محاضرات وعروض مرئية ومعرض متنقل عن «المساجد وأماكن الصلاة في بولندا» تقدم التراث الإسلامي التتري باعتباره جزءًا من التاريخ الثقافي للمجتمع البولندي

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في منطقة ارتبطت منذ قرون بتاريخ التتار المسلمين في بولندا، اجتمع جمهور متنوع أمام الصور والخرائط والمساجد والمقابر وشواهد التراث الإسلامي؛ في مشهد ينقل التراث من الوثائق والأرشيف إلى مساحة مفتوحة للتعريف والمعرفة والتواصل.
ومن المحاضرة والصورة والخريطة إلى المسجد والمقبرة، تتكامل أدوات مختلفة لتقديم تاريخ المسلمين التتار للجمهور، وربط شواهد وجودهم المادي بالتراث الثقافي للمكان الذي استقروا فيه وتوارثت أجيالهم الحياة فيه.
ستة قرون من الحضور.. وثلاثة في بودلاسكي
يمتد تاريخ التتار المسلمين في أراضي الكومنولث البولندي الليتواني التاريخية إلى أواخر القرن الرابع عشر، أي إلى أكثر من ستة قرون، قبل أن تنتقل مجموعات منهم في القرن السابع عشر إلى مناطق تقع اليوم في شمال شرقي بولندا.
وفي عام 1679 منح الملك يان الثالث سوبيسكي أراضي لجنود من الوحدات التترية مقابل مستحقات مالية متأخرة، فاستقرت مجموعات منهم في بوهونيكي ومناطق أخرى، فيما ارتبط استقرار تتري آخر بكروشينياني، لتصبح هذه المنطقة عبر أكثر من ثلاثة قرون من أبرز مواطن التراث الإسلامي التتري في بولندا.
وهكذا، فإن النشاط الثقافي المعاصر في بوهونيكي لا يجري في مكان اختير عرضًا، وإنما في بيئة تحمل شواهد حية على قرون من تاريخ المجتمع المسلم التتري، وفي مقدمتها المسجد والمقبرة الإسلامية.
بوهونيكي.. التاريخ يعود إلى جمهوره
فقد شهدت بوهونيكي في إقليم بودلاسكي، في 29 سبتمبر 2026، فعالية بعنوان «المساجد والمقابر الإسلامية في وسط وشرق أوروبا»، خُصصت للتعريف بالتراث الإسلامي والتتري وبالثراء الثقافي والتاريخي للمنطقة.
وأدار اللقاء مفتي جمهورية بولندا توماش ميشكيفيتش، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى للاتحاد الديني الإسلامي في جمهورية بولندا، فيما قدم الدكتور ميخال لاشتشكوفسكي وشيمون لينارتشيك قصصًا وحقائق وتحليلات حول التراث التتري.
وتكتسب إقامة الفعالية في بوهونيكي دلالة خاصة؛ فمسجدها ومقبرتها الإسلامية من أبرز الشواهد على استقرار التتار المسلمين في المنطقة منذ القرن السابع عشر، وعلى تاريخ مجتمع مسلم أصبح حضوره جزءًا من المشهد الديني والثقافي لبودلاسكي.
المقابر تتحدث.. حين تحفظ الأرض الذاكرة
وحضرت المقابر الإسلامية التترية بوضوح في المواد المقدمة خلال اللقاء؛ إذ استخدمت العروض الصور والخرائط والمواد التوثيقية للتعريف بهذه المواقع وقراءة ما تحمله من شواهد على تاريخ المسلمين التتار.
وتكشف هذه المقابر، إلى جانب المساجد، جانبًا مهمًا من التراث المادي للمجتمع المسلم التتري؛ فهي لا تسجل أسماء من عاشوا ورحلوا فحسب، وإنما تحفظ ذاكرة أجيال استقرت على هذه الأرض، وأقامت مؤسساتها الدينية والاجتماعية، وتركت معالمها في المكان.
من بياليستوك إلى بوهونيكي..
معرض يحمل التراث والمعرفة
وتزامن النشاط مع عرض «المساجد وأماكن الصلاة في بولندا»، وهو مشروع توثيقي أعده الاتحاد الديني الإسلامي في جمهورية بولندا والمجلس الإسلامي الأعلى في سياق الاحتفاء بمئوية تأسيس الاتحاد، الذي يعود تأسيسه إلى عام 1925.
ويتكون المعرض من ثماني لوحات تنتقل بالزائر من المساجد الخشبية التاريخية في بوهونيكي وكروشينياني إلى مساجد ومراكز وأماكن صلاة معاصرة في بياليستوك وغدانسك ووارسو وسوخوفولا، مقدمة صورة تجمع بين الجذور التترية التاريخية والتنوع الذي يميز المجتمع المسلم في بولندا اليوم.
وأُنجزت مادة المعرض في بياليستوك عام 2026، وأعدت نصوصه باربرا بافليتش-ميسكيفيتش، وتولى موسى تشاخوروفسكي التحرير والمراجعة، وجوستينا رودزينسكا-ناير الترجمة إلى الإنجليزية، فيما تولت AliusMedia.pl التصميم الجرافيكي، بدعم من منحة وزير الداخلية والإدارة البولندي.
وبعد أن سبق عرض المعرض في بياليستوك في محيط المسجد، ظهر لاحقًا في بوهونيكي، لتصل تجربة التوثيق البصري إلى واحدة من أهم البيئات التاريخية المرتبطة بالتتار المسلمين في بولندا.
داخل القاعة رواية..
وفي الخارج صورها وشواهدها
وفي بوهونيكي تكامل مساران للتعريف بالتراث؛ ففي قاعة اللقاء حضرت المحاضرات والعروض والصور والخرائط، بينما قدم معرض «المساجد وأماكن الصلاة في بولندا» في الخارج جانبًا آخر من القصة عبر التوثيق البصري.
وبهذا اتسعت زاوية النشاط من المساجد والمقابر الإسلامية في وسط وشرق أوروبا إلى خريطة للمساجد وأماكن الصلاة داخل بولندا، ومن المواقع التترية التاريخية إلى المؤسسات الإسلامية المعاصرة، في قراءة تربط الماضي بالحاضر دون أن تفصل أحدهما عن الآخر.
مئوية تأسيس الاتحاد الاسلامي..
وذاكرة أقدم بستة قرون
ويمنح سياق مئوية الاتحاد الديني الإسلامي هذه الأنشطة بعدًا أوسع؛ فمعرض «المساجد وأماكن الصلاة في بولندا» أُعد في سياق مرور مئة عام على تأسيس الاتحاد، ليصبح التوثيق البصري إحدى وسائل استعادة تاريخ المؤسسة والمجتمع المسلم وربط الماضي بالحاضر.
لكن الذاكرة التي يستعيدها المعرض أقدم كثيرًا من عمر المؤسسة؛ فالمئوية تؤرخ لقرن من العمل المؤسسي المنظم، بينما تمتد جذور التتار المسلمين في المجال التاريخي البولندي إلى أكثر من ستة قرون، ويعود استقرارهم في بوهونيكي إلى عام 1679.
ومن بياليستوك إلى بوهونيكي، ومن اللوحات إلى المحاضرات، ومن المسجد إلى المقبرة، تتشكل صورة لمسار يسعى إلى حفظ التراث بالتوثيق والتعريف، وتقديم التراث الإسلامي التتري للأجيال المعاصرة باعتباره جزءًا حيًا من التاريخ الثقافي لبولندا.
ـ المصدر: الاتحاد الديني الإسلامي في جمهورية بولندا، ومصادر بولندية رسمية وتوثيقية.
