مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

توقف التصريحات ضد الحجاب في روسيا مرهون باستكمال حقوقنا السياسية

حوار مع الناشطة الروسية "ليليا محمدياروفا"

( 4 ) حوار روسيا الأول ـ 2013م

 

“ما دام المسلمون لا يحصلون على صوتهم السياسي كاملًا في روسيا، وما دام لم يظهر في روسيا زعماء روحيون حقيقيون وقيادات في المجتمع أصحاب مصداقية؛ فإن مثل هذه التصريحات سوف تتكرر مرات عديدة”.

 

أدار الحوار/ هاني صلاح
بهذه الكلمات توقّعت ليليا محمدياروفا؛ الناشطة الروسية في المجالين الإعلامي والإنساني، استمرار تكرار الحملات الرسمية على حجاب المرأة المسلمة في روسيا، لحين استكمال مسلمي روسيا نيل حقوقهم السياسية، وظهور قيادات دينية ومجتمعية ذات مصداقية تدافع عن المسلمين، وفي مقدمتهم المرأة المسلمة.
ولفتت الصحفية “ليليا” – التي عملت في العديد من الجرائد والمجلات الروسية قبل أن تؤسس أول مؤسسة إنسانية إسلامية روسية على مستوًى عال من الدقة وتتفرغ لها – إلى أن تصريح بوتين بأن الحجاب ليس من تقاليدنا “لم يفاجئ فقط المسلمين، لكن المسيحيين كذلك، الذين عبروا عن استغرابهم الشديد من ذلك؛ فغطاء الرأس هو جزء لا يتجزَّأ من خزانة ثياب المرأة الروسية، على عكس مثيلاتها في أوروبا”.
جاء ذلك في سياق حوار: (مسلمات روسيا بين تحديات الحاضر وتطلعات المستقبل)، وهو الحوار الأول عن روسيا، والرابع في سلسلة “حوارات الأقليات المسلمة على الفيسبوك”، والتي تأتي في سياق برنامج للتعريف بواقع الإسلام والمسلمين حول العالم.
وكان الحدث الأبرز في الحوار هو: قرار الحكومة الروسية منع الحجاب داخل المدارس.
وقد أُجري الحوار على الفيسبوك خلال شهر يونيو 2013م.
وإلى الحوار..

 

المشاركة الأولى.. من: شادي الأيوبي؛ مراسل الجزيرة.نت في أثينا ومدير موقع “الإسلام باليونانية”، سؤال رقم (1):
1 ـ ما أُفق تعامل المسلمين مع السلطات الروسية في ظل الحملة التي أطلقها بوتين مؤخرًا على المسلمين بحجة الإرهاب؟
بالنسبة للأُفق والتوقُّعات فلا تزال نفسها، وهي أنه ما دام المسلمون لا يحصلون على صوتهم السياسي كاملًا في روسيا، وما دام لم يظهر في روسيا زعماء روحيون حقيقيون وقيادات في المجتمع أصحاب مصداقية؛ فإن مثل هذه التصريحات سوف تتكرر مرات عديدة.
إن بيان بوتين حول الحجاب لم يأت في إطار مكافحة الإرهاب، ولكن في إطار تفاقم العلاقات بين القوميات في جنوب روسيا، خصوصًا في منطقة القوقاز؛ حيث يعيش المسلمون جنبًا إلى جنب مع المسيحيين، وحيث المسلمون يعلنون عن هويتهم أكثر فأكثر، ويفرضون أنفسهم على نحو متزايد.
وهنا أحب أن ألفت عنايتكم بشأن تصريح الرئيس أن الحجاب ليس من تقاليدنا، أنه لم يفاجئ فقط المسلمين، ولكن المسيحيين كذلك، الذين عبروا عن استغرابهم الشديد من ذلك؛ فغطاء الرأس هو جزء لا يتجزأ من خزانة ثياب المرأة الروسية، على عكس مثيلاتها في أوروبا، بل لدينا بطلة أحد أكثر الرسوم المتحركة الروسية المعاصرة شعبية لدى الأطفال “ماشا والدب”؛ تلبس فيه الفتاة “ماشا” غطاء الرأس (الحجاب الشعبي الروسي).
أعتقد أننا يجب أن نتعامل مع تصريحات الرئيس بنوع من السخرية أو المفارقة العجيبة، فنحن قادمون في القريب العاجل – في الأيام الأولى من شهر رمضان – للوقوف أمام المحكمة العليا التي ستُصدر قرارها حول هل يمكن ارتداء الحجاب في المدارس أم لا؟ أصحاب القضية في المحكمة هن تلميذات مدرسة “ستافروبول” وأولياء أمورهن. أما تصريح بوتين، فيجب النظر إليه كتعبير عن مستوى الجهل الذي يحظى به مستشاروه.

