من المشاركة في الانتخابات والفوز بمقاعد برلمانية إلى الحرمان من التصويت والترشح.. قانون الجنسية لعام 1982 والوثائق المؤقتة وبطاقات التحقق الوطني تكشف مسارًا طويلًا من تراجع الاعتراف القانوني والحقوق المدنية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
قد يحمل الإنسان وثيقة تثبت اسمه وصورته ومكان إقامته، لكنه يظل محرومًا من الاعتراف به مواطنًا في وطنه. وحين تفقد الأوراق الرسمية قدرتها على حماية الحقوق، تصبح الهوية قضية تتجاوز الوثائق إلى مستقبل الإنسان وأسرته، وعلاقته بالأرض التي عاش عليها أجداده.
من المواطنة إلى انعدام الجنسية
فقد نشرت وكالة أنباء أراكان (ANA) إنفوجرافًا توثيقيًا بعنوان «من مواطنين إلى بلا جنسية.. كيف فقد الروهينجا هويتهم؟»، استعرضت فيه المراحل التي مر بها مسلمو الروهينجا في ولاية أراكان، غربي ميانمار (بورما سابقًا)، منذ مشاركتهم في الحياة السياسية عقب استقلال البلاد عام 1948، مرورًا بقانون الجنسية لعام 1982، وصولًا إلى حرمان معظمهم من التصويت في الانتخابات العامة عام 2015.
وأبرزت الوكالة أن قضية الروهينجا لم تقتصر على فقدان الوثائق الرسمية، بل امتدت إلى تراجع الاعتراف القانوني بهم، وتقييد حقوقهم المدنية والسياسية، رغم مشاركتهم السابقة في الانتخابات والتمثيل البرلماني.
مشاركة سياسية سابقة
وأوضحت المادة أن الروهينجا شاركوا في الحياة العامة والسياسية بعد استقلال ميانمار عام 1948، وخاضوا الانتخابات وترشحوا للبرلمان في مراحل مختلفة.
وفي انتخابات عام 1990، فاز أربعة مرشحين من الروهينجا بمقاعد برلمانية، بينما شهدت انتخابات عام 2010 انتخاب ثلاثة منهم للبرلمان واثنين لحكومة ولاية أراكان.
وتكشف هذه الوقائع أن الروهينجا لم يكونوا غائبين عن المؤسسات السياسية في البلاد، بل مارسوا أشكالًا من المشاركة والتمثيل قبل أن تتراجع حقوقهم بصورة متزايدة.
قانون الجنسية والوثائق المؤقتة
وشكّل إصدار قانون الجنسية في ميانمار عام 1982 نقطة تحول رئيسية في وضع الروهينجا القانوني.
فقد قسّم القانون المواطنة إلى ثلاث فئات: المواطنة الكاملة، والمواطنة المرتبطة، والمواطنة بالتجنّس، بينما لم يُدرج الروهينجا ضمن القوميات الوطنية التي اعترف بها.
وأدى تطبيق القانون إلى حرمان أعداد كبيرة منهم من الجنسية، وترسيخ واقع انعدام الجنسية الذي انعكس لاحقًا على حقوقهم الأساسية.
ومع مرور السنوات، استُبدلت وثائق التسجيل التي كان يحملها كثير من الروهينجا بوثائق مؤقتة عُرفت باسم «البطاقات البيضاء».
ورغم أن هذه البطاقات لم تكن إثباتًا للمواطنة، فإنها أتاحت لحامليها بعض أشكال المشاركة السياسية، بما في ذلك التصويت في انتخابات عام 2010.
2015.. الحرمان من التصويت
وفي عام 2015، ألغت السلطات البطاقات البيضاء، ما أدى إلى فقدان حامليها حق التصويت.
وبحسب المادة التي نشرتها وكالة أنباء أراكان، حُرم معظم الروهينجا من المشاركة في الانتخابات العامة لذلك العام، كما مُنع مرشحون من الروهينجا من خوض الانتخابات.
وبذلك لم يعد تراجع الاعتراف القانوني مقتصرًا على وضع الجنسية والوثائق، بل امتد إلى الحق في المشاركة السياسية والتمثيل داخل مؤسسات الدولة.
بطاقات التحقق الوطني
وفي المرحلة التالية، طرحت السلطات بطاقات التحقق الوطني، غير أن الحصول عليها لم يكن يعني الاعتراف بحاملها مواطنًا.
فقد ارتبطت عملية التحقق بإثباتات وشروط مستمدة من قانون الجنسية لعام 1982، وسط اعتراضات من كثير من الروهينجا الذين رفضوا تسجيلهم باعتبارهم «بنغاليين»، بدلًا من الاعتراف بهويتهم بوصفهم من الروهينجا.
وأصبحت هذه البطاقات جزءًا من الجدل المستمر حول الاعتراف القانوني بالروهينجا، وما إذا كانت الإجراءات المعتمدة تتيح لهم استعادة حقوق المواطنة أم تُبقي وضعهم القانوني معلقًا.
انعدام الجنسية وفقدان الحقوق
ولم تتوقف تداعيات انعدام الجنسية عند الوثائق والانتخابات؛ إذ امتدت إلى جوانب أساسية من حياة الروهينجا، شملت حرية التنقل، والتعليم والعمل، والحصول على الخدمات، وتسجيل المواليد واستخراج الوثائق المدنية، فضلًا عن المشاركة السياسية.
وتوضح هذه المراحل كيف انتقلت قضية الروهينجا من تراجع الاعتراف القانوني إلى فقدان مجموعة مترابطة من الحقوق، حتى أصبح إثبات الهوية والحصول على الجنسية من القضايا المركزية التي تحدد علاقتهم بالدولة ومستقبل وجودهم في وطنهم.
وتكتسب الوقائع التي وثقتها وكالة أنباء أراكان أهمية خاصة لأنها تُظهر التناقض بين مشاركة الروهينجا السابقة في المؤسسات السياسية، وبين حرمانهم لاحقًا من الحقوق المرتبطة بالمواطنة.
فالقضية لا تتعلق فقط بوثائق أُلغيت أو بطاقات استُبدلت بأخرى، وإنما بمسار قانوني وسياسي أثّر في الاعتراف بهوية مجتمع مسلم عاش في أراكان عبر أجيال، وأصبحت استعادة حقوقه المدنية والسياسية مرتبطة بمعالجة وضعه القانوني والاعتراف بمواطنته.
المصدر: وكالة أنباء أراكان (ANA)






