الكتاب من تأليف الباحثين موجو بيغيتش ودافور ميدجيتش، وثمرة سنوات من البحث الميداني لتوثيق مرحلتَي تدمير المساجد خلال الحرب وإعادة إعمارها بعدها

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
شكّل تدمير المساجد على أيدي الجيش الصربي والقوات الصربية المتحالفة معه في البوسنة والهرسك أحد مظاهر حملات التطهير العرقي التي استهدفت المسلمين البوشناق خلال الحرب، بهدف اقتلاعهم من مناطقهم ومحو معالم تراثهم وهويتهم الإسلامية.
وفي المقابل، مثّلت مرحلة إعادة إعمار المساجد بعد الحرب إرادة صمود لاستعادة الحياة الدينية والمجتمعية، وارتبطت بعودة السكان وتمسكهم بأرضهم وتراثهم التاريخي.
توثيق تدمير الصرب 208 مسجد كليا أو جزئيا
فقد شهدت العاصمة البوسنية سراييفو، الخميس 22 أكتوبر 2026، تقديم كتاب «آثار الدمار» (Tragovi rušenja)، من تأليف الباحثين موجو بيغيتش ودافور ميدجيتش، الذي يوثق تدمير وتضرر 208 مساجد من أصل 248 مسجدًا كانت قائمة عام 1991 في منطقة كرايينا البوسنية، شمال غربي البوسنة والهرسك، خلال حرب 1992–1995، إلى جانب جهود إعادة إعمارها بعد الحرب.
وأُقيمت الفعالية في حمّام غازي خسرو بك، التابع للمعهد البوشناقي – مؤسسة عادل بك ذو الفقار باشيتش، بمشاركة باحثين وأكاديميين وممثلين عن المؤسسات الإسلامية.
ويستند الكتاب إلى بحث ميداني امتد سنوات، شمل توثيق المساجد المدمرة والمتضررة والمعاد إعمارها، إضافة إلى ما تعرض له الأئمة والمصليات ومنازل الأئمة وغيرها من ممتلكات المشيخة الإسلامية خلال الحرب.
التطهير العرقي وتدمير المساجد
وجاء تدمير المساجد في كرايينا البوسنية ضمن حملات التطهير العرقي التي نفذها الجيش الصربي والقوات الصربية المتحالفة معه في البوسنة والهرسك خلال حرب 1992–1995، واستهدفت المسلمين البوشناق بالقتل والتهجير القسري وتدمير ممتلكاتهم ومعالمهم الدينية والثقافية، في مسعى لاقتلاع وجودهم التاريخي من المنطقة ومحو هويتهم الإسلامية.
وقد وثّقت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في أحكامها المتعلقة بالجرائم المرتكبة في البوسنة والهرسك، مسؤولية القوات الصربية عن عمليات اضطهاد وتهجير وتدمير متعمد للمؤسسات الدينية الإسلامية، ضمن سياسات استهدفت تغيير التركيبة السكانية للمناطق التي تعرضت لهذه الجرائم.
وفي هذا السياق، أوضح المؤلف موجو بيغيتش أن البحث كشف عن عمليات تدمير منظمة استُخدمت فيها كميات كبيرة من المتفجرات، فضلًا عن تخريب المقابر الإسلامية ونهب ممتلكات المساجد ومنازل الأئمة.
وأكد بيغيتش أن تدمير المساجد استهدف اقتلاع جذور المسلمين البوشناق من أرض كرايينا، غير أن إعادة إعمارها جسدت تمسك السكان بأرضهم وهويتهم الدينية.
تضافر الجهود وإعادة البناء
وأشار بيغيتش إلى أن إعادة بناء المساجد تحققت بجهود كبيرة بذلها المصلون والأئمة والمفتون، الذين أسهموا بأموالهم وعملهم في استعادة هذه المنشآت الدينية الإسلامية من المساجد والأوقاف.
من جانبه، أكد محمد يوسيتش، مدير إدارة الشؤون الخارجية والجاليات المهاجرة في رئاسة المشيخة الإسلامية بالبوسنة والهرسك، أهمية توثيق عمليات التدمير وإعادة الإعمار معًا، معلنًا اعتزام تنظيم معرض في مدينة بوسانسكا غراديشكا خلال الأيام التالية لتقديم الكتاب.
وأوضح أن إدارته ستواصل دعم المشروعات البحثية المعنية بتوثيق ما تعرضت له المنشآت الدينية وجهود إعادة بنائها.
بدوره، أشار أمير دورانوفيتش، الأستاذ بكلية الفلسفة في جامعة سراييفو، إلى أن الكتاب يتناول أيضًا عودة السكان بعد الحرب وإعادة بناء مجتمعاتهم المحلية، مؤكدًا أن ترميم المساجد والممتلكات الوقفية ارتبط بإعادة تأسيس الحياة المجتمعية في المناطق المتضررة.
وأكد معمر جانانوفيتش، مدير معهد أبحاث الجرائم ضد الإنسانية والقانون الدولي بجامعة سراييفو، أن الكتاب ثمرة بحث ميداني وتجريبي استغرق سنوات، وأسهم في توثيق حجم الدمار الذي أصاب المنشآت الدينية وإعادة إعمارها.
وشارك في تقديم الكتاب أيضًا الباحث ياسمين ميديتش، فيما أدارت الفعالية الباحثة مدينة محمدوفيتش مولاليتش.
ومن المقرر وقف المواد البحثية والوثائق التي جُمعت خلال إعداد الكتاب لصالح مكتبة غازي خسرو بك في سراييفو، وإتاحتها للأجيال القادمة من الباحثين، بما يحفظ السجل التاريخي لتدمير المساجد وإعادة إعمارها في كرايينا البوسنية.
المصدر: موقع بريپورود (Preporod.info) – تقرير الصحفي سيدين ساليتش، 22 أكتوبر 2026.