 

المشاركة الثانية.. من: وسام كمال؛ صحفية وباحثة مصرية، سؤال رقم (2):
2 ـ ما موقف مسلمي روسيا من دعم الحكومة الروسية لبشار الأسد؟
المسلمون في روسيا معظمهم من أهل السنة (أكثر من 90%)، وهم ينظرون بنظرة سلبية جدًّا لمسألة الدعم الذي يتلقاه نظام الأسد في سوريا من قبل سلطات الاتحاد الروسي.
وهذا الشعور الرافض يبدو واضحًا خاصة بين مسلمي القوقاز في الداغستان والشيشان وإنغوشيا؛ حيث يوجد عدد كبير من الشباب الذين درسوا في المؤسسات الإسلامية بدمشق، وسوريا بالنسبة للعديدين منهم منزلهم الثاني.
بالنسبة لمسلمي روسيا، فإنها حرب حقيقية ضد الدكتاتورية، وحرب ضد طاغية، وكذلك حرب طائفية. حتى عندما يتحدث وزير الخارجية الروسية حول ضرورة الحوار بين المعارضة والحكومة السورية، فقليل من المسلمين من يعتقد في أن هذا الحوار هو مسعًى نبيل، ذلك أن المسلمين في روسيا يشعرون في غالب الأحيان كأنهم غرباء في وطنهم.

 

المشاركة الثالثة.. من: خالد الأصور؛ باحث مصري بالهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية في مصر، وباحث في شئون الأقليات المسلمة في أوروبا، وصدر له كتاب عن الأقليات المسلمة في أوروبا،..

3 ـ في روسيا حوالي20 مليون مسلم، بينهم نحو مليون في العاصمة موسكو.. والسؤال: هل هناك كوادر مدربة من الدعاة والأئمة الروس أو من العالم العربي تتوازى مع هذا العدد الكبير الذي يقترب من عدد مواطني كل الدول الخليجية الست؟
إن العدد ليس دائمًا دليلًا على الجودة؛ فقد حذّر نبينا – صلى الله عليه وسلم – من أنه سيأتي زمان على المسلمين يكونون فيه مثل زبد البحر، فعندما يتحدث الخبراء عن 20 مليون مسلم في روسيا، فإنهم يشيرون بذلك إلى جميع الشعوب المسلمة داخل الاتحاد الروسي، ولكن – على سبيل المثال – نجد أن التتار والبشكيريين ليسوا كلهم متدينين، فمعظمهم لا يؤدون الصلوات الخمس اليومية، ويعتبرون الإسلام دينًا ليس معاصرًا، ولا يتماشى مع العصر الحاضر. إنها مخلفات النظام الإلحادي السوفيتي. بطبيعة الحال، الشباب الذين يتوافدون اليوم على الجامعات الإسلامية في البلدان العربية وغيرها يعتقدون خلاف ذلك.
ومع ذلك، فإن روسيا تفتقر إلى الدعاة، فعددهم قليل جدًّا؛ ففي كل روسيا يوجد لدينا دكتور واحد فقط في العلوم الشرعية من بين 20 مليون نسمة.
أيضًا بسبب تشديد السلطات سياستها الداخلية والخارجية، ونمو الإسلاموفوبيا في روسيا، فلا يوجد على الإطلاق دعاة من الدول العربية. هناك عدد قليل من المساجد في العاصمة موسكو، وتقريبًا لا توجد مراكز ثقافية إسلامية. وعلى الأرجح فإن الوضع سيتغير قريبًا؛ ذلك أننا نشهد في الوقت الحاضر بداية الانتعاش داخل المجتمع الإسلامي في روسيا.

