مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كاريليا الروسية.. كيف تم القضاء على الإسلاموفوبيا في وسائل الإعلام المحلية؟

تجربة رائدة احتاجت لرصدٍ وبحثٍ وتواصلٍ على مدار سنوات، لكن النتائج كانت إيجابية بشكل غير مسبوق على الإطلاق.

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

تجربة رائدة بإحدى مناطق روسيا الاتحادية في التعامل مع وسائل الإعلام التي تَبثُّ في نشراتها وبرامجها محتوًى مسيئًا عن الإسلام والمسلمين، وهو ما بات يُعرف بمصطلح “الإسلاموفوبيا”.

هذه التجربة احتاجت لرصدِ كلِّ ما ينشر في وسائل الإعلام من صحف ومجلات وقنوات إذاعية وتلفزيونية، عن الإسلام والمسلمين على مدار عام كامل؛ لتحليل هذا المحتوى، ولكي تكون مادةً للحوار والنقاش بين مسلمي تلك المنطقة والمؤسسات الإعلامية والصحافيين العاملين فيها؛ لذا فقد احتاجت لسنوات تالية من التواصل مع تلك المؤسسات الإعلامية.

وبعد سنوات سبعٍ منذ عام 2000 وحتى عام 2007، تحولت دفَّةُ سفينة الكراهية في وسائل الإعلام الروسية بتلك المنطقة لنحو 180 درجة، وبات كل ما يكتب من محتوًى إعلامي متعلق بالإسلام والمسلمين في غالبيته العظمى إيجابيًّا بدرجة كبيرة.

فما الذي حدث؟ وكيف حقق مسلمو تلك المنطقة هذه النتيجة المرتفعة في التعامل بنجاح فائق مع ظاهرة الإسلاموفوبيا “العداء والكراهية للإسلام والمسلمين”؟

الشيخ د.وسام البردويل، إمام وخطيب مسجد بوتوفا في موسكو، وعضو مجلس علماء الادارة الدينية لمسلمي روسيا الاتحادية.
الشيخ د.وسام البردويل، إمام وخطيب مسجد بوتوفا في موسكو، وعضو مجلس علماء الادارة الدينية لمسلمي روسيا الاتحادية.

الشيخ د.وسام البردويل، إمام وخطيب مسجد بوتوفا في موسكو، وعضو مجلس علماء الادارة الدينية لمسلمي روسيا الاتحادية، يحكي لنا قصة هذا النجاح لفريق مؤسسة دار الإفتاء في جمهورية كاريليا، والتي كان يترأسها في ذلك الوقت كمفتٍ عامٍّ لمحافظة كاريليا، وذلك عبر حلقة فيديو نشرت على قناته على اليوتيوب في 6 يونيو الجاري.

يقول الدكتور وسام: “روسيا دولة فيدرالية اتحادية، وهناك وسائل إعلام روسية مركزية على المستوى الفيدرالي، وقضية الإسلاموفوبيا كانت منتشرة في هذه الوسائل الإعلامية المركزية، وحينما كنتُ مفتيًا لجمهورية كاريليا ذات الحكم الذاتي، حاولنا التعامل مع هذه الوسائل الإعلامية المركزية والتواصل معها؛ لمعالجة ما تنشره من محتوى مسيء غير صحيح عن الإسلام والمسلمين في روسيا، لكن النتيجة باءت بالفشل ولم ننجح؛ حيث كنَّا مؤسسة صغيرة وفي منطقة بعيدة محاذية لدولة فنلندا، وكانت إمكانياتنا لا تسمح بإحداث تغيير جذري على المستوى الفيدرالي الروسي”.

سبع سنوات

هذا الفشل على المستوى الفيدرالي الروسي لم يمنع فريق دار الإفتاء في كاريليا من تكرار تجربتهم ومحاولاتهم؛ للتصدي لما تنشره وسائل الإعلام الروسية، ولكن على المستوى المحلي.

