رؤية جمالية حضارية للفن الإسلامي تكشف امتزاج روائع الطبيعة بزخارف التراث المعماري العثماني في سراييفو
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في فعالية علمية وثقافية ذات قيمة حضارية وتربوية لافتة، احتضنت مدرسة «الغازي خسرو بك» العريقة في سراييفو، يوم الخميس 9 أبريل 2026، ندوة فكرية نظمها طلاب المدرسة ضمن سلسلة «لقاءات مع…»، بعنوان «الإرث العثماني في سراييفو»، قدّمتها الأستاذة الفخرية الدكتورة دوبرافكا شوليان.
وركّزت الندوة على سؤال جوهري حول الكيفية التي تشكّلت بها هوية سراييفو عبر الأوقاف والمساجد والمدارس والسبل خلال الحقبة العثمانية، مع إبراز البعد الجمالي الذي مزج بين الطبيعة والفن الإسلامي في العمارة التاريخية للمدينة.
الهوية الحضارية
جاءت الندوة لتسلط الضوء على الدور المحوري الذي لعبته الأوقاف في نشأة سراييفو وتطورها العمراني والاجتماعي، بوصفها أحد أهم أسس بناء المدينة في العهد العثماني.
وأكدت المحاضِرة أن المساجد، والسبل، والجسور، والمدارس شكلت ملامح الهوية الحضارية للعاصمة البوسنية، وأسهمت في صياغة شخصيتها الثقافية والدينية التي لا تزال حاضرة في الذاكرة البصرية والمعمارية حتى اليوم.
الأوقاف ركيزة البناء والهوية
تناولت المحاضرة القيمة التاريخية للوقف باعتباره المحرك الأساسي لتأسيس المرافق الدينية والتعليمية والخدمية، مشيرة إلى أن هذه المعالم لم تكن مجرد منشآت معمارية، بل أدوات لبناء المجتمع وتعزيز روح التكافل والاستمرارية الحضارية.
كما جرى التوقف عند رمزية المساجد والمدارس في ترسيخ العلم والهوية، ودور السبل والجسور في خدمة المجتمع وربط أحيائه، بما يعكس الرؤية العمرانية المتكاملة في الحقبة العثمانية.
الفن الإسلامي وروائع الطبيعة
في أحد أبرز محاور الندوة، قدمت الأستاذة شوليان قراءة جمالية مميزة تربط بين الطبيعة والفن الإسلامي، من خلال إبراز حضور الزخارف النباتية والأنماط الزهرية في العمارة الإسلامية، خاصة في زخرفة المساجد والمعالم التاريخية.
وأوضحت أن هذه الزخارف تعكس رؤية حضارية عميقة تقوم على التوازن بين الإنسان والطبيعة والروح، بما يمنح العمارة الإسلامية في سراييفو بعدًا رمزيًا وجماليًا يتجاوز الجانب الشكلي.
قيمة تربوية يقودها الطلاب
تكتسب الفعالية أهمية إضافية لكونها نُظمت بمبادرة من طلاب مدرسة «الغازي خسرو بك»، إحدى أعرق المؤسسات التعليمية في البوسنة والهرسك، في مشهد يعكس وعي الجيل الجديد بأهمية استكشاف التراث وصون الذاكرة الحضارية.
ويبرز هذا الدور الطلابي انتقال الاهتمام بالتراث من الإطار الأكاديمي إلى المبادرات الشبابية، بما يعزز استمرارية الرسالة التعليمية والثقافية للمؤسسة.
خاتمة
تعكس هذه الندوة رسالة فكرية وتربوية عميقة تؤكد أن صون التراث لا يقتصر على حفظ المباني والمعالم، بل يمتد إلى فهم المعاني الحضارية التي صنعت هوية المدينة، ونقل هذا الوعي إلى الأجيال القادمة، ليبقى الإرث العثماني في سراييفو شاهدًا على تفاعل الدين والعلم والجمال والطبيعة في بناء المجتمع.
