قراءة تحليلية ترصد جهود البناء المؤسسي وتعزيز الهوية الإسلامية والمشاركة المجتمعية، وتوازن بين المبادرات المنجزة والمشروعات المستقبلية والتحديات

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تتعدد مسارات الحياة الإسلامية في المجتمعات المسلمة عبر قارات العالم، بين قاعات التعليم وأنشطة المساجد والمشروعات الإنسانية ومنتديات الحوار بين الثقافات والأديان. وفي هذه المساحات تتواصل جهود بناء المؤسسات وتنشئة الأجيال وخدمة المجتمعات، بينما تواجه فئات أخرى تحديات تتعلق بالاستقرار والحقوق والمحافظة على الهوية الدينية.
وتكشف التقارير الـ30 المنشورة خلال الأيام الستة الماضية عن حراك متنوع، يجمع بين المبادرات المحلية والشراكات العابرة للحدود، وبين الإنجازات القائمة والاحتياجات التي لا تزال تنتظر المعالجة.
ثلاثون تقريرًا.. ستة مسارات
تكشف قراءة أحدث 30 تقريرًا نشرها موقع «مسلمون حول العالم» عن ستة مسارات رئيسية لحراك المجتمعات المسلمة في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأوقيانوسيا وأمريكا الشمالية، تشمل تطوير التعليم الإسلامي والقرآني، وتعزيز المؤسسات الإسلامية والأوقاف والاقتصاد الحلال، وتوسيع التعاون الدولي والحوار بين الثقافات والأديان، وترسيخ التكافل والأسرة والمشاركة المجتمعية، وحفظ التراث الإسلامي والذاكرة التاريخية، ومواجهة تحديات الحقوق والحريات ونقص الموارد الدينية.
وتتوزع هذه المسارات بين مشروعات تعليمية ومؤسسية، ومبادرات اجتماعية وإنسانية، وجهود علمية وثقافية، إلى جانب تقارير ترصد أوضاع اللاجئين والمخاطر التي تواجه المساجد والمؤسسات الإسلامية.
وتبرز أهمية هذه القراءة في التمييز بين المبادرات المنفذة والمشروعات قيد الإعداد والتحديات القائمة، وربط التجارب المختلفة بسياقاتها المحلية، بما يتيح فهمًا أوسع لأولويات المجتمعات المسلمة ومجالات عمل مؤسساتها.
المسار الأول: تطوير التعليم الإسلامي والقرآني
يبرز التعليم الإسلامي والقرآني بوصفه أحد أكثر المجالات حضورًا في التقارير الثلاثين، من خلال سبع تجارب تتراوح بين تأسيس المرجعيات الوطنية، وتطوير التعليم العالي، وتأهيل القيادات الدينية، والاحتفاء بإنجازات المتعلمين، وتوسيع الخبرات الميدانية للطلاب.
ففي أستراليا، شهد المجتمع المسلم إطلاقًا تمهيديًا لأول مجلس أسترالي للقرآن الكريم، في مبادرة تستهدف بناء إطار وطني متخصص في التعليم القرآني، بما يعكس الاهتمام بتنسيق الجهود التعليمية وتطوير العمل المؤسسي في هذا المجال.
وفي الولايات المتحدة، تناول تقرير آخر تعاونًا مؤسسيًا لتطوير التعليم العالي الإسلامي وإعداد القيادات الدينية المؤهلة، في توجه يربط مستقبل المؤسسات الإسلامية بقدرتها على إعداد كوادر تجمع بين المعرفة الشرعية والكفاءة في العمل المؤسسي.
أما في تركيا، فقد وقعت جامعة «TİBU» الإسلامية الحديثة أول اتفاقية تعاون دولية لها، في خطوة تعكس سعي مؤسسات التعليم الإسلامي العالي إلى توسيع علاقاتها الأكاديمية والاستفادة من الخبرات العلمية خارج نطاقها المحلي.
وفي بلغاريا، اتخذ التعليم الإسلامي طابعًا ميدانيًا من خلال زيارة طلاب المعهد الإسلامي العالي في صوفيا إلى مدينة ليفربول البريطانية، لدراسة واقع المسلمين والتعرف إلى مؤسساتهم الدينية وتحدياتهم المعاصرة، بما يربط الدراسة الأكاديمية بالتجربة المجتمعية المباشرة.
