بين الخبر والتوثيق..
رحلة بناء قاعدة معلومات عربية عن المجتمعات المسلمة عالميًا
بقلم: هاني صلاح ـ مؤسس موقع مسلمون حول العالم
بين مئات بل آلاف الأخبار والتقارير والترجمات والمتابعات التي نُشرت منذ انطلاق موقع «مسلمون حول العالم» في نوفمبر 2019، تشكلت بصورة تدريجية تجربة إعلامية متخصصة يصعب اختزالها في مفهوم الموقع الإخباري التقليدي. فعلى مدى أكثر من ستة أعوام ونصف العام، لم تقتصر المهمة على متابعة الأحداث اليومية، بل امتدت إلى توثيق مؤسسات وتجارب ومجتمعات إسلامية في عشرات الدول، كثير منها ظل لسنوات طويلة خارج دائرة المتابعة المنتظمة في الإعلام العربي.
في أرشيف الموقع تتجاور أخبار المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك مع برامج التعليم الإسلامي في بلغاريا، وتتقاطع تطورات المؤسسات الإسلامية في تتارستان مع أخبار المجالس الإسلامية في أوغندا، كما تلتقي تجارب المسلمين في اليابان وتايوان والفلبين وتايلاند مع أخبار الجاليات المسلمة في أوروبا والأمريكتين. ومع مرور الوقت لم تعد قيمة هذه المواد مرتبطة بالخبر الآني فقط، بل بما راكمته من معرفة ومعلومات وتوثيق لمسارات مجتمعات ومؤسسات امتدت متابعتها لسنوات.
وفي هذا السياق يطرح الواقع سؤالًا مشروعًا: هل نجحت هذه السنوات من العمل المتواصل في وضع أسس مرجعية إعلامية ومعلوماتية عربية متخصصة في شؤون المجتمعات المسلمة حول العالم؟ أم أن المشروع ما يزال في مرحلة بناء أدواته المعرفية؟ للإجابة عن هذا السؤال تبدو العودة إلى التجربة نفسها أكثر أهمية من إطلاق الأحكام أو الأوصاف.
فجوة معرفية سبقت انطلاق المشروع
عند إطلاق «مسلمون حول العالم» في نوفمبر 2019 لم تكن المشكلة الأساسية نقص الأخبار، بل غياب التغطية المنتظمة للمجتمعات المسلمة خارج نطاق الاهتمام الإعلامي التقليدي. فقد كان القارئ العربي يستطيع متابعة معظم التطورات السياسية والاقتصادية الدولية عبر عشرات المنصات الإعلامية، لكنه كان يجد صعوبة في الوصول إلى معلومات مستمرة حول واقع المؤسسات الإسلامية والتعليم الإسلامي والحياة الثقافية والاجتماعية للمسلمين في كثير من الدول.
لم تكن أخبار المدارس الإسلامية في بلغاريا، أو نشاط المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك، أو برامج المؤسسات الإسلامية في اليابان، أو تطورات المجتمعات المسلمة في تايوان والفلبين وأوغندا تحظى بمتابعة عربية منتظمة. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منصة متخصصة تجعل هذه المجتمعات محورًا دائمًا للتغطية، لا موضوعًا موسميًا يرتبط بالأزمات أو المناسبات الاستثنائية.
مجال تغطية يتجاوز الجغرافيا
منذ البداية لم يُبن المشروع على أساس جغرافي ضيق، بل على أساس نوعية المجتمعات التي يتابعها. ولذلك شملت التغطية الشعوب المسلمة الأصيلة في أوطانها التاريخية مثل مسلمي البوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفا وتتارستان، كما شملت الأقليات الإسلامية التاريخية في عدد من الدول، إضافة إلى الجاليات المسلمة المهاجرة في أوروبا والأمريكتين وأستراليا.
