مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

مواجهة “الإسلاموفوبيا” تبدأ بإصلاح وتطوير منظومة العمل المؤسسي

حوار مع "سمير فالح"، رئيس التجمع الإسلامي في ألمانيا

حوار ألمانيا ـ أحد حوارات ملف “الإسلاموفوبيا ـ يناير 2016م”

أدار الحوار: هاني صلاح**

“الاستنكار والتنديد و… لا يكفي وحده لمواجهة ظاهرة (الإسلاموفوبيا)؛ نحتاج إلى عمل سياسي وإعلامي على أسس سليمة ومستمرة، ونحتاج إلى تواصل مع المجتمعات الأوروبية، نحتاج إلى اهتمام خاص بالأجيال الجديدة للمسلمين، نحتاج إلى مؤسسات إسلامية قوية وحاضرة في محيطها، نحتاج إلى التعاون والتواصل مع كل من يساعد ويساهم في الارتقاء بأوضاعنا”.

بهذه الكلمات عكَس “سمير فالح” – رئيس التجمع الإسلامي في ألمانيا – رؤيته الخاصة في كيفية مواجهة تَصاعد ظاهرة “الإسلاموفوبيا” في ألمانيا خاصةً، والغرب عامةً، والتي تُركز في مجملها على ضرورة إصلاح وتطوير وترسيخ منظومة العمل المؤسسي للوجود الإسلامي في ألمانيا بدايةً، قبل الانشغال بالرد على الاتهامات الباطلة التي يُلحقها اليمينُ المتطرف بالإسلام والمسلمين بشكل دائم ومستمر.

وشدد الناشطُ بالعديد من المؤسسات في ألمانيا، والذي يَشغل فيها مواقع قياديةً، على أن الوجود الإسلامي يجب أن: “يخرج بدايةً من حالة الدفاع ورَدّة الفعل؛ ليؤسس لعمل متواصل يَهْدف إلى ترسيخ صور الاعتدال والمشاركة المجتمعية على مختلف المستويات؛ ليضمن مكانته ودوره الأصيل، ويبتعد عن الأدوار الهامشية”، مُبْدِيًا تفاؤله بأن الأجيال الجديدة للمسلمين: “قادرة على القيام بمثل هذه الأدوار، وقد بدأتْ بالفعل”.

وكشف “فالح” – الذي يَشغل أيضًا نائب الرئيس والأمين العام في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا – عن أنهم في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا بادروا إلى إطلاق مبادرة لتأسيس “تحالف أوروبي ضد الإسلاموفوبيا”، موضحًا أن: “هذه المبادرة لا تزال في خطواتها الأولى، ونجاحها رهين بالتفاف المؤسسات والمنظمات الإسلامية وغير الإسلامية حولها”.

وأكد ضيف الحوار من ألمانيا المهتم بالشأن الفكري والدعوي في المجتمعات الغربية، بأن: هذه المعركة “الإسلاموفوبيا” ليست معركة المسلمين فقط، وإنما “هي معركة المجتمعات الغربية ككلٍّ، التي انْبَنَتْ على احترام الحريات الشخصية والدينية”.

جاء ذلك في الحوار الخاص بدولة ألمانيا ـ أحد حوارات ملف “الإسلاموفوبيا ـ يناير 2016م”، والذي يأتي ضمن سلسلة ملفات شهرية تلقي الضوء على أهم قضايا الأقليات المسلمة حول العالم.

ويتضمن كل ملف شهري مجموعةً من الحوارات المتعددة الأطراف، والتي يشارك فيها الجمهور الناطق بالعربية على الفيسبوك؛ حيث يطرح أسئلته على الضيوف في عدد من دول العالم.

وقد أُجريت حوارات ملف شهر يناير 2016م عن قضية “الإسلاموفوبيا” تحت عنوان: “ظاهرة تَصاعد العداء للإسلام والمسلمين في الغرب: الأسباب.. التداعيات.. الحلول”.
وإلى الحوار..