وتقدم مقدونيا الشمالية وكوسوفا نموذجين للاهتمام بالتعليم القرآني للفتيات والنساء؛ فقد شهد مسجد الشباب في تيتوفا احتفاء بفتيات وأمهات أتممن قراءة القرآن الكريم، بينما احتفت مدينة بريزرن، المعروفة بمدينة المآذن، بـ15 فتاة أتممن تلاوة القرآن الكريم كاملًا.
وتبرز التجربتان دور المساجد والمؤسسات القرآنية والأسر في دعم تعليم القرآن الكريم، وتشجيع النساء والفتيات على مواصلة التعلم، والاحتفاء بما يحققنه من تقدم.
وفي روسيا، انطلقت النسخة الـ26 من مسابقة موسكو الدولية للقرآن الكريم، في حدث يعكس استمرار المسابقات القرآنية الدولية بوصفها مجالًا للتواصل بين المشاركين من مجتمعات إسلامية متعددة.
وتكشف التجارب السبع عن تكامل مستويات تطوير التعليم الإسلامي؛ فمنها ما يركز على بناء المؤسسات والمرجعيات، ومنها ما يتجه إلى إعداد القيادات وتبادل الخبرات، ومنها ما يهتم بالتعليم القرآني وترسيخ حضوره بين الأجيال.
المسار الثاني: تعزيز المؤسسات الإسلامية والأوقاف والاقتصاد الحلال
وفي المسار الثاني، تبرز ست تجارب تتعلق بتطوير الموارد المؤسسية والخدمات الاقتصادية، من خلال تنظيم الأوقاف، ودعم التعليم الوقفي، وتطوير قطاع الحلال، وتشجيع الابتكار والمساهمات المجتمعية.
ففي الفلبين، تناول تقرير إعداد دليل شامل للأوقاف الإسلامية في بانغسامورو يرتكز على أربعة محاور رئيسية، ضمن جهود تطوير إدارة الموارد الوقفية في ظل تجربة الحكم الذاتي الموسع بجنوب البلاد.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من ارتباط الأوقاف باستدامة المؤسسات الإسلامية والتعليمية والاجتماعية، مع ضرورة التمييز بين إعداد الإطار التنظيمي وتطبيقه الفعلي وقياس نتائجه المستقبلية.
وفي البوسنة والهرسك، تقدم مدرسة بهرام بك في توزلا تجربة تاريخية مختلفة؛ إذ تواصل أوقاف المسلمين دعم مسيرتها التعليمية بعد نحو 400 عام على تأسيسها، بما يبرز الأثر الممتد للوقف الإسلامي في استمرارية المؤسسات التعليمية عبر الأجيال.
وتكشف المقارنة بين بانغسامورو وتوزلا عن جانبين متكاملين للعمل الوقفي؛ الأول يتعلق ببناء الأطر التنظيمية المعاصرة، والثاني يقدم نموذجًا تاريخيًا لاستمرار أثر الموارد الوقفية في خدمة التعليم الإسلامي.
أما في فرنسا، فقد جمع مسجد باريس الكبير مسؤولي مسالخ من أربع دول أوروبية لبحث متطلبات شهادة الحلال، في خطوة ترتبط بتعزيز الالتزام بالضوابط الشرعية والتشريعات المنظمة لقطاع المنتجات الحلال.
وفي أوغندا، تناول تقرير تعزيز التعاون بين أحد أكبر مسالخ العاصمة كمبالا والمجلس الإسلامي الأعلى، بما يعكس دور المؤسسات الإسلامية في متابعة الخدمات المرتبطة بالغذاء الحلال واحتياجات المستهلكين المسلمين.
وتوضح التجربتان الفرنسية والأوغندية اتساع الدور المؤسسي الإسلامي ليشمل قطاعات اقتصادية وخدمية تتطلب خبرة شرعية وتنظيمية وتنسيقًا مع الجهات العاملة في السوق.
