مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الشيخ “ما تشى شين”.. أحد رواد التعليم الإسلامي في الصين

سلسلة من: أعلام مسلمي الصين

سلسلة من: أعلام مسلمي الصين

الشيخ “ما تشى شين”.. أحد رواد التعليم الإسلامي في الصين

مسلمون حول العالم ـ متابعات ـ بتصرف

بقلم/ د.أسامة منصور ـ الأستاذ بجامعة القوميات بمدينة نينغشيا

مسيرة رائدة وسيرة عطرة لشخصية لم تتوقف عن رسالتها يومًا رغم الفترات العصيبة التي مرت على الإسلام والمسلمون في بلادهم..

فما هى قصة هذا “المعلم” الذي تخرج من تحت يديه طلاب سادوا في بلاد العالم الآن واصبحوا رموز وقدوات ونماذج رائعة لكل من حولهم..؟

ولد الشيخ “ما تشى شين” (1934-2012م)، في مدينة “لينشيا”، بمقاطعة “قانسو”، في شمال غرب الصين، في أسرة تتكون من ثمانية أفراد، الأب والأم وستة أطفال.

درس الشيخ والمعروف كذلك باسم ( بهاء الدين)، العلوم الدينية في المسجد، ثم تخرج واشتغل بالإمامة، وكانت له رؤية خاصة في قضية تطوير التعليم الإسلامي.

حملة شرسة “وعدم توقف”!

وبعد قيام الثورة الثقافية في الصين، تعرض الإسلام والمسلمون لحملة شرسة؛ فأغلقت المساجد وحُول بعضها لورش ومخازن، واقتيد الأئمة للعمل في الكميونات، وتعرضوا للإهانة والإذلال، وعلى الرغم من أنه لم يكن أحد يجرؤ على ممارسة التعليم الديني من أئمة الصين؛ إلا أن الشيخ “بهاء الدين” أخذ قراره بعدم التوقف والبدء في تعليم أبناء مسلمي الصين سرًا، واتخذ من بيته مدرسة أولية، وكانت هذه “الخطوة” تمثل مخاطرة كبيرة آنذاك.

وبعد انتهاء الثورة “الثقافية”، وكان الخوف مازال حاضرًا لدى أئمة مسلمي الصين من العودة لنشاطهم الديني مرة أخرى؛ أصر الشيخ بهاء الدين على مواصلة تعليم أبناء مسلمي الصين، وسط حالة من الاندهاش والتعجب ظللت أصحابه وأقرانه خوفًا عليه.

مدرسة صغيرة “تحولت لمعهد كبير”

وبالفعل، افتتح الشيخ “ما تشى شين”، مدرسته الدينية في بيته، وبدأها بأربعة طلاب، ثم زاد هذا العدد رويدًا رويدًا، وعندما شاهد المسلمون في مدينة “لينشيا”، إصراره على الإستمرار في تعليم أبنائهم وحماستهم الشديدة لمواصلة مشروعه التعليمي؛ قرروا أخيرًا شراء قطعة الأرض وبنوا عليها مدرسة صغيرة تشتمل على عدد من الفصول التعليمية، بالإضافة لغرف مبيت للطلاب وحمام صغير، وتولى الشيخ إدارة هذه المدرسة الصغيرة، وكانت البداية لمشروعه التعليمي الواسع والكبير.

التعليم بـ”القدوة العملية”

لم يضع الشيخ “بهاء الدين”، قواعد أو قوانين لإدارة المدرسة، وإنما جعل سلوكه وأفعاله هي القواعد التي يسير عليها الطلاب، فكان يعمل في وقت فراغه سائقًا لشاحنة، ثم يعود سريعًا في موعد الدرس ليلقى الدروس على الطلاب، وكان يكفل طلابه بنفسه، فكان وقت الطعام يوزع عليهم الخبز وبعد الانتهاء يقوم بجمع ما بقى من فتات الخبز ويضعه في اللبن ويأكله، وعندا شاهده الطلاب؛ قرروا تقسيم الخبز لكسرات؛ فيأكلون قدر حاجتهم، ويدخرون الباقي للوجبة التالية.

وكان الطلاب يستيقظون من نومهم في الليالي الباردة فيجدون الشيخ قد أعد لهم الماء الدافئ للوضوء، ويرونه وهو يمسح المقاعد وينظف دورة المياه بنفسه؛ فيسارعون لإراحته ويقسمون العمل على بعضهم البعض.

تطوير المشروع التعليمي

ومع ازدياد أعداد الطلاب وتوسع مشروعه التعليمي؛ قام الشيخ بتطوير مدرسته الصغيرة حتى غدت معهدًا دينيًا إسلاميًا كبيرًا، حيث بلغت مساحته أكثر من عشرة آلاف متر مربع، وانتشر طلابه في الآفاق بعدما أصبحوا أساتذة ومدراء في كبرى الجامعات في الصين؛ بل وفي دول شرق آسيا المجاورة، إضافةً لكثير من دول العالم الأخرى.

لقد سمعت قصة الشيخ بهاء الدين منذ بداية دراستي للدكتوراه، وتمنيت أن ألتقيه، ولما هيأ الله الظروف سافرت أثناء دراستي للدكتوراه للصين عام 2009؛ فحرصت على لقاء الشيخ.

وبالفعل، أخذت القطار من بكين إلى مقاطعة “قانسو”، بشمال غرب الصين، لمسافة زمنية تصل لنحو 22 ساعة متواصلة. ثم أخذنا السيارة لمدة ثلاث ساعات من “لانجو”، عاصمة المقاطعة إلى مدينة “لينشيا”، مسقط رأس الشيخ.

استقبلني الشيخ الجليل بترحاب وحفاوة وأمضيت اليوم كله معه ومع طلابه، دعاني لطعام الغداء، وكان ودودًا مبتسمًا متواضعًا.

وبعدها هذا اللقاء بثلاث سنوات؛ علمت بنبأ وفاة الشيخ “ما تشى شين”، عام 2012، وكان خبرًا محزنًا لي ولطلابه ولكل من عرفه. ولم أجد ما أقدمه لهذا الشيخ الجليل إلا الدعاء، وكتابة مقال للتعريف بسيرته ومسيرته.

لقد صنع الشيخ “بهاء الدين” ـ بإخلاصه وتفانيه ـ جيلًا رأئعًا من الطلاب الذين حملوا دعوة أستاذهم و سيرته العطرة لينقلوها للأجيال القادمة من أبناء مسلمي الصين.

رحم الله الشيخ بهاء الدين ما تشى شين، وأسكنه فسيح الجنان.

التخطي إلى شريط الأدوات