مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ميانمار.. من هم الروهينجا وكيف تحولت أزمة الجنسية والحقوق إلى عقود من العنف والنزوح واللجوء؟

من النزوح الجماعي عام 1978 إلى قانون الجنسية في 1982.. محطات مبكرة دفعت مسلمي أراكان نحو واحدة من أعقد وأطول أزمات انعدام الجنسية واللجوء في العالم

2017 لم يكن بداية المأساة بل أكبر موجاتها.. فقدان الجنسية فتح الباب أمام الحرمان من الحقوق وتكرار النزوح ودفع مئات الآلاف من الروهينجا إلى بنغلاديش

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

لم تبدأ مأساة الروهينجا عند الحدود، ولم يكن اللجوء هو أصل الأزمة. فقبل أن تحمل الأسر أطفالها وتعبر إلى بنغلاديش، كانت هناك رحلة أخرى أشد عمقًا بدأت بفقدان الاعتراف القانوني بهم وما تبعه من تآكل للحقوق التي تربط الإنسان بوطنه.

وعلى مدى عقود، تراكمت حلقات الأزمة؛ من النزوح والعنف إلى انعدام الجنسية والقيود على الحقوق، حتى أصبح مئات الآلاف من الروهينجا بعيدين عن أراكان، بينما بقيت الأسباب التي دفعتهم إلى الرحيل قائمة.

ولفهم كيف وصلت الأزمة إلى هذه المرحلة، لا تكفي العودة إلى أحداث عام 2017 وحدها؛ بل ينبغي العودة إلى ما سبقها بعقود.

من هم الروهينجا؟

الروهينجا مسلمون يعيشون منذ قرون في ولاية أراكان في غرب ميانمار (بورما سابقًا)، وارتبط وجودهم بالمنطقة عبر أجيال طويلة، قبل أن تؤدي عقود من الصراعات والسياسات التمييزية وموجات العنف إلى اقتلاع أعداد كبيرة منهم من موطنهم.

وتقع أراكان على الساحل الغربي لميانمار بمحاذاة بنغلاديش، وهو ما جعل الأخيرة الوجهة الأقرب لموجات الفارين من الولاية كلما تصاعد العنف.

لكن أزمة الروهينجا لم تعد مع مرور السنوات قضية نزوح أو صراع أمني فحسب؛ إذ أصبحت الجنسية والمواطنة وحرية الحركة والتعليم والعمل والحصول على الخدمات والأرض والعودة أجزاء مترابطة من أزمة واحدة.

1978.. النزوح سبق سحب الجنسية

قبل نحو أربعة عقود من موجة النزوح الكبرى التي شاهدها العالم عام 2017، كان الروهينجا قد بدأوا بالفعل رحلة النزوح الجماعي.

ففي عام 1978، أدت حملة عسكرية في أراكان إلى فرار أعداد كبيرة منهم عبر الحدود إلى بنغلاديش، في واحدة من أولى موجات النزوح الجماعي الكبرى في تاريخ الأزمة الحديث.

وكشفت تلك الموجة مبكرًا عن نمط سيتكرر لاحقًا: يتصاعد الضغط والعنف داخل أراكان، فيغادر الروهينجا إلى بنغلاديش، ثم تمر السنوات من دون معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى الرحيل.

لكن بعد أربع سنوات فقط، وقعت نقطة تحول ستصبح من أهم مفاتيح فهم ما جرى بعد ذلك.

1982.. عندما أصبحت الجنسية قلب الأزمة

شكّل قانون الجنسية الصادر عام 1982 محطة مفصلية في تاريخ الروهينجا؛ إذ حرمهم من الاعتراف بهم كمواطنين، ودفع أعدادًا كبيرة منهم إلى واقع انعدام الجنسية.

ومن هنا تغيرت طبيعة الأزمة.

فالجنسية لم تكن مجرد وثيقة رسمية يفقدها الإنسان، وإنما كانت بوابة إلى منظومة كاملة من الحقوق. ومع فقدانها، أصبح الروهينجا أكثر عرضة للقيود والحرمان في جوانب أساسية من حياتهم، من حرية الحركة والتعليم والعمل إلى الحصول على الخدمات وممارسة الحقوق المرتبطة بالمواطنة.

وهكذا انتقلت القضية إلى مستوى أعمق: لم يعد السؤال فقط كيف يعيش الروهينجا داخل أراكان، وإنما ما وضعهم القانوني في البلد الذي يعيشون فيه، وما الحقوق التي يستطيعون المطالبة بها في ظل غياب الاعتراف بمواطنتهم؟

من فقدان الجنسية إلى فقدان الحقوق

تكمن خطورة هذه المحطة في أن انعدام الجنسية لا يبقى مسألة قانونية معزولة عن الحياة اليومية.

فالإنسان الذي لا يتمتع باعتراف قانوني كامل بمواطنته يصبح أكثر عرضة للقيود التي تمس تعليمه وعمله وتنقله وحصوله على الخدمات ومستقبله ومستقبل أبنائه.

ومع مرور الوقت، تراكمت آثار هذا الوضع على أجيال من الروهينجا، وأصبحت أزمة الجنسية نقطة تتقاطع عندها معظم القضايا الأخرى التي ظهرت لاحقًا: الحقوق، والأمان، والنزوح، واللجوء، ثم السؤال الأصعب المتعلق بإمكانية العودة.

