأقيمت مئذنته، وافتُتح رسميًا في 21 سبتمبر 2005م.
وأصبح المسجد الجديد يُعرف أيضًا باسم «المركز الإسلامي»، وتحول إلى مقر للأنشطة الدينية والمجتمعية للمسلمين في ساراتوف.
قيمة تراثية وسياحية
ترتبط ساراتوف بتاريخ مدينة أوفا القديمة، التي كانت محطة على طريق الحرير، وارتبطت بتاريخ القبيلة الذهبية التي حكمت أجزاء من منطقة الفولغا، بما يمنح المدينة أهمية تاريخية تتجاوز حدودها المعاصرة.
وفي هذا الإطار، يقدم معرض «شارع التتار» فرصة للتعريف بجانب من التراث الإسلامي المحلي، وإبراز القيمة الحضارية للأحياء القديمة باعتبارها معالم ذات أهمية تاريخية وثقافية وسياحية.
ويجمع المعرض بين التعريف بتاريخ المجتمع التتري والاحتفاء بأحد معالمه الدينية العريقة، في مناسبة تعكس أهمية توثيق الذاكرة العمرانية والاجتماعية للمجتمعات المسلمة والمحافظة على تراثها للأجيال المقبلة.
المصدر: صفحة فضيلة الشيخ مقدس بيبارسوف، وتقرير تاريخي منشور في «مسلمون حول العالم» بتاريخ 29 أكتوبر 2020، استنادًا إلى رواية الدكتور نضال عوض الله الحيح.