وفي كينيا، انطلقت النسخة السابعة من «أسبوع الساحل للابتكار» بمدينة مومباسا، في مبادرة تنموية تجمع بين البيئة التاريخية السواحلية والإسلامية للمدينة وتطلعات الابتكار وتطوير الفرص الاقتصادية.
وفي الولايات المتحدة، احتفى مركز مكة بمسيرته وأعلن بداية مرحلة جديدة خلال عشاء خيري، في مناسبة جمعت بين التواصل المجتمعي ودعم استمرار العمل المؤسسي.
وتكشف التجارب الست عن تنوع أدوات التنمية المؤسسية، من الوقف الإسلامي والاقتصاد الحلال إلى الابتكار والمساهمات المجتمعية، مع اختلاف طبيعة المبادرات ودرجة ارتباطها المباشر بالمؤسسات الإسلامية.
المسار الثالث: توسيع التعاون الدولي والحوار بين الثقافات والأديان
وفي المسار الثالث، تتجاوز أربع مبادرات الحدود المحلية لتشمل التعاون بين المؤسسات الدينية والأكاديمية، والتواصل مع المجتمعات المختلفة، وبناء علاقات قائمة على الحوار والتعارف وتبادل الخبرات.
ففي كوسوفا، تناول تقرير جهود كلية الدراسات الإسلامية في بريشتينا لمد جسور الحوار الديني والثقافي، بما يعكس دور المؤسسات الأكاديمية الإسلامية في تعزيز التعارف بين الأديان والشعوب والثقافات.
وتبرز أهمية هذه التجربة في الجمع بين الوظيفة التعليمية للمؤسسة الإسلامية ودورها المجتمعي في تقديم المعرفة الدينية وتعزيز التفاهم مع المؤسسات والمجتمعات الأخرى.
وفي روسيا، استضافت موسكو مؤتمرًا دوليًا لتعزيز التواصل بين مسلمي روسيا ومسلمي أفريقيا، في مبادرة تعكس الاهتمام بتوسيع العلاقات بين مجتمعات إسلامية تجمعها روابط دينية، وتتنوع خلفياتها الثقافية والجغرافية.
وتشير هذه المبادرة إلى أهمية بناء شبكات تواصل تتجاوز النطاق المحلي، وتتيح تبادل الخبرات بين المؤسسات والشخصيات الإسلامية في مناطق متباعدة.
أما في سريلانكا، فقد تناول تقرير لقاء السفير الصيني بجمعية العلماء وتعريفها بواقع المسلمين في الصين، ضمن التواصل بين المؤسسات الإسلامية والبعثات الدبلوماسية.
وتختلف هذه التجربة عن التعاون المباشر بين المؤسسات الإسلامية، إذ تقوم على الحوار مع جهة دبلوماسية أجنبية وتبادل المعلومات بشأن أوضاع المجتمعات المسلمة والعلاقات الدينية والثقافية.
وفي ألبانيا، دعا مجلس الأديان من مدينة بيرات إلى إطلاق مبادرات لدعم الأسر والشباب، في نموذج للتعاون بين المؤسسات الدينية المختلفة لمعالجة قضايا اجتماعية مشتركة.
وتبرز أهمية التجربة الألبانية في توجه الحوار بين الأديان نحو مجالات عملية لخدمة المجتمع، ولا سيما القضايا المرتبطة بالأسرة والشباب.
وتكشف التقارير الأربعة عن تعدد مستويات التواصل؛ من الحوار الأكاديمي والديني في كوسوفا، إلى العلاقات بين مسلمي روسيا وأفريقيا، والتواصل الدبلوماسي في سريلانكا، والتعاون الاجتماعي بين الأديان في ألبانيا. ويجمع هذه المبادرات الاهتمام بتوظيف العلاقات المؤسسية والثقافية في توسيع مجالات التعارف والتعاون، مع اختلاف أهداف كل تجربة والأطراف المشاركة فيها.
المسار الرابع: ترسيخ التكافل والأسرة والمشاركة المجتمعية
وفي المسار الرابع، تبرز أربع مبادرات تركز على احتياجات الإنسان والأسرة، ودعم الفئات المحتاجة، وتعزيز مشاركة المسلمين في المجتمعات التي يعيشون فيها.
