مسار بدأ من تأسيس المجالس الإسلامية ومجالس الشباب في أقاليم البلاد وتواصل إلى إعداد قيادات المستقبل عبر الاستثمار في التعليم
بقلم هاني صلاح ـ كاتب صحفي
في وقت يشهد فيه المجتمع المسلم في إثيوبيا مرحلة تاريخية من إعادة البناء المؤسسي، لم يعد ملف التعليم يُنظر إليه باعتباره نشاطًا خدميًا أو فرصة فردية للطلاب فحسب، بل تحول إلى واحدة من أبرز أولويات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، بوصفه المدخل الأساسي لإعداد الكفاءات والنخب القادرة على قيادة المؤسسات الإسلامية والمجتمعية خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا جاء برنامج المنح الدراسية المجانية الذي ينفذه المجلس بالتعاون مع بنك التنمية الإسلامي، والذي استفاد منه هذا العام 50 طالبًا وطالبة، باعتباره جزءًا من رؤية أوسع لإعداد قيادات المستقبل لا مجرد تقديم دعم تعليمي.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في دولة كبيرة ومتعددة الأعراق والثقافات مثل إثيوبيا، حيث يشكل المسلمون نسبة كبيرة من السكان الذين يتجاوز عددهم 130 مليون نسمة، وتنتشر مجتمعاتهم عبر أقاليم مترامية تحتاج إلى كوادر محلية مؤهلة تستطيع إدارة المؤسسات، وتعزيز الاستقرار، وخدمة المجتمع بصورة أكثر تنظيمًا وفاعلية.
المجالس الإسلامية ومجالس الشباب.. مرحلة جديدة من البناء المؤسسي
خلال السنوات الأخيرة، اتجه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا إلى ترسيخ العمل المؤسسي داخل العاصمة والأقاليم، من خلال إعادة تنظيم المجالس الإسلامية المحلية، وتوسيع حضورها في المدن والزونات والمحافظات، بما يسمح بإدارة أكثر استقرارًا لشؤون المساجد، والتعليم الإسلامي، والعمل الاجتماعي والخدمات المجتمعية.
وبالتوازي مع ذلك، برزت المجالس الشبابية باعتبارها إحدى الأولويات الجديدة، حيث جرى تأسيس مجلس الشباب المسلمين على المستوى الفيدرالي وفي العاصمة أديس أبابا، قبل بدء التوسع التدريجي نحو الأقاليم، بهدف تعزيز دور الشباب في خدمة المجتمع، وترسيخ ثقافة السلام والتعايش، والمساهمة في الاستقرار المجتمعي داخل بلد يشهد تنوعًا عرقيًا وثقافيًا واسعًا.
كما توسعت أدوار المجلس الأعلى بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد دوره يقتصر على إدارة الشأن الديني التقليدي، بل بات شريكًا في ملفات العمل الإنساني والاجتماعي، وبناء التعايش والاستقرار، وتعزيز المشاركة الإيجابية للمجتمع المسلم في النهوض بالدولة، عبر شراكات مع المؤسسات الحكومية، والبنوك الإسلامية، والمؤسسات التنموية المختلفة.
لماذا أصبح التعليم أولوية الآن؟
هذا التوسع في الأدوار والمهام خلق حاجة متزايدة إلى كوادر قادرة على إدارة المرحلة الجديدة. فالمجالس الإسلامية في الأقاليم تحتاج إلى قيادات مؤهلة، ومجالس الشباب تحتاج إلى كوادر قادرة على إدارة المبادرات المجتمعية، وملفات التعليم والعمل الإنساني تتطلب متخصصين يجمعون بين المعرفة والكفاءة الإدارية، إلى جانب الحاجة إلى أئمة ومعلمين أكثر تأهيلًا وقربًا من واقع المجتمعات المحلية.
ومن هنا، لم يعد التعليم ملفًا منفصلًا، بل أصبح جزءًا من مشروع إعادة البناء المؤسسي نفسه. ولذلك جاء تنظيم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية برنامجًا تدريبيًا للطلاب المقبولين في المنح الدراسية المجانية، لتهيئتهم أكاديميًا ومعرفيًا، وتعزيز فهمهم لمسؤوليتهم المستقبلية تجاه المجتمع.
وخلال البرنامج، أكد نائب رئيس قطاع التنمية والشؤون الاجتماعية بالمجلس فضيلة الشيخ حامد موسى أهمية الجمع بين التفوق العلمي والسلوك الأخلاقي، فيما شدد الشيخ زياد علي، مسؤول قطاع التعليم والخدمات الاجتماعية، على أهمية استثمار الشباب لهذه الفرص في صناعة أثر إيجابي يبقى في ذاكرة المجتمع.
إعداد النخب.. من الجامعة إلى الماجستير والدكتوراه
ولا يتوقف المشروع عند المرحلة الجامعية فقط، إذ كشف المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا أن شراكته مع بنك التنمية الإسلامي تمتد أيضًا للعمل على توفير منح دراسية خارجية لمرحلتي الماجستير والدكتوراه وما بعد الدكتوراه، في خطوة تستهدف إعداد نخبة علمية ومهنية قادرة على قيادة المؤسسات الإسلامية مستقبلًا.
وبحسب ما أوضحه مسؤولو المجلس، فإن الطلاب المستفيدين من البرنامج الحالي يحصلون على تغطية كاملة للرسوم الدراسية إلى جانب مخصص مالي شهري، لمتابعة تعليمهم داخل مؤسسات التعليم العالي التي يختارونها في إثيوبيا، بينما يجري العمل بالتوازي على توسيع فرص الدراسات العليا خارج البلاد.
ويبدو أن الرهان الحقيقي في المرحلة الحالية لا يقتصر على بناء المؤسسات والهياكل التنظيمية وحدها، بل يمتد إلى بناء الإنسان الذي سيدير هذه المؤسسات مستقبلًا. فكل توسع في المجالس الإسلامية، والعمل الإنساني، والشباب، والتعليم، يحتاج في المقابل إلى جيل جديد من القيادات المؤهلة علميًا ومهنيًا، والقادرة على الإسهام في الاستقرار والتنمية والتعايش داخل واحدة من أكثر الدول الإفريقية تنوعًا.



ـ