رغم محدودية العدد وتنوع الجنسيات..
المسلمون يبنون مجتمعًا متماسكًا ويحافظون على هويتهم

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في قلب شرق آسيا، حيث تُعرف تايوان بتقدمها الصناعي والتكنولوجي، يواصل المجتمع المسلم ترسيخ حضوره بهدوء وثبات، مستندًا إلى شبكة متنامية من المساجد والمؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية التي أسهمت في الحفاظ على الهوية الإسلامية وتعزيز اندماج المسلمين في المجتمع.
ورغم أن المسلمين يشكلون أقلية، فإنهم نجحوا في بناء تجربة متوازنة تجمع بين الاعتزاز بالدين والانفتاح على محيطهم، لتغدو تايوان واحدة من النماذج اللافتة للمجتمعات المسلمة في شرق آسيا.
الإسلام والمسلمون في تايوان
وفي هذا السياق، يُقدَّر عدد المسلمين في تايوان بنحو 300 ألف مسلم، بينهم أقل من 50 ألفًا من المواطنين التايوانيين، بينما يشكل المسلمون الوافدون من إندونيسيا والهند وباكستان وبنغلاديش وميانمار ودول آسيوية أخرى النسبة الأكبر من المجتمع المسلم. وقد بدأ الوجود الإسلامي الحديث مع وصول المسلمين القادمين من البر الصيني في منتصف القرن العشرين، قبل أن يتوسع المجتمع المسلم تدريجيًا مع الهجرات المتعاقبة واعتناق عدد من التايوانيين للإسلام.
ورغم تنوع اللغات والثقافات والخلفيات، نجحت المؤسسات الإسلامية في جمع مختلف مكونات المجتمع المسلم تحت مظلة واحدة، وهو ما أسهم في ترسيخ روح التعاون والتكافل والحفاظ على الهوية الإسلامية.
المساجد… مراكز لبناء المجتمع
تمثل المساجد الركيزة الأساسية للحياة الإسلامية في تايوان، وفي مقدمتها مسجد تايبيه الكبير الذي يعد أبرز مؤسسة إسلامية في البلاد. ولم يعد دور المسجد مقتصرًا على إقامة الصلوات، بل أصبح مركزًا للتعليم والإرشاد والخدمات الاجتماعية واستقبال المسلمين الجدد، إلى جانب تنظيم الأنشطة الثقافية والبرامج الشبابية والمخيمات التعليمية.
كما تؤدي المساجد والمراكز الإسلامية في المدن الأخرى أدوارًا مماثلة، من خلال رعاية الأنشطة الدينية والاجتماعية، وتعزيز التواصل بين أبناء الجاليات المسلمة المختلفة، وتوفير بيئة تجمع المسلمين على اختلاف جنسياتهم.
التعليم… أولوية المجتمع المسلم
يحظى التعليم الإسلامي بمكانة خاصة داخل المجتمع المسلم في تايوان، إذ تنظر إليه المؤسسات الإسلامية بوصفه الضمان الحقيقي للحفاظ على الهوية الإسلامية وبناء الأجيال الجديدة. ولذلك توسعت المدارس الإسلامية الأسبوعية، وبرامج تعليم الأطفال والناشئة، والدورات الشرعية، والمخيمات الموسمية التي تجمع بين التربية والتعليم.
كما نجحت بعض البرامج التعليمية في إعداد معلمين ومتطوعين من أبناء المجتمع أنفسهم، بعدما كانوا طلابًا في هذه المدارس، وهو ما أوجد دورة مستمرة من التعليم والعطاء، وأسهم في استدامة العمل التربوي داخل المجتمع المسلم.
وفي الوقت نفسه، برز اهتمام متزايد بإثراء المحتوى الإسلامي باللغة الصينية، من خلال ترجمة الكتب والمراجع الإسلامية وتوفير مصادر معرفية موثوقة تخدم المسلمين الناطقين باللغة المحلية، ولا سيما المهتدين الجدد والشباب.
الدعوة والحوار والانفتاح
لا تقتصر رسالة المؤسسات الإسلامية في تايوان على خدمة المسلمين فحسب، بل تمتد إلى التعريف بالإسلام وتعزيز الحوار مع المجتمع. وتنظم المساجد والمراكز الإسلامية معارض ثقافية، وجولات تعريفية، وبرامج للحوار بين الأديان، كما تستقبل الوفود الرسمية والجامعات والمدارس والزوار الراغبين في التعرف إلى الإسلام.
وقد أسهمت هذه المبادرات في بناء جسور من الثقة والتفاهم، وإبراز الصورة الحضارية للإسلام، وترسيخ مكانة المساجد بوصفها مؤسسات مجتمعية مفتوحة أمام الجميع.
حياة يومية أكثر ملاءمة للمسلمين
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في الخدمات الموجهة للمسلمين، مع انتشار المطاعم الحلال، وتوفير المصليات في عدد من محطات النقل والمواقع السياحية والمرافق العامة، إلى جانب تطوير منصات إلكترونية تقدم معلومات عن المساجد، والمراكز الإسلامية، والمطاعم والفنادق الحلال، بما يسهل حياة المسلمين والمقيمين والزوار.
كما أصبحت المناسبات الإسلامية، وفي مقدمتها شهر رمضان وعيدا الفطر والأضحى، محطات سنوية تعزز التواصل بين أبناء المجتمع المسلم، وتشكل في الوقت نفسه فرصة لتعريف غير المسلمين بالثقافة الإسلامية من خلال الفعاليات المفتوحة والبرامج المجتمعية.
الحلال… من خدمة المجتمع إلى قطاع متنامٍ
بالتوازي مع تطور المجتمع المسلم، شهد قطاع الحلال في تايوان نموًا لافتًا، مع إنشاء هيئات متخصصة لاعتماد المنتجات الحلال، وتنظيم مؤتمرات إقليمية وفعاليات متخصصة، وتوسيع التعاون مع المؤسسات الآسيوية والدولية.
ولم يعد الاهتمام بالحلال مقتصرًا على الأغذية، بل امتد إلى السياحة والخدمات والمنتجات المختلفة، في إطار جهود تهدف إلى توفير بيئة أكثر ملاءمة للمسلمين، وتعزيز مكانة تايوان بوصفها وجهة صديقة للمسافرين المسلمين.
تحديات وآفاق المستقبل
ورغم ما تحقق من تطور في المؤسسات والخدمات، لا يزال المجتمع المسلم يواجه تحديات تتعلق بتوسيع برامج التعليم الإسلامي، وإعداد الكوادر العلمية والدعوية، وتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من المسلمين، إلى جانب مواصلة تطوير المؤسسات الدينية والخدمات المجتمعية.
وفي المقابل، تفتح بيئة الحرية الدينية واحترام التنوع في تايوان آفاقًا واعدة أمام المجتمع المسلم لمواصلة تطوير مؤسساته، وتعزيز حضوره، وترسيخ قيم الوسطية والانفتاح والحوار، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على خدمة أفراده.
وتعكس تجربة المسلمين في تايوان قدرة المجتمعات المسلمة الصغيرة على بناء مؤسسات فاعلة، وصناعة حضور إيجابي يقوم على العلم والعمل والتعاون والانفتاح. وبين المساجد والمدارس والمراكز الثقافية، يواصل المسلمون كتابة تجربة تنموية هادئة تؤكد أن الحفاظ على الهوية لا يتعارض مع الاندماج الإيجابي، بل يشكل أساسًا لمجتمع أكثر استقرارًا وحيوية.
المصدر: تقارير نُشرت على موقع «مسلمون حول العالم».