المشاركة الأولى.. من: هاني صلاح ـ رئيس تحرير موقع “مرصد الأقليات المسلمة” – وتتضمن ثلاثة محاور/أسئلة للتعريف بموضوع الحوار والضيف الكريم: (أرقام: 1 – 3):
المحور الأول: الخريطة العِرقية والدينية
1 ـ نَود من سيادتكم التفضل بإعطاء إطلالة مختصرة:
أ ـ حول الخريطة العرقية والدينية التي يتكون منها الشعب الألماني، ومدى التعايش والتواصل بين مختلف هذه الأعراق، وأيضًا بين مختلف أتباع الديانات.
بلغ تعداد السكان في الجمهورية الفيدرالية لعام 2010م نحو 82 مليون نسمة، وتُعتبر ألمانيا كبرى دول الاتحاد الأوروبي سكانًا، لكن يُعتبر معدل الخصوبة الكلي لديها من أدنى المعدلات في العالم؛ حيث يبلغ 1.38 طفل لكل امرأة.
ويُشكِّل الألمان الأغلبية الساحقة بحوالَي 91% من السكان، في حين يُشكل المهاجرون نسبةً تقارب 9% من السكان، ويقارب عددهم 7.3 ملايين نسمة.
في عام 2009م، كان 20% من السكان لديهم جذور مهاجرة، وهي أعلى نسبة مسجَّلة منذ 1945م، وفي 2008م كانت أكبر مجموعة من السكان تنحدر من أصول مهاجرة من تركيا بحوالَي 2.5 مليون، ثم الإيطالية بحوالَي 776,000، وبعدها البولندية بحوالَي 687,000 تقريبًا.
يـضمن القانون الأساسي للجمهورية الألمانية حرية الأديان، ولا توجد أقليات دينية مضطهَدة رسميًّا، وهناك اتفاقيات بين الحكومة الاتحادية والكنيستَيْنِ الكاثوليكية والإنجيلية، يَتلقَّى بموجَبها أبناء هذين المذهبين دروسًا دينيةً في المدارس الحكومية، وتعوض الحكومة هذه الدروس باقتطاع نسبة ضريبية من السكان أبناء هذه المذاهب. كما قامت الحكومة الاتحادية بعقْد اتفاقيات مماثلة مع أبناء الطائفة اليهودية عن طريق المجلس المركزي لليهود في ألمانيا.
المسيحية هي أكبر ديانة في ألمانيا بما يزيد عن 52 مليون معتَنِق، أي (63%)، ويُشكل البروتستانت نسبة 32.3% منهم، بينما يُشكل الكاثوليك 31%، والديانة الثانية هي الإسلام بما يقارب 5 ملايين معتَنِق (6%)، ثم يأتي بعدها البوذية واليهودية بحوالَي 200,000 معتَنِق، ثم الهندوسية، ويبلغ عدد معتنقيها 90,000، والسيخ 75,000، وبقية الطوائف لديها من الأتباع 50,000 أو أقل، كما يُعتبر حوالَي 24.4 مليون ألماني، أي (29.6%) يُصنَّفون بأنهم “لا دينيين”.

ب ـ وهل يمكن أيضًا توضيح الخريطة العرقية لمسلمي دولتكم؟
أكثر من نصف مسلمي ألمانيا هم من أصول تركية، كما تُوضح بيانات الأجانب أن الجماعات الأخرى الكبرى من المسلمين هم من البوسنة، ثم يأتي بعدهم المسلمون من أصول مغربية، ثم من إيران، ثم من أفغانستان، وبشكل عام فإن 90% من مسلمي ألمانيا ينحدرون من أصول غير عربية.

المحور الثاني: محور الحقوق والحريات
2ـ بشكل عام نود من سيادتكم توضيح التالي:
أ ـ هل على مدار العقود الأخيرة ـ على الأقل الـ 30 سنةً الأخيرة ـ هناك أي تمييز أو تضييق على الحريات المدنية أو الدينية أو العرقية بين شرائح المجتمع بشكل عام؟
ألمانيا لم يُعرف فيها في هذه الفترة نوع من التمييز أو التضييق على الحريات المدنية أو الدينية أو العرقية.

ب ـ وماذا عن المسلمين خلال هذه الفترة ـ الثلاثة عقود الأخيرة ـ هل يتساوون كمواطنين مع باقي شرائح المجتمع، أم هناك تمييز بحقهم وإنقاص من حقوقهم؟
الوجود الإسلامي في ألمانيا في تطور مستمر، وتبعًا لذلك استحقاقاته المدنية والقانونية، والدين الإسلامي غير مُعْترف به رسميًّا في ألمانيا إلى الآن، وهذا ما يَحْرِم المسلمين من بعض الحقوق (مثل التعليم الديني، دعم المؤسسات الدينية …).
ولكن الإمكانيات التي يُتيحها المجتمع المدني تُعطي مساحةً لا بأس بها لممارسة الدين وشعائره، هناك بعض القوانين التي تُشكل تمييزًا ضد المسلمين؛ مثل منع المحجبات من العمل في الوظائف، ولكن هذا نفسه قلَّصتْ من مداه أحكام قضائية.