ومع توسع التغطيات عبر السنوات لم يعد الموقع يتابع الأحداث فقط، بل أصبح يوثق نشاط المؤسسات الإسلامية، وبرامج التعليم، والمبادرات المجتمعية، والمؤتمرات العلمية، والتحديات التي تواجه المسلمين، والتحولات التي تشهدها هذه المجتمعات.
ومن يراجع أرشيف الموقع سيجد مئات المواد المتعلقة بالمشيخات الإسلامية، ودور الإفتاء، والمجالس الإسلامية، والكليات الشرعية، والمدارس الإسلامية، والمراكز الثقافية في دول مختلفة، وهي موضوعات لا تحظى عادة بمساحات واسعة في الإعلام العربي العام.
كيف يتحول الخبر إلى معرفة؟
الخبر بطبيعته مرتبط باللحظة. أما المعرفة فترتبط بالتراكم.
وعندما تُنشر مادة واحدة عن مؤسسة إسلامية في دولة ما فإنها تقدم معلومة محدودة. لكن عندما تستمر متابعة المؤسسة نفسها لسنوات، وتوثق أنشطتها ومشروعاتها وتحولاتها، فإن الناتج النهائي يصبح أقرب إلى السجل التوثيقي منه إلى الخبر العابر. وهذا ما حدث تدريجيًا في تجربة «مسلمون حول العالم».
فالمتابعة المستمرة للمؤسسات الإسلامية في البلقان، والتعليم الإسلامي في بلغاريا، والهيئات الإسلامية في روسيا، والمجتمعات المسلمة في شرق آسيا وإفريقيا، أنتجت مع مرور الوقت رصيدًا كبيرًا من المعلومات المترابطة التي تساعد القارئ على فهم الواقع، لا مجرد معرفة ما حدث في يوم معين.
بين الموقع الإخباري والمشروع المرجعي
من المبكر القول إن «مسلمون حول العالم» أصبح مرجعية مكتملة بالمعنى الأكاديمي أو الموسوعي للكلمة. فالمرجعيات الكبرى تُبنى عادة عبر قواعد بيانات ضخمة، ودراسات ميدانية، وأعمال بحثية طويلة الأمد.
لكن في المقابل يصعب أيضًا النظر إلى التجربة باعتبارها مجرد موقع إخباري يومي.
فبعد أكثر من ستة أعوام ونصف العام من التغطية المتخصصة، أصبح لدى الموقع أرشيف واسع من المواد المتعلقة بالمجتمعات المسلمة في عشرات الدول، وأصبحت بعض الملفات والمؤسسات محل متابعة مستمرة تمتد عبر سنوات متتالية، وهو ما أوجد رصيدًا معرفيًا لا يتوافر بسهولة في مكان واحد باللغة العربية.
ولهذا ربما يكون التوصيف الأقرب إلى الواقع أن «مسلمون حول العالم» يسير على طريق بناء مرجعية إعلامية ومعلوماتية عربية متخصصة، مستندًا إلى التراكم والتوثيق والاستمرارية، لا إلى الادعاءات أو الشعارات.
المرحلة المقبلة
إذا كانت السنوات الماضية قد انشغلت بتأسيس الأرشيف وبناء التغطية المتخصصة، فإن المرحلة المقبلة تبدو مرتبطة بتحويل هذا الرصيد الكبير من المواد إلى معرفة أكثر تنظيمًا، عبر الملفات المرجعية، والدراسات، والموسوعات، والعمل الميداني المباشر داخل المجتمعات التي يتابعها الموقع.
وعندها فقط يمكن الانتقال من مرحلة توثيق الخبر إلى مرحلة إنتاج المعرفة المنظمة حول المجتمعات المسلمة عالميًا.
ففي النهاية لا تُبنى المرجعيات بقرار أو لقب، بل تتشكل عبر سنوات من العمل المتواصل، والدقة، والتراكم، والقدرة على حفظ الذاكرة وتقديمها للأجيال اللاحقة بصورة منظمة وموثقة.