وعن المحاولة أو التجربة الثانية، أوضح الدكتور وسام: ” كانت خطوتنا الأولى في هذه التجربة، أن وضعنا خطة في عام 2000م لرصد كافة وسائل الإعلام المحلية في جمهوريتنا كاريليا، من خلال فريق دار الإفتاء، وبالتعاون مع متطوعين، وذلك لمتابعة ورصد كل ما تنشره على مدار عام كامل”.

وتابع: “بينما أتت خطوتنا الثانية بعمل تحليل دقيق شامل لكل ما نُشر خلال هذا العام، وأصدرناه في شكل بحثٍ مطبوع، وعرضناه على وسائل الإعلام؛ حيث وجدنا أن 97% مما نشر عن الإسلام والمسلمين سلبيٌّ وغيرُ منصف؛ بينما 3% فقط إيجابي أو محايد”.

وبِناءً على هذا التحليل الذي تم إصداره في كتاب؛ “بدأت خطوتنا الثالثة في التواصل مع كافة وسائل الإعلام على مدار سنوات؛ نحاورهم فيما قاموا بنشره، وواجهنا مشكلاتٍ ورفضًا من قبل الصحافيين في الاعتذار أو التصحيح؛ فلم نستسلم وقمنا برفع الأمر للجهات الأعلى، ممثلةً في إدارات هذه المؤسسات الإعلامية، وبعضهم لم يتجاوب معنا؛ فقررنا التواصل مع الجهات الممولة لهذه المؤسسات، وإذا لم يتم التجاوب، كنا نخبرهم بأننا سوف نتواصل مع وزارة الإعلام ثم المدعي العام إذا احتاج الأمر”.

وكانت نتيجة هذه الجهود الهائلة من التواصل المباشر مع الصحافيين ومسئولي المؤسسات الإعلامية، “أن تغيرت نسبة المحتوى السلبي المنشور عن المسلمين، وتراجعت إلى 3% فقط، بينما ارتفعت نسبة المحتوى الإيجابي لتصل لنحو 97% من المحتوى المنشور”.

جائزة لأفضل صحافي

لكن عزيمة وإصرار فريق تلك المؤسسة الإسلامية الرسمية الصغيرة في الجمهورية التي تقع بشمال غرب روسيا، لم يتوقفا عند هذا الحدِّ، “ما حدث كان باهرًا، وبدلًا من العلاقة المتوترة التي كانت مع الصحافيين، أصبحت العلاقة جيدة وقائمةً على الاحترام والتقدير؛ لذا أحببنا ترسيخ هذا التوجه الإيجابي من جانبهم، فأطلقنا مسابقة لتكريم أفضل صحافيٍّ في المحتوى الإعلامي المنصِف الذي يكتبه عن الإسلام والمسلمين، وخصَّصنا جائزة تساوي في وقتها أعلى راتب لصحافي في المنطقة، وكانت نحو 500 دولار أمريكي”.

وبهذه الخطوات السابقة المتتالية، “اختفت موجة الإسلاموفوبيا من محافظة كاريليا بعد عمل دءوب وتعب وتواصل وتفاؤل وأمل في التغيير، استغرق سبعَ سنواتٍ كاملة من عام 2000 وحتى عام 2007م”.

يذكر أنَّ أول تواجد للمسلمين في هذه المنطقة كان في تسعينيات القرن الماضي، ثم في عام 2002 افتتح أول مركز إسلامي في كاريليا، كما افتتحت ثلاثة مراكز أخرى في المدن الكاريلية المختلفة، ولأول مرة رفع المسلمون صوت الأذان في الأرض الكاريلية، وأقاموا الشعائر الإسلامية. ويبلغ عدد المسلمين في الوقت الحالي أكثر من عشرين ألف مسلم، ينحدرون من أصول مختلفة (حوالي 30 قومية)، كما يوجد أكثر من 200 مسلم جديد من أهل البلد الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام.

وتنشر “مسلمون حول العالم” رابطًا لحلقة الفيديو، متمنية لكم مشاهدة ممتعة: