مباحثات موسعة لتعزيز تأهيل الأئمة ودعم الثقافة الإسلامية وترسيخ الحوار الحضاري بين وارسو والقاهرة
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في خطوة تعكس عمق العلاقات الدينية والثقافية بين مصر وبولندا، أجرى سماحة الشيخ توماش ميشكيفيتش، مفتي جمهورية بولندا ورئيس المجلس الأعلى للاتحاد الديني الإسلامي في بولندا، زيارة مهمة إلى العاصمة المصرية القاهرة، التقى خلالها الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف المصري، لبحث آفاق التعاون الديني والثقافي، وتطوير الشراكات المشتركة في مجالات التعليم الإسلامي والثقافة وتأهيل الأئمة.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة باعتبارها محطة بارزة في مسار العلاقات الإسلامية بين البلدين، وسط اهتمام متزايد بتعزيز الحضور الإسلامي المعتدل في أوروبا.
وعكست المباحثات توجهًا عمليًا نحو توسيع التعاون بين المؤسستين الدينيتين في البلدين، خاصة في ما يتعلق بإعداد الأئمة، ودعم تعليم اللغة العربية، وتنظيم فعاليات فكرية وعلمية مشتركة، بما يعزز الحوار الحضاري ويخدم المجتمع المسلم في بولندا الممتد تاريخه لأكثر من ستة قرون.
تعزيز التعاون الديني والثقافي بين القاهرة ووارسو
استقبل وزير الأوقاف المصري، بمقر الوزارة في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، سماحة الشيخ توماش ميشكيفيتش والوفد المرافق له، حيث ناقش الجانبان سبل توسيع التعاون الديني والثقافي، وتبادل الخبرات المتعلقة بإدارة الشؤون الإسلامية في السياق الأوروبي، إلى جانب دعم مشاريع مشتركة في الثقافة واللغة العربية وتأهيل الأئمة.
وأكد الطرفان أهمية استمرار التنسيق المؤسسي وتبادل الزيارات والخبرات بما يرسخ العلاقات الدينية والثقافية بين البلدين، ويعزز قيم السلام والتعايش والعمل المشترك.
إشادة بولندية بنهضة مصر العمرانية والحضارية
أبرزت الزيارة بُعدًا رمزيًا لافتًا، إذ أعرب مفتي بولندا عن إعجابه بالتطور العمراني والحضاري الذي تشهده مصر، خاصة في العاصمة الإدارية الجديدة الواقعة شرق العاصمة القاهرة، مؤكدًا أن ما شاهده يعكس نهضة شاملة وتقدمًا مؤسسيًا واضحًا في مختلف القطاعات.
كما عبّر عن اعتزازه بعلاقته الممتدة مع الأزهر الشريف منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، مشيدًا بالدور الذي تضطلع به وزارة الأوقاف المصرية في خدمة القضايا الدينية والإنسانية، ومثمّنًا التعاون القائم بين المؤسسات الإسلامية في بولندا والجهات الدينية المصرية.
«وثيقة القاهرة» والعمل والإبداع في قلب النقاش
شهد اللقاء اهتمامًا خاصًا بـ«وثيقة القاهرة» الصادرة عن مؤتمر «المهن والحرف وأثرها في بناء الإنسان»، حيث أعلن مفتي بولندا توقيعه عليها فور الاطلاع على مضامينها، معتبرًا أنها تحمل رسالة إنسانية وحضارية تدعم قيم العمل والإبداع والإنتاج.
وفي هذا السياق، أوضح وزير الأوقاف المصري أن الوثيقة تجاوز عدد الدول الموقعة عليها ثمانين دولة، وتمت ترجمتها إلى اللغات الرسمية الست في الأمم المتحدة، مع استمرار الجهود لاعتمادها دوليًا وتحويل مضامينها إلى برامج ثقافية وتعليمية تدعم ثقافة الإنتاج والعمل.
العمران مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية
أكد وزير الأوقاف المصري خلال اللقاء أن قضية «العمران» تمثل أحد المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، موضحًا أن الإسلام لا يقتصر على أداء الشعائر فحسب، بل يدعو إلى البناء والإبداع والابتكار وإقامة المؤسسات الناجحة وتحقيق الاستقرار والرخاء.
وأشار إلى أن التراث الإسلامي زاخر بالمؤلفات التي تناولت أهمية الحِرف والمهن ودورها في بناء الحضارة وتنمية المجتمعات، في رؤية تربط الدين بالتنمية والنهضة الإنسانية.
توسيع التعاون لخدمة المجتمع المسلم في بولندا
ناقش الجانبان إمكانية تنظيم فعاليات علمية وثقافية مشتركة في العاصمة البولندية وارسو، تشمل ندوات ولقاءات فكرية بمشاركة علماء ومفتين، بهدف تقديم الصورة الصحيحة للإسلام وتعزيز الحوار الحضاري داخل المجتمع الأوروبي.
كما أشاد مفتي بولندا بالتعاون القائم مع وزارة الأوقاف المصرية في إيفاد الأئمة خلال شهر رمضان، معربًا عن تطلع الجانب البولندي إلى توسيع هذا التعاون مستقبلًا عبر استضافة مزيد من الأئمة والقراء المؤهلين لخدمة المساجد والمراكز الإسلامية في البلاد.
وأكد الوزير استعداد الوزارة لتلبية احتياجات المجتمع المسلم في بولندا من الأئمة والقراء المؤهلين، بما يعكس سماحة الإسلام واعتداله ويعزز حضور الخطاب الديني المتوازن.
ستة قرون من الوجود الإسلامي في بولندا
تطرقت المباحثات أيضًا إلى تاريخ الوجود الإسلامي في بولندا الممتد لأكثر من ستمائة عام، حيث استعرض مفتي البلاد جهود المجتمع المسلم في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية، وصيانة المساجد التاريخية والأوقاف الإسلامية وتوثيق الإرث الإسلامي داخل بولندا وخارجها.
كما تناول اللقاء واقع المسلمين في البلاد وما يتمتعون به من حقوق دستورية وقانونية تكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية وإدارة المؤسسات الإسلامية، في إطار علاقة مستقرة تقوم على الاحترام والثقة المتبادلة بين الدولة البولندية والمؤسسات الإسلامية.
وتعكس هذه الزيارة أهمية متزايدة للتعاون الإسلامي الأوروبي مع المؤسسات الدينية الكبرى في العالم الإسلامي، كما تؤكد سعي الجانبين إلى بناء شراكات طويلة الأمد تسهم في دعم الاعتدال وتعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات.