ففي كمبوديا، تناول تقرير مساهمة المسلمين في دعم علاج الأطفال، في مبادرة إنسانية تتجاوز حدود الانتماء الديني، وتقدم نموذجًا للتكافل القائم على مساعدة المحتاجين من مختلف فئات المجتمع.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من ارتباط العمل الإسلامي الخيري بالاحتياجات الإنسانية العامة، بما يعزز مشاركة المسلمين في المبادرات المجتمعية المشتركة.
وفي مقدونيا الشمالية، احتضنت العاصمة سكوبيا ملتقى لتعزيز استقرار الأسرة الألبانية، في سياق اهتمام المؤسسات المجتمعية بالقضايا الأسرية التي تتجاوز الحدود السياسية بين مناطق الوجود الألباني في غرب البلقان.
وتبرز أهمية هذه المبادرة في تشجيع التعاون بين المؤسسات المعنية بالأسرة، وتبادل الخبرات بشأن التحديات الاجتماعية والتربوية التي تواجه الأسر في بيئات مختلفة.
أما في سويسرا، فقد بحثت ألبانيات مسلمات في مدينة آربورغ تحديات التوفيق بين المسؤوليات الأسرية ومتطلبات العمل والمشاركة المجتمعية.
ويعكس هذا اللقاء الاهتمام بقضايا عملية ترتبط بحياة المرأة المسلمة في المجتمعات الأوروبية، والبحث عن سبل التوازن بين أدوارها الأسرية والمهنية والاجتماعية.
وفي بولندا، استضافت وارسو النسخة الـ9 من مؤتمر المهتدين الجدد، في مناسبة تناولت تجارب المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام، وما يرتبط بها من قضايا الهوية الدينية ومتطلبات الحياة في مجتمع متعدد الثقافات.
وتختلف هذه التجربة عن المبادرات الأسرية والخيرية، لكنها تتقاطع معها في الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمسلمين، وتعزيز التواصل والدعم داخل المجتمع المسلم.
وتكشف التقارير الأربعة عن اتساع مفهوم العمل المجتمعي الإسلامي؛ فهو لا يقتصر على تقديم المساعدات، بل يشمل دعم الأسرة، ومناقشة تحديات المرأة، ومساندة المهتدين الجدد في المحافظة على هويتهم الدينية وبناء علاقاتهم الاجتماعية.
المسار الخامس: حفظ التراث الإسلامي والذاكرة التاريخية
أما المسار الخامس، فيتناول خمس تجارب تهتم بتوثيق التاريخ الإسلامي وحفظ الذاكرة الحضارية، من خلال الدراسات الأكاديمية والجولات التراثية والمبادرات الثقافية والتعريف بالشخصيات والمؤسسات التي أسهمت في بناء المجتمعات المسلمة.
ففي سنغافورة، تناول تقرير جولة «الجذور والمسارات» التي عرّفت الأجيال الجديدة بتراث المسلمين الهنود الأوائل، وبالمساجد التاريخية والأوقاف التي تركوها، وما تمثله من إرث إسلامي مستمر.
وتبرز أهمية هذه التجربة في تقديم التراث الإسلامي من خلال المعالم والمؤسسات القائمة، بما يربط الأجيال الجديدة بتاريخ المسلمين وإسهاماتهم في بناء المجتمع السنغافوري.
وفي كوسوفا، تناول تقرير مؤتمر دولي يوثق دور المدارس الإسلامية في النهضة التعليمية، في مبادرة علمية تسلط الضوء على إسهام المؤسسات التعليمية الإسلامية في المحافظة على المعرفة والهوية الدينية عبر مراحل تاريخية مختلفة.
وتكشف هذه التجربة عن أهمية البحث الأكاديمي في توثيق تاريخ التعليم الإسلامي، وإبراز أثر المدارس والعلماء في تشكيل الحياة الفكرية والاجتماعية.
أما في ألبانيا، فقد استضاف معهد «كوناك» المفكر التركي رجب شنتورك لتقديم كتاب، ضمن مبادرات ثقافية تهتم بإثراء المكتبة الألبانية بالمؤلفات الفكرية المعاصرة وتوسيع التواصل العلمي.
