المجلس الإسلامي الأعلى يرحب بالمبادرة ومؤسسة «مركز المهاجر» تدخل مسار التعاون المقترح.. تجربة تستحق المتابعة والاستفادة عالميًا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
كيف يمكن للجاليات التي تضم مسلمين ومسيحيين أن تحول تنوعها الديني إلى فرصة للتعاون المؤسسي، مع الحفاظ على خصوصية كل مكوّن وهويته؟ يبرز هذا السؤال في المجتمعات التي تتعدد فيها الانتماءات الدينية والثقافية، حيث تتزايد أهمية المبادرات التي تجمع القيادات المختلفة حول المصالح المشتركة، وتربط مؤسسات الجاليات بالمؤسسات الدينية الرسمية في البلدان المضيفة.
مبادرة تتجاوز حدود الجالية
وفي هذا السياق، استقبل مفتي أوغندا، فضيلة الشيخ الدكتور شعبان رمضان موباجي، سفيرة إثيوبيا لدى أوغندا، إتسيجينيت بيزابيه يمنو، بمقر المجلس الإسلامي الأعلى في كمبالا القديمة، يوم الأربعاء 4 نوفمبر 2026، حيث طرحت السفيرة مبادرة لتشكيل لجنة تضم القيادات الإسلامية والمسيحية للجالية الإثيوبية، بهدف تعزيز التواصل والتعاون بين مكوناتها الدينية، وفقًا لما نشره المجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا على صفحته الرسمية بتاريخ 4 نوفمبر 2026.
وتعتزم السفارة الإثيوبية تشكيل اللجنة بمشاركة ممثلين عن المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس والأنجليكان والكاثوليك والإنجيليين، في إطار يجمع قيادات دينية تنتمي إلى جالية وطنية واحدة، رغم اختلاف انتماءاتها الدينية.
وتبرز خصوصية المبادرة في انتقال فكرة التعاون بين الأديان إلى داخل الجالية نفسها، بحيث لا يقتصر التواصل على المؤسسات الدينية في الدولة المضيفة، وإنما يشمل أيضًا أبناء الجاليات الوافدة، بما يتيح لهم البحث عن مجالات مشتركة للعمل والتنسيق.
ورحب المفتي بالمبادرة، مستحضرًا تجربة المجلس المشترك بين الأديان في أوغندا، الذي يجمع القيادات الدينية المختلفة في إطار للتفاهم والتعاون، بما يقدم خلفية مؤسسية يمكن الاستفادة منها عند تطوير المبادرة الإثيوبية.
كما استعرض مشاركته في قيادة مبادرة القادة الدينيين الأفارقة من أجل السلام، إلى جانب رئيس الأساقفة الأنجليكاني ألبرت تشاما من زامبيا، في امتداد للتعاون بين القيادات الدينية على المستوى الإفريقي.
السفارة والمؤسسات الدينية.. أدوار متكاملة
وتكشف المبادرة عن أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به السفارات في تعزيز التواصل بين أبناء جالياتها، ليس من خلال الأنشطة الثقافية والوطنية وحدها، وإنما أيضًا عبر تشجيع القيادات الدينية المختلفة على بناء قنوات للحوار والتعاون.
وفي هذا الإطار، أكدت السفيرة أن تعزيز العلاقات الثقافية والدينية بين إثيوبيا وأوغندا يمثل جزءًا من مسؤولياتها الدبلوماسية، مشيرة إلى الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين، وإلى أن الإثيوبيين المقيمين في أوغندا يعتبرونها وطنهم الثاني.
واستعرضت بعض الأنشطة التي تعكس هذا التواصل، ومنها مهرجان ثقافي أُقيم في مدينة سوروتي الأوغندية، إلى جانب بدء السفارة تنظيم موائد إفطار رمضانية للمسلمين الإثيوبيين المقيمين في البلاد.