المحور الثالث: التعريف الشخصي
3 ـ تعوَّدنا في حواراتنا السابقة تقديم ضيف الحوار للجمهور؛ لذا نستأذنكم في تعريف أنفسكم للجمهور المشارك تعريفًا إنسانيًّا وعلميًّا ووظيفيًّا، مع الإشارة للمهام الدعوية والمسئوليات التي تولَّيتموها من قبل أو تتولونها حاليًّا؟
سميــــر فالـــح، متزوج ولدي 4 أبناء، من تونس ومقيم في ألمانيا منذ سنوات عديدة، والجنسية: تونسية/فرنسية.
حاصل على شهادة كلية “هندسة إعلامية”، في عام 1997م، من الجامعة التقنية بكارلسروه/ ألمانيا الاتحادية، وكذلك إجازة في الشريعة وأصول الدين في عام 2002م من “المعهد الأوروبي للدراسات الإسلامية” بفرنسا.
ـ مهتم بالشأن الفكري والدعوي في المجتمعات الغربية، وناشط في عديد من الجمعيات والمؤسسات التي شغَلتُ وأَشغَل فيها مواقع قياديةً.
المهام والمسئوليات الحاليَّة: رئيس التجمع الإسلامي في ألمانيا، ونائب الرئيس/ الأمين العام في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا.

مشاركات الجمهور

المشاركة الثانية.. من: عبد الله شفاعة ـ مدرس لغة عربية، ومترجِم من اللغة العربية إلى اللغة الكمبودية، من كمبوديا – وتتضمن سؤالين (4، 5):
4 ـ هل ظاهرة الكراهية للإسلام والمسلمين في الغرب هي:
أ ـ مجرد عملية سياسية ونتيجة للتنافس بين الأحزاب السياسية، أم أنها أصبحت جماهيريةً؟
أ ـ ظاهرة “الإسلام فوبيا” ظاهرة معقَّدة، وبطبيعة الظواهر المعقدة فإنه لا يمكن إرجاعها لسبب واحد فقط، وإنما أسبابها متعددة. نعم الحسابات السياسية بين بعض الأحزاب غذَّتْ هذه الظاهرة، ولكنها – في تقديري – لا تَرْقَى لأن تكون ظاهرةً جماهيريةً، فهناك فئات واسعة من الشعوب الأوروبية ومن مؤسسات المجتمع المدني ومن الأحزاب السياسية أيضًا لم تَنْجَرَّ وراء هذه الظاهرة، بل إنها اتخذت منها موقف المعارضة والرفض.
ب ـ وإن كانت جماهيريةً، فما تفسيركم لإقبال الإنسان في الغرب على الدخول في الإسلام حسَب الإعلان الذي رأيته؟
ب ـ أما موضوع إقبال الغربيين على الدخول في الإسلام، فهذا سياق آخر. نعم شهد تطورًا وزيادةً في السنوات الأخيرة، ولكن أسبابه ودوافعه متعددة ومختلفة في علاقته بالإسلام فوبيا. يبدو الموضوع نتاج أثر عكسي. الإسلام فوبيا تتجلى أساسًا في الإعلام، وهذا يدفع الناس بفعل الفضول إلى التعرف على الإسلام، وهذا قد ينتهي ببعضهم إلى الدخول في الإسلام، ويبقى السؤال الأهم: كم من الذين دخلوا الإسلام حسُن إسلامهم ولم يتطرفوا يمينًا أو شمالًا؟

5 ـ إلى متى يَظل الإنسان الغربي أسير قيود الصهاينة وسيطرتها على المجتمع الغربي ولا يتحرر منها؟
لا أجد من الموضوعية تعليق كل شيء على شماعة “الصهيونية”، الوجود اليهودي على مر السنين أسَّس لوضعه في الغرب أشخاص ومؤسسات، وهو – ولا شك – يخدم مصالحه وأجندته، فأخذ له مواقع في الإعلام والسياسة والمال، وفي هذا الصدد ينبغي على الوجود الإسلامي أن يُحسِّن من مواقعه، ويسعى لتقوية تأثيره ليعدّل الكِفة، المساحات والفضاءات المتاحة للتأثير ليست بالقليلة، وعلينا العمل على تعزيز تواجدنا فيها لإيجاد التوازن.

المشاركة الثالثة.. من: محمد سرحان – صحفي وباحث في شئون الأقليات المسلمة – وتتضمن أربعة أسئلة (6 – 9):
6ـ ما الأسباب الحقيقية وراء تَصاعد ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين في الغرب؟
ظاهرة العداء للإسلام أو “الإسلام فوبيا” ظاهرة معقدة كما ذكرتُ، ولكن أهم أسبابها يمكن تصنيفها إلى نوعين:
الأول: أيديولوجي: بمعنى أن هناك كُرْهًا معلّلًا فكريًّا وأيديولوجيًّا للإسلام، بل وحتى لكل دين.
الثاني: رَدَّة فِعْل على أوضاع وأفعال وأقوال المسلمين أو مَن يهتم بشأن المسلمين، والإعلام يُصدّق ذلك أو يكذّبه، يُضخِّم منه أو يُحجِّمه، والحالة الأولى هي الأقرب والأوسع انتشارًا.