وتضيف هذه التجربة بعدًا ثقافيًا إلى مسار حفظ الهوية، من خلال الاهتمام بالكتاب والنقاش الفكري، بوصفهما وسيلتين لتطوير المعرفة الإسلامية وإتاحتها لجمهور أوسع.
وفي تركيا، تناول تقرير إعلان استضافة إسطنبول أول ندوة علمية لدراسة سير شخصيات البلقان خلال أربعة قرون من التاريخ العثماني، بين عامي 1400 و1800، والمقرر تنظيمها يومي 11 و12 يونيو 2027.
وتبرز أهمية الندوة في توجهها إلى دراسة الشخصيات والمصادر التاريخية من زوايا علمية متعددة، بما يتيح توسيع المعرفة بتاريخ البلقان العثماني، بعيدًا عن الاقتصار على سرد الأحداث السياسية الكبرى.
وتظل الندوة حدثًا مقررًا للمستقبل، بما يستلزم التمييز بين أهدافها العلمية المعلنة والنتائج البحثية التي قد تسفر عنها بعد انعقادها.
وفي نيوزيلندا، استعاد تقرير قصة مهاجر ألباني من كوسوفا رهن منزله للمساهمة في بناء أول مسجد عام 1979، في نموذج يعكس تضحيات الجيل المؤسس للمؤسسات الإسلامية في بلاد الاغتراب.
وتتجاوز أهمية هذه القصة الجانب الشخصي، إذ توثق دور المهاجرين المسلمين في تأسيس المؤسسات التي أصبحت جزءًا من الحياة الدينية والاجتماعية للمجتمع المسلم في نيوزيلندا.
وتكشف التقارير الخمسة عن تنوع وسائل المحافظة على الذاكرة الإسلامية، من الجولات الميدانية وتوثيق تاريخ المدارس، إلى الكتاب والبحث الأكاديمي واستعادة سير الشخصيات المؤسسة.
كما توضح أن التراث الإسلامي لا يقتصر على المعالم التاريخية، بل يشمل الأوقاف والمؤسسات التعليمية والجهود الفردية والجماعية التي أسهمت في بناء المجتمعات المسلمة عبر الأجيال.
المسار السادس: مواجهة تحديات الحقوق والحريات ونقص الموارد الدينية
وفي المسار السادس، تتناول أربعة تقارير تحديات تواجه بعض المجتمعات المسلمة، تتعلق بأوضاع اللجوء وحماية دور العبادة وتوفير الكوادر الدينية اللازمة لاستمرار الخدمات الإسلامية.
ففي بنغلاديش، تناول تقرير بدء انتقال أسر من مسلمي الروهينجا إلى مساكن أكثر أمانًا، في ظل استمرار أزمة اللجوء دون حل نهائي.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في تحسين ظروف المعيشة وتقليل المخاطر المرتبطة بالمساكن غير الآمنة، دون أن تعالج بمفردها جذور أزمة اللجوء أو التحديات المتعلقة بمستقبل الروهينجا وحقوقهم.
وفي ماليزيا، تناول تقرير آخر استمرار أزمة الاستقرار القانوني التي يواجهها مسلمو الروهينجا رغم فرارهم من الاضطهاد في ميانمار، وما يرتبط بذلك من صعوبات في الإقامة والعمل والسكن.
وتكشف المقارنة بين التقريرين عن اختلاف طبيعة التحديات؛ ففي بنغلاديش تبرز الحاجة إلى تحسين المأوى وظروف الحياة داخل المخيمات، بينما تتقدم في ماليزيا قضايا الوضع القانوني والاستقرار المعيشي.
ويجمع الحالتين استمرار الحاجة إلى حلول تتجاوز التدخلات الجزئية، وتتناول الأوضاع القانونية والإنسانية التي تؤثر في مستقبل الأسر اللاجئة.
وفي الهند، تناول تقرير قرار هدم مسجد «ريس كورس» التاريخي بالقرب من مقر إقامة رئيس الوزراء في نيودلهي، في قضية تثير المخاوف بشأن حماية دور العبادة الإسلامية والتراث الديني وحقوق المصلين.
وتبرز أهمية هذه القضية في ارتباط المساجد التاريخية بالهوية الإسلامية والذاكرة المجتمعية، فضلًا عن الجوانب القانونية المتعلقة بملكيتها والمحافظة عليها.