 

المشاركة الرابعة.. من: هاني صلاح؛ منسّق الحوار وصحفي مختص بشئون الأقليات المسلمة، سؤال رقم (4):
4 ـ ما مدى تمتع “مسلمات روسيا” بالحقوق والحريات المدنية والدينية مقارنةً بكافة نساء روسيا من مختلف الأديان؟ هل هناك تحديات في هذا الشأن؟ وكيف يمكن معالجتها؟
بالتأكيد القانون الأساسي للاتحاد الروسي هو الدستور الذي يضمن حقوق المسلمين كاملة على قدم المساواة مع الآخرين، لكننا اليوم نواجه حقيقة أن المسلمين، خاصة النساء اللواتي يرتدين الحجاب، بدءوا يدركون أنهم يُعاملون كأجانب في روسيا، على الرغم من أن أسلافنا عاشوا هنا منذ قرون.
في روسيا تعيش أكثر من 30 قومية عرقية أصلية ارتبطت تاريخيًّا بالإسلام، ولكن – للأسف – قليل جدًّا من يفكر بذلك! ذلك أنه في الفترة السوفيتية تشكّل فراغٌ أيديولوجي، والصداقة بين الشعوب التي كان التبشيرُ بها في الاتحاد السوفيتي سُحبت من الكتب المدرسية، ولم يتم ملء هذا الفراغ بأي فكرة توحيدية.
نحن اليوم نواجه نمو كراهية الأجانب والخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا)، والتي يمكن أن تكون سمة لأوروبا حاليًّا؛ حيث المسلمون أقليات مهاجرة، ولكن هذا يعتبر غريبًا جدًّا بالنسبة لروسيا؛ حيث المسلمون هم من السكان الأصليين.
ونتيجة لذلك أصبح كل سياسي في التلفزيون الحكومي يعلن بجرأة أن روسيا مهددة بأسلمة السكان، بل أصبح هذا نوعًا من يمين الولاء للتعبير عن حب الوطن.
في المقابل، لا يمكن لأي سياسي أن يتحدث عن تهويد وسائل الإعلام والفضاء الإعلامي عامة؛ لأنه يخاف من نعته بالمعادي للسامية، ما يعني نهاية مستقبله السياسي، بل حياته السياسية.
على هذه الخلفية، يصبح من الطبيعي أن تُحرم الفتيات والطالبات من حقهن في الحضور إلى المدرسة والجامعات بحجابهن، وترفض سلطات الجامعات فتح غرف للصلاة في المؤسسات التعليمية، على الرغم من أن العديد من الجامعات يوجد فيها دير أو كنيس، والرئيس يصرح بأن الحجاب ليس من تقاليدنا.
هناك أشياء غير واضحة؛ حيث من الصعب تحديد انتهاك حقوق المسلمات فيها، ولكن من المؤكد أن هناك تقييدًا للحقوق. على سبيل المثال، في موسكو توجد 4 مساجد فقط، وهي ممتلئة تمامًا بالرجال، ولا تستطيع النساء التواجد هناك. لا توجد مراكز تعليمية إسلامية مخصصة للنساء، فأين يمكنهن الحصول على تعليم لائق؟ ومتى يكون لهن فضاء للتواصل؟
لقد افتتحنا – مؤخرًا – مشروعًا جديدًا، وهو مركز “المدينة” لتعليم المرأة، ولكنه قطرة في بحر الملايين الذين يعيشون في موسكو. لا يوجد لدينا رياض للأطفال ولا مدارس لأطفال المسلمين؛ نظرًا لأن الأشخاص الذين يحققون نجاحًا واضحًا في المجتمع يحاولون أن ينأوا بأنفسهم عن كل ما هو إسلامي.
الأمة تفتقر إلى القيادات الروحية، بل إلى غيرهم كذلك؛ فرجال الأعمال المسلمون المشهورون، والسياسيون منهم، يخافون من فقدان أموالهم؛ لذلك لا يُظهرون أي صلة لهم بالإسلام، فهو بالنسبة لهم شيء زائد لا قيمة له في حياتهم الخاصة.
ومع ذلك، فإن المسلمين في روسيا يحاولون حل مشاكلهم بطرق مختلفة، هناك الطريق القانوني، ففي المحكمة العليا سيُنظر في قضية منع الحجاب في مدارس “ستافروبول”، حيث قدّم الدعوى أولياء التلميذات اللاتي مُنعِنَ من لبس الحجاب، ولكن التحدي الرئيسي في روسيا، كما هو الحال في أماكن أخرى، هو إعادة التأهيل لكلمة الإسلام نفسها التي ترتبط في ذهن الجمهور بالتطرف.

 

المشاركة الخامسة.. من: شهيرة مهران؛ صحفية بموقع “أون إسلام الإنجليزي”، وتتضمن خمسة أسئلة (أرقام: 5 – 10):
السلام عليكم، وشكر خاص موجه من موقع “أون إسلام” للدكتور رياض الذي قام بدور مشكور في ترجمة الحوار، كما نرحب بضيفة الحوار على صفحات “أون إسلام”، ونؤكد على اهتمامنا الكبير بقضايا مسلمي روسيا إجمالًا.
5 ـ ما مدى الحرية التي يسمح بها القانون الروسي في مناقشة قضية الحجاب؟ هل يمكنك ذكر مؤسسات إسلامية معترف بها من قبل الحكومة الروسية تتبنى تلك القضايا، مع إلقاء الضوء على الدور الذي تلعبه تلك المؤسسات تفصيليًّا؟
هناك مناقشة نشطة جدًّا ومستمرة منذ أكثر من ستة أشهر في وسائل الإعلام، وعلى شاشات التلفزيون وفي المجتمع، نتيجة لحظر الحجاب في المدارس بـ”ستافروبول”.
من ناحية أخرى، فإن وسائل الإعلام والتلفزيون في غالب هذه المناقشات معادون للإسلام، وضد التلميذات الدارسات في مدرسة “ستافروبول”. هناك آلة دعاية كاملة تعمل في هذا التوجه، ونظرة المجتمع للمسلمين في غالبها أسطورية للغاية، ومبنية على ما ترسمه وسائل الإعلام.
أي أن صوت المسلمين يبدو ضعيفًا جدًّا، وتعاطف المجتمع من الواضح أنه ليس في صالحهم، بل يمكنني أن أقول أكثر من ذلك: إن المجتمع المسلم في روسيا مرتبك، ومحاولاته غير المنظمة للدفاع عن نفسه تعمل – للأسف – أكثر لتشويه سمعته في المجتمع الروسي.
أما بالنسبة للسؤال المحدد حول حماية حقنا في لبس الحجاب، فإن حملة حماية حقوق التلميذات في “ستافروبول” بدأتها منظمتنا، ولا أعني بذلك مؤسستنا الخيرية “التضامن”، ولكن الناس الذين يعملون فيها. لقد بدأنا حملة لجمع التوقيعات على عريضة موجهة لرئيس الاتحاد الروسي ووزارة التربية والتعليم، وقمنا بتنظيم مسابقة للزي المدرسي بين مصممي الملابس المسلمين وأرسلناها إلى حكومة إقليم “ستافروبول” التي حظرت الحجاب في المدارس.
ثم قام بالدفاع عن حقوق التلميذات محامون مشهورون جدًّا في روسيا، ويقدم لهم المساعدة والتنسيق في هذه القضية أناسٌ من مؤسسة “التضامن”، واليوم القضية معروضة أمام المحكمة العليا للاتحاد الروسي.

6 ـ كمسلمة محجبة، هل صادفك أي أماكن لا تقبل الممارسات الدينية أو الحوار المتبادل بين الأديان؟ هل ترفض أماكن معينة تواجد المحجبات بها بالذات، مثلًا في دول عربية كمصر، كان يوجد في عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك نوادي قضاة لا تقبل دخول المنتقبات، هل يوجد مثل هذا هنا حتى قبل سن القانون؟
في الوقت الحاضر، لا توجد في روسيا قوانين تمنع المحجبات من التواجد في أماكن بعينها، ولكن يمكن أن يحصل ذلك في المستقبل، إذا أخذنا في الاعتبار منع الحجاب في المدارس، كما أن المسلمات المحجبات يتعرضن لتفتيش دقيق جدًّا عند المرور.

7ـ هل تحارب الهيئات الصوفية هذه الظاهرة؟ وما هي تلك الهيئات؟
في الجمهوريات الإسلامية – كالداغستان والشيشان – تسيطر على العمل الإسلامي الجماعات الصوفية، وهي الأكثر ولاءً للسلطة. هذه حقيقة، ولكن في الداغستان والشيشان تقف هذه الدوائر الرسمية مساندة للحجاب والدفاع عنه. في الشيشان هذه المسألة نجدها على المستوى الحكومي، حيث يطلبون من المرأة ارتداء الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة.
من ناحية أخرى، فإن السلطات الاتحادية تحاول غض النظر عن مثل هذه التوجيهات التي يعطيها رمضان قديروف؛ رئيس الجمهورية، والمتعلقة بالارتداء الإلزامي للحجاب، في حين نجد في منطقة “ستافروبول” المجاورة لإقليم الشيشان حظرًا للحجاب؛ لذلك يعتقد المسلمون أن هناك منطقتين يمكن فيهما التمتع بجميع حقوقهم الدينية، وأما في بقية مناطق روسيا، فسوف تهيمن ديانة أخرى.