7 ـ لماذا يشعر المسلمون في الغرب دائمًا بأنهم موضع اتهام، ولماذا هم مجبرون على تبرئة أنفسهم بعد أية اعتداءات إرهابية يشهدها الغرب؟
سؤال مهم، وهو مصداق لِما نشعر به كمسلمين في الغرب أفرادًا ومؤسساتٍ، فكلما ضرَب الإرهاب وجدنا أنفسنا في جدل، هل نُصْدر موقفًا وبيانًا أم لا؟ لا شك أن هناك جانبًا مِن ردة الفعل ودفع التهمة في مثل هذه المواقف، ولكن حيثيات مثل هذه الأحداث تَفْرِض في بعض الأحيان اتخاذ مثل هذه الخطوات، وتفصيل ذلك:
أولًا: أن الإعلام يُقْحِم الإسلام من حيث يَشعر أو لا يَشعر في مثل هذه الأحداث.
ثانيًا: أن منفِّذي هذه الاعتداءات الإرهابية يستعملون رمزية: (قول “الله أكبر”، رفع المصحف…)، فهي تُوحي بتمثيلهم للإسلام.
ثالثًا: للأسف، لا يزال هناك من عموم المسلمين مَن ينساق وراء العواطف، ويؤيِّد مثل هذه الأعمال.
رابعًا: علاقة المؤسسات الإسلامية في الغرب بمؤسسات المجتمع المدني وبالسياسة تَفْرِض نوعًا من التعامل على أساس الوضوح في المواقف.
لمثل هذه الاعتبارات والحيثيات وغيرها ننتهي غالبًا من مثل هذه الحوارات إلى إصدار المواقف والبيانات لتوضيح الموقف، وليس بالضرورة دفع التهمة.

8 ـ من يتحمل المسئولية عن تلك النظرة الخاطئة لدى معظم الغرب عن الإسلام والمسلمين؟ وما دور الجاليات المسلمة في الغرب ومؤسساتهم في تصحيح صورة الإسلام؟
للإنصاف، لا نعمّم القول بأن هناك نظرة خاطئة لدى معظم الغرب عن الإسلام، وإنما هو تدافع … هناك نظرة سلبية خاطئة، وهناك نظرة منصفة وإيجابية، هذا وذاك موجودان.
المسئولية في النظرة السلبية الخاطئة يتحمل وزرها المسلمون في جزء منها؛ الصورة التي تصل إلى الآخر عني، أنا المسئول عنها، قد تغطِّي الصورة التي تعطيها بعض الفئات من المسلمين على عموم الصورة عنهم، ولكن هذا لا ينفي عنهم المسئولية.
الآخر له إمكانات هائلة مثل وسائل الإعلام المختلفة، ولكن هذا لا يبرر التخلي عن المسئولية.
أما دور “الجاليات”، وهنا أشير إلى أنني لا أحبّذ هذا المصطلح، وأستعمل عوضًا عنه مصطلح “الوجود” الإسلامي؛ ذلك أن الأول يحيل إلى عدم الاستقرار والظرفية، والمسلمون قد تجاوزوا ذلك.
دور هذا “الوجود الإسلامي” – في رأيي – يجب أن يخرج بداية من حالة الدفاع ورِدَّةِ الفعل؛ ليؤسس لعملٍ متواصل يهدف إلى ترسيخ صور الاعتدال والمشاركة المجتمعية على مختلف الأصعدة؛ ليضمن مكانته ودوره الأصيل، ويبتعد عن الأدوار الهامشية، والأجيال الجديدة للمسلمين قادرة على القيام بمثل هذه الأدوار، وقد بدأت بالفعل.

