مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

رمضان ألبانيا.. “حرمان الماضي” يجلب “سعادة الحاضر”

كان الألبان يتسحرون في الظلام خوفاً من الشرطة السرية خلال الحقبة الشيوعية

وما زال مسلمو ألبانيا يحمدون الله تعالى على نعمة “الصوم في حرية”

بعد نحو ربع قرن من سقوط الشيوعية التي حرمتهم من “فرحة الصيام”؛ مازال مسلمو ألبانيا يعيشون أجواء سعادة غامرة كلما حل عليهم شهر رمضان، وفي كل عام يتذكرون قصة من قصص معاناتهم خلال الحقبة الشيوعية التي حكمت البلاد نحو نصف قرن منعتهم خلالها بكافة الوسائل من الصوم والصلاة وكافة مظاهر التدين والإسلام.

وسخر النظام الألباني الشيوعي كافة امكانياته وأدواته لمحو قدسية الصوم من نفوس مسلمي ألبانيا، وصلت لحد السجن واستخدام الأدب والفن وتأليف الكتب لمحاربة الصوم وتقليل أهميته لدى مسلمي البلاد.

فقد وصل الأمر بالنظام الشيوعي الألباني، الذي حكم البلاد بالحديد والنار بشكل فاق كافة الأنظمة الشيوعية الأخرى في شرق القارة الأوروبية ، في الفترة من 1945 إلى 1990 إلى إصدار مرسوم رسمي بقانون جرم فيه الأديان وهو ما لم تفعله موسكو عاصمة الإلحاد الشيوعي في العالم في ذلك الوقت.

وسمح هذا القانون الذي صدر في عام 1967م بهدم الغالبية العظمى من جوامع البلد المسلم الوحيد في أوروبا بغالبية سكانه المسلمين، ومنع كافة مظاهر التدين ومن بينها الصلاة والصيام حتى في البيوت؛ حيث كانت الشرطة السرية تتعقب كل من تشعر بأنه يؤدي الصلاة ويحافظ على الصيام داخل بيته سراً؛ فكانت تدخل عليهم البيوت وتطعمهم جهراً في نهار أيام رمضان.

كما كانت الشرطة السرية الألبانية تتعقب في فترات السحور كافة البيوت التي تضىء أنوارها؛ فتصعد إليها للقبض على سكانها بتهمة تناول وجبة السحور؛ مما دفع مسلمي البلاد ممن حافظ على هويتهم إلى تناول سحوره في ظلام دامس حتى لا “يفتضح” أمره ويزج به في السجون.

أما عن الدعاة والعلماء فحدث عنهم ولا حرج.. ومازالت القصص المروعة عن التنكيل بهم في عضر الالحاد والشيوعية لم تنشر بعد؛ فقد قتل النظام الألباني الشيوعي منهم الكثير وعذب وسجن واعتقل الكثير، وكان من بينهم المفتي الأسبق لألبانيا “صبري كوتشي” ـ رحمه الله تعالى ـ والذي قضى نحو عقدين في غياهب السجون والتي تقع أعلى جبال الثلج في شمال ألبانيا والأحياء فيها أسوأ حالاً من الأموات؛ بل لا وجه للمقارنة بينهما.

“صبري كوتشي”

“صبري كوتشي” الذي خرج من السجون الشيوعية بعد نحو 20 عاماً قبيل سقوط الشيوعية بقليل؛ تتحدث هذه الأيام وسائل الإعلام الألبانية عن مذكراته التي تتعلق بصومه في سجون الشيوعية؛ حيث قال “صبري كوتشي” في مذكراته بأنه شهد رمضان في كافة فصول العام بمعتقله ـ الذي كان يقع في منطقة “بولشيزا” شمال شرق ألبانيا في منطقة تغلق فيها الطرق لفترات زمنية خلال الشتاء نتيجة لغزارة سقوط الجليد بها ـ؛ فتنعم بالصيام داخل سجنه في الصيف، وذاقه طعمه مع برودة جو الشتاء.

ومن ذكرياته أنه قال: “في إحدى المرات النادرة استطعت دخول مطعم السجن؛ لأفاجأ بأنهم يطهون صواني الخبز بدهن الخنزير ـ هكذا كانت تتعمد الشيوعية في استخدام لحم ودهن الخنزير في كافة مؤسسات الدولة والمدارس وحتى السجون لإجبار مسلمي البلاد على نسيان هويتهم ـ فبدأت في قطع الجزء الأسفل من الخبر الذي يوزع علينا (بكميات صغيرة) حتى أتفادى ما أصابه من أسفله من دهن الخنزير”.

هذا الرجل الذي قاسى ألام السجن؛ استطاع الحفاظ على تمسكه بهويته وهو ما ساعده أن يتحول لشعلة نشاط عظيمة بعد خروجه منه إثر سقوط الشيوعية في عام 1990، واستطاع خلال نحو عشرين عاماً أخرى أن يقود المؤسسة الدينية الأم في ألبانيا “المشيخة الإسلامية” نحو إعادة بناء هياكلها من جديد وفتح مدارسها الإسلامية المغلقة، وترميم مساجدها المهدمة، وبعث الدعوة الإسلامية مجدداً في دولة حارب نظامها الهوية الإسلامية لشعبه لنحو نصف قرن من الزمان.

ووفقاً للدكتور محمد موفاكو، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة “آل البيت” بالأردن، فقد استقلت ألبانيا عن تركيا “على الورق” عام 1912م، ثم أصبحت على أرض الواقع عام 1913م، طبقاً لمؤتمر سفراء الدول العظمى في لندن، حيث أضحت أكثر من نصف أراضيها داخل دول الجوار التي سيطرت عليها بالقوة خلال حربي البلقان الأولى والثانية والتي انهزمت فيها تركيا وأنهت بذلك وجودها التاريخي في منطقة البلقان والذي دام لنحو خمسة قرون.

وأضحى نصف الشعب الألباني يعش داخل دولته الأم (ألبانيا)، والباقي داخل كل من اليونان وصربيا والتي كانت وقتها تسيطر على مقدونيا ومتحدة مع الجبل الأسود.

ويبلغ تعداد الشعب الألباني القاطن في منطقة غرب البلقان، نحو سبعة ملايين نسمة، عاش نحو نصف تعداده خلال القرن العشرين خارج دولته الأم (ألبانيا)، كنتيجة لسيطرة دول الجوار على أجزاء من أرضه تزيد عن النصف (اليونان ـ صربيا ـ مقدونيا ـ الجبل الأسود).

ويشار إلى أن مسلمي دولة ألبانيا (الحالية) تصل نسبتهم لنحو 70% من إجمالي عدد السكان البالغ نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة؛ بينما تصل نسبة الأرثوذكس لنحو 20% والكاثوليك حوالي 10%.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة “الأمة” ـ 28 يونيو 2014م ـ هاني صلاح