وتقدم هذه الأنشطة صورة عن مجالات عمل السفارة مع الجالية، بينما تضيف المبادرة المقترحة مسارًا جديدًا يقوم على جمع القيادات الإسلامية والمسيحية في إطار مشترك.
وفي المقابل، يمثل ترحيب المجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا بالمبادرة جانبًا آخر من النموذج، يتمثل في انفتاح المؤسسة الإسلامية الرسمية في الدولة المضيفة على التعاون مع الجاليات الوافدة ومؤسساتها الدينية.
واستعاد المفتي جانبًا من علاقاته بالمؤسسات الإسلامية الإثيوبية، مشيرًا إلى زيارته لإثيوبيا قبل نحو عشرين عامًا، ولقائه مفتيها الحالي خلال مؤتمر دولي عُقد مؤخرًا في العاصمة الروسية موسكو.
«مركز المهاجر».. حضور المؤسسة الإسلامية
وفي جانب يتصل بالدور الإسلامي داخل الجالية الإثيوبية، قدّمت السفيرة إلى المفتي فضيلة الشيخ محمد عمر حسين، زعيم المسلمين الإثيوبيين المقيمين في أوغندا، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة «مركز المهاجر» (Markaz Al-Muhajir Foundation).
وطلبت من مكتب المفتي التعرف إلى أنشطة المؤسسة وبحث فرص التعاون معها وسبل دعمها، كما وجهت إليه دعوة لزيارة مقرها في العاصمة كمبالا.
ورحب المفتي بتعزيز التعاون مع السفارة الإثيوبية والجالية المسلمة ومؤسسة «مركز المهاجر»، مؤكدًا استعداده للعمل المشترك معها في المجالات ذات الاهتمام المتبادل.
ويبرز حضور المؤسسة الإسلامية في اللقاء جانبًا مهمًا من المبادرة؛ فالتعاون بين المكونات الدينية للجالية لا يعني إلغاء دور المؤسسات الخاصة بكل مكوّن، بل يتيح لها الاحتفاظ بهويتها والعمل في مجالاتها، مع المشاركة في أطر أوسع للتواصل والتفاهم.
ومن هذه الزاوية، تقدم المبادرة الإثيوبية تصورًا يمكن أن تستفيد منه جاليات أخرى متعددة الأديان، يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: دور السفارة في جمع القيادات، ومشاركة المؤسسات الدينية للجالية، والتواصل مع المؤسسات الرسمية في الدولة المضيفة.
وتظل القيمة العملية لهذا التصور مرتبطة بالخطوات التي ستتخذها السفارة لتشكيل اللجنة، وتحديد اختصاصاتها ومجالات عملها، ثم بالأنشطة والنتائج التي يمكن أن تحققها مستقبلًا.
واختُتم اللقاء بتبادل الهدايا، أعقبته جولة للوفد الإثيوبي في المسجد الوطني بكمبالا، شملت الصعود إلى مئذنته والاطلاع على معالم العاصمة.
واقع المسلمين في أوغندا
تعود بدايات وصول الإسلام إلى أوغندا إلى عام 1844م، عبر التجار القادمين من اليمن وعُمان من خلال سواحل شرق إفريقيا، قبل أن يتوسع انتشاره تدريجيًا في مناطق البلاد.
وفي عام 1972م، تأسس المجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا، ليصبح المؤسسة الإسلامية الرسمية المعنية بشؤون المساجد والتعليم الإسلامي والإفتاء وتمثيل المسلمين أمام مؤسسات الدولة.
وتشير تقديرات المجلس إلى أن عدد المسلمين يتجاوز 15 مليون نسمة، بما يزيد على 25% من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 48 مليون نسمة.
ويتمتع المسلمون بحرية إقامة الشعائر وبناء المساجد وإدارة المدارس والمؤسسات الإسلامية، إلى جانب تنظيم شؤون الأحوال الشخصية عبر مؤسسات المجلس. كما شهد قطاع الصيرفة الإسلامية إقرار الأطر القانونية وبدء عمل أول مصرف إسلامي في البلاد.