9 ـ ما مصير الحريات الشخصية والدينية لمسلمي الغرب مع تصاعد وتيرة العداء للإسلام والمسلمين؟
هذه إحدى التحديات الكبرى والمعارك الرئيسة، فالمُسوِّقون للإسلاموفوبيا يَدْعون إلى اتخاذ قوانين زجرية فيها تضييق على الحريات الدينية والشخصية، ويجب على الوجود الإسلامي تقوية دفاعاته في هذا المضمار بإمكاناته الذاتية، ولكن أيضًا ـ وهذا مهم ـ بكسب الشركاء من شخصيات ومؤسسات للمجتمع المدني وأحزاب.
هذه المعركة ليست معركة المسلمين فقط، وإنما هي معركة المجتمعات الغربية ككل، التي انْبَنَتْ على احترام الحريات الشخصية والدينية.
الحديث عن قوانين منع ارتداء الحجاب أو قانون سحب الجنسية من مزدوجي الجنسية وغيرها هي أمثلة صارخة للتضييق على الحريات والتمييز في حق المسلمين.

المشاركة الرابعة.. من: “كريم خيري” – طالب في مرحلة الماستر “الأقليات المسلمة في الغرب” من الجزائر – وتتضمن ثلاثة أسئلة (10 – 12):
10 ـ أين وصلت جهود المسلمين في الغرب عمومًا في سعيهم لإدراج “تجريم الإسلاموفوبيا” ضمن المنظومات القانونية في الدول التي يعيشون فيها؟ ولماذا لم يتوصلوا إلى ذلك رغم كثرتهم العددية، وبالمقابل نجد اليهود ـ على قلتهم – قد استطاعوا استصدار قانون معاداة الساميَّة؟

تجريم الإسلاموفوبيا مَشغَلٌ هامٌّ للمسلمين في أوروبا، تصاعدت المطالبة به بتصاعد الاعتداءات على المسلمين أفرادًا (اعتداء لفظي ومادي على من تبدو عليهم مظاهر الإسلام، وخصوصًا النساء المتحجبات)، ومؤسساتٍ (حرق أو محاولة حرق المساجد والجمعيات الإسلامية).
للأسف لم يُدرج إلى الآن ضمن المنظومات القانونية في الدول الغربية رغم المناداة المتكررة به، والعمل على هذا الملف لا يزال قائمًا، وقد تعددت وسائل “التحشيد” له، فعلى سبيل المثال: هناك شبكات أوروبية لرصد وتوثيق الاعتداءات على المسلمين ومؤسساتهم لدعم ملف المطالبة بهذا الأمر بالحجة والبرهان.
المقارنة بالوجود اليهودي فيها فوارق أهمها: أن تثبيتهم لقانون معاداة الساميَّة وغيره من القوانين جاء بعد موجة الاضطهاد الكبيرة التي لحقت بهم وجعلتهم في موقع الضحية، وقد توفر لهم آنذاك وسائل أخرى للضغط ليس المقام هنا للتفصيل فيها.
للإشارة، فإن اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا انطلق في مبادرة لتأسيس “تحالف أوروبي ضد الإسلاموفوبيا”، وهذه المبادرة لا تزال في خطواتها الأولى، ونجاحها رهينُ بالتفافِ المؤسسات والمنظمات الإسلامية وغير الإسلامية حولها، كما أنه، أي الاتحاد، أصدر وثيقة حول الإسلاموفوبيا، وهي موضوع تشاور وتدقيق مع الشركاء في انتظار استوائها على شكلها النهائي.

11 ـ ألا ترون أن تصرفات بعض المسلمين أنفسهم ساهمت في تصاعد ظاهرة العداء والتخويف من الإسلام في الغرب؟
صحيح، والأوروبي العادي وبطبيعة جهله بالإسلام لا يفرق بين هذه الأفعال والتصرفات وبين الإسلام وعموم المسلمين، أفعالٌ وتصرفاتٌ معزولةٌ تستغلها أطراف إعلامية للتسويق لصورة سلبية عن الإسلام والمسلمين؛ لتصبح بذلك الشجرة التي تغطي الغابة. الحاجة للتوعية داخل المسلمين كبيرة، والحاجة للردِّ على الذين يعممون ولا يفرقون أيضًا كبيرة.

12 ـ من خلال ما شاهدناه في غضون السنوات الأخيرة وما حملته من أحداث تخويفية من الإسلام في الغرب (شارلي إيبدو، أحداث باريس …)، مع توجيه البعض لأصابع الاتهام للوبي الصهيوني بأنه الصانع لتلك الأحداث. ألا ترون أن حقيقة الصراع هي صراع قوًى، وأنه لا سبيل للمسلمين للتخلص من كل ذلك ما داموا في الهوان الذي هم فيه؟
كما أسلفتُ فإني لست من أنصار التفسير “التآمري” للأحداث؛ لأن من استتباعات ذلك الركون إلى البحث عن الراحة والدعة، باعتبار أننا لسنا المسئولين عن الأمر، وحتى وإن صح هذا التحليل، فلا تنتظر من الآخر أن يترك لك المواقع، {قل هو من عند أنفسكم}، وبالقدر الذي نمتلك أسباب المنعة، بالقدر الذي تكون مواقع أفضل وأحسن.
الحاجة ماسّة إلى توعية المسلمين وتوجيههم لأن يكونوا صالحين ومصلحين، صالحين في أنفسهم ومصلحين لمحيطهم بالمشاركة المجتمعية الهادفة والفعالة، وجوهر هذا فهمٌ صحيحٌ وعميق للإسلام.