 

8ـ كصحفية وناشطة سياسية مسلمة تقيم في مجتمع يحارب الإسلام والمسلمين، ما هي العقبات التي تواجهينها في روسيا، وبالأخص موسكو؟
بالنسبة لي، فالحمد لله لم أتعرض لأية مضايقات ولا عقبات، ولكن توجد مشاكل لبعض الأخوات في الحصول على عمل جيد بسبب الحجاب، ولكن ليس ظاهرة عامة، فهي مسألة شخصية، أو غالبًا ما تكون.
بالنسبة لعملي كصحفية، فقد كنت أتعرّض لنوع من الحَجْر الصحفي، فقد كانت مقالاتي وتحقيقاتي الصحفية من جمهوريات شمال القوقاز لا تنشر في وسائل الإعلام التابعة للعاصمة.
وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفعني إلى التوجه نـحو العمل الاجتماعي الإنساني الإسلامي، والحمد لله على ذلك.

9 ـ نحن علمنا أنك تعملين في المجال الإنساني، فهل يمكن أن تحدثينا عن بداية المشوار: وكيف ظهرت هذه الفكرة لديك؟ وما النجاحات التي حققتها والمشاريع المستقبلية، وفكرة عن المشاكل التي تعترض عملكم؟
الحمد لله، فإن مؤسستنا ظهرت على السطح بعد عمل تطوعي تواصَل لسنوات في مستشفيات السرطان التابعة لموسكو، فقد أصبح الكثير من الآباء والأمهات يتوجهون إلينا لتقديم العون للأطفال المرضى، وغالبيتهم كانوا من الأطفال المرضى بسرطان الدم من جمهوريات شمال القوقاز حينما حدثت الحروب الأخيرة.
هكذا ظهرت الحاجة إلى إنشاء صندوق للعمل الإنساني، وخلال 4 سنوات تمكنَّا من بناء نظام للمساعدة العاجلة للأطفال المصابين بأمراض خطيرة من الأسر الفقيرة والأيتام وكبار السن في الجمهوريات الإسلامية التابعة للاتحاد الروسي: الشيشان، وإنغوشيا، وداغستان، وكاباردينو بلكاريا، وتتارستان، وبشكيريا، ومناطق أخرى من روسيا.
نحن لا ننظر إلى الجنسية أو المذهب، ولكننا نستهدف إشراك أكبر عدد من المسلمين في روسيا للعمل الخيري.
من جهةٍ أخرى، فقد نظمت مؤسستنا أول وفد روسي زار غزة المحاصرة، وهو ما ذكره لنا شخصيًّا رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية.
كذلك كنا أوائل المبادرين من بين المنظمات الإسلامية لنكون مثالًا يحتذى في الشفافية في جمع وتوزيع الزكاة والصدقات، حيث نقوم بتقديم تقرير مفصل أمام المجتمع على موقعنا، ويجد فيه المواطن كل فلس تم تقديمه للمشروعات.
المشكلة الوحيدة التي لا تزال تعيق تقدم عملنا هي أن رجال الأعمال المسلمين ليسوا على استعداد لدعم مؤسستنا علنًا، فهم يخافون من ربط أنفسهم بأي شيء له اتصال بالإسلام والمنظمات الإسلامية، ولذلك يتبرعون في الخفاء، وهو ما يعيق تحقيق مزيد من التقدم وتنمية مؤسستنا.

10 ـ ما أفضل طريق لفرض المجتمع المسلم نفسه على المجتمع الروسي بدون عداء أو مشاحنة من الطرفين؟
المسلمون في روسيا لديهم اليوم مشكلة تتعلق بانغلاقهم الكامل على مشاكلهم، ولا يشعرون بمشاكل الآخرين من حولهم.
المجتمع المسلم في روسيا هو في الأساس مجتمع منغلق، وليس مندمجًا في المجتمع عامة، ليس فقط جسديًّا، بل بالمعنى العقلي كذلك.
المسلمون في كثير من الأحيان لا يشعرون بأنهم جزء من هذا البلد. كما أن المسلمين في روسيا يعانون من مشاكل ومتاعب متعددة بما فيه الكفاية.
ولكن إذا نظرنا فسنجد أن نفس هذه المتاعب والمشاكل تعيشها مجتمعات الديانات الأخرى والشعوب الإثنية، من بينها الاعتقالات غير القانونية، وتقييد الحقوق وحرية الاعتقاد وغيرها.
في رأيي، يجب على المسلمين دراسة ليس فقط تاريخ الإسلام، ولكن أيضًا تاريخ المسيحية الأرثوذكسية، هذه الديانة التي تعيش جنبًا إلى جنب لقرون معنا. كل الأدب الروسي الكلاسيكي مشرب بالمسيحية، ويحمل هذا الأدب في طيَّاته المعاني الدينية والأفكار العظيمة. ولكنَّ المسلمين اليوم لا يعرفون عن ذلك شيئًا، فكيف يمكننا أن ننقل أفكارنا إلى أناس لا نهتمّ بهم، ولا نريد أن نعرف عنهم شيئًا؟

 

المشاركة السادسة.. من: محمد سرحان؛ صحفي بموقع “علامات أونلاين”، وتتضمن ثلاثة أسئلة (أرقام: 11 – 13):
11 ـ رأى المفكر الإسلامي المصري المعروف الدكتور محمد عمارة، أن الإحصائيات السكانية في روسيا الاتحادية تشير إلى أن المسلمين سيحكمونها عام 2050 كما حكمها التتار من قبل، فما رأيكم في ذلك؟ وما نسبة عدد المسلمين في روسيا؟
نعم، أنا على علم بهذه الأرقام، وكما قال أديبنا الروسي نيكولاي نيكراسوف: “للأسف ليس مكتوبًا لك ولا لي أن نعيش في تلك الحقبة الزمنية الرائعة”. ربما سيكون عدد المسلمين هكذا بالفعل، فالزحف الهائل للمسلمين من آسيا الوسطى، والكثافة السكانية المرتفعة لهم في الولايات في شمال القوقاز حقيقة واضحة للعيان اليوم.
أما عن آفاق قيادة الدولة، فهذا – مع الأسف – ليس له أي معطيات حقيقية على الأرض. اليوم نحن بحاجة الى إعادة تأهيل كلمة الإسلام التي ارتبطت في أذهان الروس – وبقوة – بالراديكالية، وليس بالنجاحات والمواهب، أو بالرومانسية العالية للشعوب المسلمة.

12 ـ كيف تواجهون دعاة الإسلاموفوبيا؟ وهل هناك برامج واضحة لإظهار صورة الإسلام السمحة؟
بحسب معرفتي الشخصية، فلا توجد برامج متخصصة لهذا النوع من المواجهة. هناك محاولات فردية لمؤسسات معينة تعمل جاهدة من أجل تغيير الفكرة النمطية عن الإسلام.
فمثلًا كل سنة، وخلال الاحتفال بعيد الأضحى، تتحدث وسائل الإعلام عن المسلمين “البرابرة” الذين يقومون بذبح الخرفان المساكين في شوارع موسكو، وكل سنة تعيش كل روسيا تقريبًا أيام خوف وحزن على مصير تلك الخرفان. نحن في المقابل قمنا بتوزيع منشورات بيَّنَّا فيها أي أجزاء من الخروف تذهب إلى الأيتام، وأي أجزاء تُسلم إلى دور العجزة والأطفال المرضى … إلخ. لقد قمنا بتوزيع هذه الورقات في أحد أكبر الأسواق في العاصمة الروسية.
من جهة أخرى، قمنا بتجهيز فيديوهات تتحدث عن تاريخ المسلمين في روسيا، ونقوم بنشرها عبر اليوتيوب. نشاط الصندوق الخيري الذي أترأسه (مع وجود عدد كبير من المتطوعين عبر روسيا ككلٍّ) هو نوع من العمل لإظهار الإسلام في وجهه غير المألوف، ولكن نحن لا نزال نتعلم كيفية إظهار الوجه المشرق لهذا الدين.

13 ـ ما هو الوضع الاجتماعي والاقتصادي للقوميات الإسلامية في روسيا؟
وضع المسلمين في روسيا يختلف اختلافًا جذريًّا من مكان إلى آخر؛ فمثلًا جمهورية تتارستان تعتبر واحدة من أكثر الجمهوريات نجاحًا من الناحية الاقتصادية، فهي منطقة متقدمة جدًّا، ومستوى معيشة سكانها مرتفع مقارنة بغيرهم، في حين نجد جمهورية إنغوشيا في شمال القوقاز من أفقر الجمهوريات.
وبصفة عامة، فإن جميع جمهوريات شمال القوقاز تعيش في نفس المستوى تقريبًا، فالتطور فيها ضعيف، والبطالة مرتفعة، والبنية التحتية الاجتماعية غير متطورة، بالإضافة إلى المجال الصحي الضعيف، مع وجود نسبة فساد مرتفعة.
ولكن من الجهة المقابلة المتضاربة مع ما ذكرنا، فإن القائمة الروسية بمجلة “فوربوس” تحتوي على تنافس بين أصحاب المليارات من المسلمين واليهود، والروس في هذه القوائم قليلون، فبين رجال الأعمال القوقازيين نجد رجال المال وأصحاب البنوك وعدد كبير منهم من أصحاب المليارات، ولكنهم بعيدون جدًّا عن الشعوب. الفرق بين طبقات الفقراء والأغنياء كبير جدًّا بالرغم من أن تتارستان أظهرت تجربة فريدة في الأخذ بعين الاعتبار مصلحة جميع طبقات المجتمع، فمستوى الفساد فيها ضعيف نوعًا ما، وهناك اهتمام حقيقي بالمواطن العادي فيها.

 

المشاركة السابعة.. من: هاني صلاح؛ منسق الحوار وصحفي مختص بشئون الأقليات المسلمة، وتتضمن سؤالين متعلقين بشهر رمضان (أرقام 14 – 15):
14 ـ كيف تستقبل الأسرة المسلمة شهر رمضان في روسيا؟
يعتبر رمضان في الصيف بالنسبة لمسلمي موسكو امتحانًا صعبًا؛ فالصيام يتواصل لعشرين ساعة متصلة، ولكنه – من ناحية أخرى – رحمة الله، فنحن نمر بامتحان حقيقي عن الصبر في فترة التواصل مع الله تعالى.
بالنسبة لأسرتي، فنحن نكون على رأس عملنا؛ فأنا أترأس مؤسسة إنسانية، ورمضان شهر ساخن بالنسبة لنا؛ ففيه نقوم بمجموعة من المشاريع لمساعدة الأيتام والأطفال المرضى والمحتاجين. إنه الشهر الذي يُقبل فيه الجميع كبارًا وصغارًا على تقديم الدعم، ويفتحون الأيدي بالخير.
في بعض الأحيان، نضطر إلى تفويت صلاة التراويح في المساجد، وذلك بسبب العمل المتأخر مع الصائمين والمحتاجين، ولكن السعادة التي نشعر بها جراء هذا العمل الخيري لا تقدر بثمن.

15- ما أهم ما يميز شهر رمضان في روسيا عن رمضان في بقية دول العالم؟
في اعتقادي أن ما يميز المسلمين في روسيا في فترة رمضان مقارنة بغيرهم من إخوانهم في الدول الأخرى، هي أننا لسنا في دولة مسلمة، وأن ظروف الصيام أصعب بكثير مما نراه في الدول العربية.
مثلًا بالنسبة للنساء يصعب عليهن الحضور اليومي للتراويح؛ أولًا: بسبب قلة المساجد، وثانيًا: المسافة البعيدة التي تفصل بين البيت وأقرب مسجد، بل بعض هذه المساجد بعيدة عن السكن بمسافة كبيرة جدًّا.
ولكننا كمسلمين في هذا الشهر نريد أن نكون قدوات في أعين من يحيطون بنا، بل الكثير من غير المسلمين يتعجبون من قدرة المسلمين على التحمل والصبر الذي يتحلّون به في ذلك الشهر، وهذا – بصفة أو بأخرى – يعطي دفعة قوية للمسلمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** شكر خاص للزميل والصديق الإعلامي “الدكتور رياض مصطفى”؛ لقيامه بدور التنسيق والترجمة لهذا الحوار الهام من اللغة العربية إلى الروسية ثم العربية.