أما في بلغاريا، فقد كشف مفتي منطقة سليفن أن 13 مسجدًا من أصل 24 مسجدًا في المنطقة بلا أئمة، في مؤشر على التحديات التي تواجه المؤسسات الإسلامية المحلية في توفير الكوادر الدينية.
ويعكس هذا النقص مشكلة تختلف عن النزاعات القانونية أو أوضاع اللاجئين، إذ ترتبط بقدرة المؤسسات الإسلامية على تأمين الموارد البشرية والمالية اللازمة لاستمرار خدماتها الدينية والتعليمية.
وتكشف التقارير الأربعة عن مستويات مختلفة من التحديات؛ فمنها ما يتعلق بحقوق اللاجئين واستقرارهم، ومنها ما يمس حماية المساجد، ومنها ما يرتبط بنقص الكوادر والموارد المؤسسية.
وتبرز أهمية هذه القضايا في توضيح أن جهود تطوير المؤسسات والمبادرات المجتمعية تتواصل بالتوازي مع مشكلات تحتاج إلى معالجات قانونية وإنسانية وإدارية.
****
ملامح مشتركة ودلالات متكاملة
تكشف القراءة المجمعة للتقارير الثلاثين عن صورة متعددة الجوانب لواقع المجتمعات المسلمة، تتجاور فيها جهود بناء المؤسسات وتطوير التعليم مع مبادرات التكافل والحوار، بينما تستمر تحديات الحقوق والحريات والموارد الدينية في عدد من البلدان.
ويبرز التعليم الإسلامي باعتباره مجالًا يجمع بين المحافظة على الهوية الدينية وإعداد الأجيال والقيادات، فيما تظهر الأوقاف والاقتصاد الحلال والشراكات المؤسسية بوصفها أدوات لدعم استمرارية المؤسسات وتطوير خدماتها.
كما يتضح أن التعاون بين المجتمعات والمؤسسات الإسلامية لا يقتصر على المجال الديني، بل يمتد إلى التعليم العالي والبحث العلمي والحوار بين الأديان والعمل الاجتماعي والإنساني.
وفي المقابل، تبرز تقارير الروهينجا والهند وبلغاريا تحديات تتعلق بالاستقرار القانوني وحماية المؤسسات الدينية وتوفير الموارد اللازمة لخدمة المسلمين، بما يؤكد أهمية رصد الاحتياجات القائمة إلى جانب المبادرات الإيجابية.
وتكشف التقارير كذلك عن اهتمام متواصل بالمحافظة على الذاكرة الإسلامية، من خلال المساجد التاريخية والأوقاف والدراسات الأكاديمية، وتوثيق إسهامات الأفراد والجاليات في تأسيس المؤسسات الإسلامية خارج بلدانهم الأصلية.
ولا تمثل هذه التقارير الثلاثون مسحًا شاملًا لأوضاع المسلمين في العالم، لكنها تقدم عينة صحفية متنوعة تسمح برصد أولويات مختلفة، والمقارنة بين مبادرات تحققت بالفعل، ومشروعات لا تزال في مراحل الإعداد، وتحديات تحتاج إلى حلول مستمرة.
ومن وارسو إلى مومباسا، ومن بانغسامورو إلى نيوزيلندا، ومن مساجد بلغاريا إلى مخيمات الروهينجا، تتضح أهمية النظر إلى المجتمعات المسلمة من خلال تنوع تجاربها واحتياجاتها، بعيدًا عن اختزال واقعها في الإنجازات أو الأزمات وحدها.
وهنا تتجلى رسالة سلسلة «الأمة اليوم» في الانتقال من عرض الأخبار المنفردة إلى تحليل العلاقات التي تجمعها، والكشف عن مسارات البناء والتطوير، ورصد التحديات القائمة، وتقديم صورة صحفية متوازنة عن جهود المجتمعات المسلمة في المحافظة على هويتها، وتطوير مؤسساتها، والمشاركة في خدمة الإنسان والمجتمع.
المصدر: أحدث 30 تقريرًا منشورًا على موقع «مسلمون حول العالم».