المشاركة الخامسة.. من: عبد الوهاب علماء كويلان – خريج كلية اللغة العربية جامعة الأزهر، وعضو هيئة العلماء المسلمين بجنوب الفلبين – وتتضمن ثلاثة أسئلة (13 – 15):
13 ـ ألا ترون أن سبب تصاعد ظاهرة العداء للمسلمين يُغذّيه حكام المسلمين من أجل الحفاظ على كراسيهم؟
إذا سلَّمنا بأن ظاهرة الإسلاموفوبيا ظاهرة معقدة ومتعددة الأسباب والدوافع، فإن الذين يقفون وراءها ويغذّونها تتعدد مشاربهم ومواقعهم، وقد يكون هؤلاء الذين ذكرت من ضمنهم.

14ـ كيف نواجه هذه الاتهامات الباطلة للمسلمين وأحيانًا تبدأ من بني جنسنا؟
قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}. أَعتبرُ أن مواجهة الإسلاموفوبيا هي من الدعوة أيضًا، وعليه فالأسلوب يحدده المنهج الرباني في الآية، حكمةٌ في العرض والتعامل مع هذه الموجة، ونفسٌ طويل في مواجهة كل المثبطات والمنغصات.

15ـ نرى أن هذا العداء يبدأ من الإعلام سواءً كان مرئيًّا أم مسموعًا.. فما الخطوات اللازمة التي يجب أن تُتخذ؟
الإعلام أهم مسالك تصريف موجة العداء، وهو وإنْ ادَّعى الحِرَفية، إلا أنه وعبر رمزية الصورة والكلمة يؤجج موجة العداء، إلا من رحم ربي.
وقد أُجريت دراسات واستطلاعات تؤكد هذا المنحى، ماذا نحن فاعلون حيال هذا؟ المسلمون لا يملكون وسائل إعلام تُبلِّغ صوتهم ووجهة نظرهم وتعدِّل الصورة، ولا أعتقد أن هذا الوضع سيتغير قريبًا.
في مثل هذه الأوضاع علينا العمل على مسالك بديلة، وإنْ كانت أقلَّ تأثيرًا، وعلى المؤسسات والجمعيات أن تفتح أبوابها، أن تكثف من التواصل المباشر مع شرائح المجتمع، وخصوصًا التي لها تأثير، عليها أن تعمل على وسائل الاتصال المتاحة: يوتيوب، فيسبوك، تويتر … والشباب خصوصًا يمكن أن يكون لهم دور متقدم في هذه الوسائل، هذا طبعًا مع ضرورة الانتباه لما يُنشر حتى لا يحصل عكس المرغوب.

المشاركة السادسة.. من: خالد الأصور – كاتب وباحث إعلامي مصري مهتم بقضايا الجاليات المسلمة في أوروبا – (السؤال رقم: 16):
16ـ أليس من الأفضل لمعالجة مشكلات المسلمين في الغرب من المنبع تشكيل لوبيَّات وجماعات ضغط للمسلمين في إطار القوانين الأوروبية، وتوجيه الدعم المادي من البلدان العربية والإسلامية لهذه اللوبيات التي تستهدف التأثير في صانع القرار الأوروبي، بدلًا من توجيه الدعم فقط للأعمال الخيرية والاجتماعية أو بالتوازي معها؟
هذا لا يغني عن ذاك، والأولويات تتقدم وتتأخر حسب الظروف والحيثيات، فالعمل الخيري والإغاثي مثلًا كان لابدَّ أن يكون في المقدمة في ظروف موجات اللجوء التي عاشتها وتعيشها أوروبا.
عمل اللوبيَّات يتقدم ويثمر حين يكون للمسلمين حضورٌ سياسي وإعلامي أو حضور خارجي عمومًا، وهذا لا يزال ضعيفًا من دون بخسِ بعضِ التجاربِ المتقدمة. وعمل اللوبيات ضروري في مجتمع يعمل بهذه الآليات. تقديري أن مسلمي الغرب يحققون خطوات في هذا المجال وإنْ كانت بطيئة، وأما توجيه الدعم من البلدان العربية والإسلامية، فلا أعتقد أنها في وضع يسمح لها بذلك، فأغلبها يعيش تحديات داخلية كبيرة.

المشاركة السابعة.. من: سعيد محمد ـ مدير موقع “مباشر أوروبا” الإلكتروني، من ميلانو بإيطاليا ـ (السؤال رقم: 17):
17ـ “إذا نظرنا إلى الأعمال المتطرفة في أوروبا التي تلصق بالمسلمين، نجد أن أغلبها يقوم بها شباب لا يمُتّ للإسلام بصلة؛ لذا علينا توعية وتوجيه الشباب والعناية بهم، وتكثيف دورات وبرامج خاصة بهم، وعلينا في هذه المرحلة أن نتوقف عن بناء المساجد ويوجَّه الدعم لبناء الشباب”.. كيف تُقيِّمون هذا الطرح؟
بالنظر بصورة نمطية (بروفيل) لمن يقف وراءها؛ مما يجعل المعالجة أصعب وأعقد؛ أن جميعهم شباب.. هذا صحيح، ولكن لكل واحد منهم “قصة”. الإشكال في تقديري مجتمعي يبدأ من محيط العائلة إلى المدرسة والحي والشارع، إلى وسائل الإعلام، إلى السياسات الداخلية والخارجية، إلى الأعمال الإرهابية التي تحصل في أوروبا وحتى خارجها، لا يمكن الخروج للدولة … وعليه فالمعالجات تتوزع على أطراف ومجالات متعددة.
للمسجد وللمؤسسات الإسلامية عمومًا دورٌ كبير في هذا الجهد، بل إنها شريك رئيس فيه، وعلى المسلمين وضع هذا في سلم أولوياتهم، لكنني أؤكد في الوقت نفسه أنَّ المعالجة لابُدَّ أن تكون مشتركة. إنها مشكلة مجتمع، ومن الخطأ أن نتصدى لها بمفردنا، كما أن المعالجة لا يمكن أن تكون بالطرق التقليدية ولا في الأُطُر التقليدية.
نحتاج إلى متخصصين في مجال الشباب، ونحتاج إلى إمكانات كبيرة، وهي ذات أولوية قصوى في ظروفنا اليوم ولا شك.

المشاركة الثامنة.. من: أحمد محمود التلاوي – باحث مصري في شئون التنمية السياسية – وتتضمن ثلاثة أسئلة (18 – 20):
18ـ هل تتصورون نجاح جهود المواجهة في ظل ما ترتبه أعباء الأزمات الحالية في العالم الإسلامي؟
العالم الإسلامي سَندٌ أساس ولا شك، والأزمات التي يمر بها تؤثر سلبًا على أوضاع المسلمين في العالم، في المقابل أُقدِّر أن مسلمي الغرب يمكن أن يقوموا بأدوار متقدمة في الأزمة التي يمر بها العالم الإسلامي.
مسلمو الغرب هم الجزء “المحرَّر”، مسلمو الغرب خاضوا ويخوضون تجربة التعايش، مسلمو الغرب اكتسبوا خبرات واسعة. إنهم قادرون، بإذن الله، على الإنجاز رغمًا عن أعباء الأزمات الحالية.

19ـ وهل الجهد كافٍ أم مطلوب تعاون من الحكومات والمؤسسات المعنية؛ مثل الأزهر والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟
كلما فُتح باب التعاون كان ـ ولا شك ـ مثمرًا، غير أن الظروف الحالية تجعل من احتماليته ضعيفة.
الحكومات – كما أسلفت القول – لها من مشاكلها ما يشغلها، والمؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي بعضها تأثر بهذه الأزمات (الأزهر)، وبعضها الآخر (الاتحاد العالمي) تشغله القضايا الكبرى … الجهد الأكبر هو على المؤسسات الإسلامية في الغرب؛ فهي المعنية مباشرة بالموضوع، وإمكانات التعاون والتنسيق تبقى مفتوحة، وهي – ولا شك – رافدٌ وسندٌ كلما كانت متاحة.

20ـ وكيف تتصورون مسارات هذا التعاون؟
مسارات التعاون – إن وُجدت – يجب أن تراعي خصوصيات الوجود الإسلامي في الغرب، وبمعنى آخر لابُدَّ من ترك تقدير الأمور إلى أهل البلاد، والاستجابة لمسارات التعاون والتنسيق حسب الأولويات التي يحددونها. نعاني في بعض الأحيان من بعض الإسقاطات التي وإنْ كانت تريد الخير إلا أنها – لعدم مراعاتها لبعض الخصوصيات في واقع مسلمي الغرب – تؤدي إلى نتائج عكسية.

المشاركة التاسعة.. من: محمد سامي بن جلول ـ مستشار اقتصادي بالسفارة الإيطالية بالمغرب، وعضو جمعية الجالية الإسلامية بريجو إميليا في إيطاليا، ومهتم بشئون الأقلية الإسلامية في أوروبا – وتتضمن ثلاثة أسئلة (21- 23):
21ـ هل تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا، والذي يساهم فيه الإعلام الغربي بشكل كبير؛ بسبب غياب العمل الإسلامي في الميدان الاجتماعي والسياسي والإعلامي، بحيث أصبح الإنسان الغربي لا يعرف عن الإسلام سوى الجرائم المنسوبة إليه، ولا يرى واقعًا مُعاشًا ونافعًا وملموسًا؟
الإنسان عدو ما يجهل، وما دمنا لم نصل إلى كل أو أغلب شرائح المجتمع لنعطيهم صورة عن الإسلام غير الصورة النمطية التي يتداولها الإعلام، فإن الجهد المضاد في تشويه صورة الإسلام سيكون له الأثر الأكبر.
هناك تجارب أثبتت صدقية هذا المعطى، فبعض المؤسسات الإسلامية والمساجد بادرت إلى تنظيم حملات للمشاركة المجتمعية كان من نتائجها الوصول إلى المواطن العادي، وتغيير الصورة النمطية لديه عن الإسلام والمسلمين، مثل: “حملة الجار” التي قام بها التجمع الإسلامي في ألمانيا، وحملة “لمسة أمل” التي قامت بها المؤسسات الإسلامية في التشيك … وغيرها من الأمثلة، فلابُدَّ من تكثيف العمل على هذا المنوال.
الذين يقومون بأعمال إرهابية عددهم قليل، ولا يمثلون بحال من الأحوال جمهور الوجود الإسلامي في الغرب، ولكن حماقاتهم هذه تشوش بشكل كبير على الصورة العامة، ولن يتسنى محو هذه الصورة بالبيانات والمواقف فقط ـ على أهميتها ـ وإنما يجب النزول إلى المجتمع والتواصل معه بشكل مباشر.

22ـ هل عدم النضج وعدم الاستقلالية والعشوائية والنهج غير المؤسساتي في الإدارة، إضافة إلى حالات الاستقطاب القطري داخل المراكز الإسلامية في أوروبا، يجعلها عاجزة عن مواجهة وإدارة ظاهرة الإسلاموفوبيا؟
هذا جزء من الإشكال، كثير من المراكز والمؤسسات الإسلامية قطعت شوطًا في مَأسسةِ عملها والخروج من ضيق القطرية إلى سعة الأوروبية، لكن ما زلنا نحتاج إلى جهود إضافية.
التحديات المطروحة على الوجود الإسلامي في الغرب، وعلى رأسها الإسلاموفوبيا، تحتاج إلى توحيد الجهود، وتوضيح الرؤية.
بادرنا في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا إلى إطلاق مبادرة لتأسيس “تحالف أوروبي ضد الإسلاموفوبيا”، هذه المبادرة ما زالت في خطواتها الأولى، ونجاحها رهينُ بالتفافِ المؤسسات والمنظمات الإسلامية وغير الإسلامية حولها.
الإشكالات والتحديات هي نتاج الواقع الأوروبي، وتحتاج إلى إجابات أوروبية. والذي ما زال يتحدث عن مسجد مصري وآخر تونسي وغيره مغربي وهكذا، الذي ما زال يتحدث في هذا المستوى لم يفقه بعدُ حجم التحديات، ولم يتبين له السبيل للإجابة عن هذه التحديات.
أملنا في الله وفي الأجيال الجديدة أن تطرح عنها الموروث السلبي، وتفتح لها وللمسلمين آفاقًا جديدة تساهم في النهوض بواقع المسلمين ومعالجة إشكالاته.

23ـ هل الاستنكار والتنديد ورفض التّهم عند كل جريمة أمور كافية لمواجهة هذه الظاهرة؟
الاستنكار والتنديد واتخاذ المواقف وإصدار البيانات ضرورة سياسية، ولكنه لا يكفي وحده لمواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، نحتاج إلى عمل سياسي وإعلامي على أسس سليمة ومستمرة، نحتاج إلى تواصل مع المجتمعات الأوروبية، نحتاج إلى اهتمام خاص بالأجيال الجديدة للمسلمين، نحتاج إلى مؤسسات إسلامية قوية وحاضرة في محيطها، نحتاج إلى التعاون والتواصل مع كل من يساعد ويساهم في الارتقاء بأوضاعنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
**مرصد الأقليات المسلمة ـ يناير 2016م