ولهذا فإن فهم مأساة الروهينجا من زاوية العنف وحده يقدم جزءًا من الصورة فقط؛ فخلف موجات النزوح المتعاقبة أزمة أعمق تتعلق بعلاقة الإنسان بوطنه وبالاعتراف القانوني بوجوده وحقوقه داخله.

1991 و1992.. النزوح يتحول إلى نمط متكرر

بعد أقل من عقد على قانون الجنسية، عادت موجات النزوح الواسعة.

ففي عامي 1991 و1992، دفعت عمليات عسكرية وانتهاكات واسعة أعدادًا كبيرة جديدة من الروهينجا إلى مغادرة أراكان واللجوء إلى بنغلاديش.

وهنا لم تعد موجة عام 1978 تبدو حادثًا منفردًا؛ فقد بدأت الأزمة تأخذ شكل دائرة تتكرر: ضغط وعنف، ثم نزوح، ثم انتظار، وعودة بعض اللاجئين، بينما تبقى جذور المشكلة من دون حل.

ومع كل دورة جديدة، كانت أسر أخرى تجد نفسها موزعة بين وطن تتقلص فيه مساحة الحقوق والأمان، ومخيمات لجوء يفترض أن تكون مؤقتة لكنها بدأت تتحول إلى واقع طويل الأمد.

2012.. النزوح يصل إلى الداخل

وفي عام 2012، شهدت أراكان موجة جديدة من العنف أدت إلى تهجير عشرات الآلاف.

وأظهرت هذه المرحلة أن الاقتلاع لم يعد مرتبطًا فقط بالعبور إلى بنغلاديش؛ إذ وجد مزيد من الروهينجا أنفسهم نازحين داخل الولاية نفسها، إلى جانب الذين غادروها خلال موجات سابقة.

وهكذا اتسعت خريطة الأزمة: لاجئون خارج البلاد، ونازحون داخلها، ومجتمع يعيش تحت قيود مرتبطة بوضعه القانوني وحقوقه الأساسية.

كانت عناصر الأزمة تتراكم، بينما بقيت القضية المركزية المتعلقة بالمواطنة والحقوق والأمان بلا حل.

2017.. الانفجار الأكبر وليس البداية

في أغسطس/آب 2017، وصلت الأزمة إلى أكثر مراحلها شهرة عالميًا، عندما أدت العمليات العسكرية والعنف في أراكان إلى فرار أكثر من 740 ألف شخص إلى بنغلاديش.

وخلال فترة قصيرة، عبر مئات الآلاف الحدود، وانضموا إلى الروهينجا الذين وصلوا إلى بنغلاديش في موجات نزوح سابقة، لتتحول المخيمات إلى موطن مؤقت لأعداد هائلة من الأسر.

ومنذ ذلك الوقت ارتبط عام 2017 في الوعي العالمي بمأساة الروهينجا.

لكنه لم يكن بداية المأساة.

فقد سبقه نزوح 1978، ثم جاءت نقطة التحول المتعلقة بالجنسية عام 1982، وتلتها موجة 1991 و1992، ثم أحداث 2012.

وما انفجر في 2017 كان نتيجة أزمة تراكمت عناصرها على مدى عقود، حتى وصلت إلى أكبر موجة نزوح في تاريخ الروهينجا الحديث.

حين يصبح اللجوء أزمة أجيال

غيّرت موجة 2017 حجم الأزمة، لكنها لم تغير جوهر الأسئلة التي تقف وراءها.

فقد وجد مئات الآلاف من الروهينجا أنفسهم في مخيمات بنغلاديش، وبقي آخرون داخل أراكان في ظروف أمنية وإنسانية معقدة، فيما انتشر آخرون في بلدان مختلفة بحثًا عن الأمان.

ومع امتداد سنوات اللجوء، لم تعد القضية تخص فقط الجيل الذي غادر قراه ومنازله؛ فقد نشأت أجيال جديدة بعيدًا عن موطن أسرها، بينما ظلت العودة مرتبطة بحل القضايا التي كانت في قلب الأزمة منذ عقود.

وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين بداية الأزمة ومأزقها الحالي: فعودة اللاجئ لا تعني فقط عبور الحدود في الاتجاه المعاكس، وإنما تطرح أسئلة المواطنة والأمان والحقوق وحرية الحركة والأرض والحياة التي سيعود إليها.

من سحب الجنسية إلى استحالة العودة.. أزمة تبحث عن حل!

تكشف رحلة الروهينجا منذ 1978 أن المأساة لم تُصنع في يوم واحد، ولم تنتج عن واقعة منفردة.

بدأ النزوح الجماعي مبكرًا، ثم جاءت أزمة الجنسية لتضع الحقوق والمواطنة في قلب القضية، وبعدها توالت موجات العنف والاقتلاع حتى وقع الانفجار الأكبر عام 2017.

ولهذا أصبحت أزمة الروهينجا واحدة من أعقد وأطول أزمات انعدام الجنسية واللجوء؛ لأن المشكلة لم تعد فقط في وجود مئات الآلاف بعيدًا عن وطنهم، وإنما في الشروط التي تجعل العودة إلى ذلك الوطن ممكنة وآمنة ومستدامة.

فالعودة الحقيقية لا تنتهي عند الحدود، ولا يمكن فصلها عن استعادة الحقوق والأمان والاعتراف القانوني والقدرة على استئناف الحياة.

وهنا تقودنا أزمة الجنسية إلى سؤال آخر لا يقل صعوبة:

فخلف اللاجئين الذين ينتظرون العودة أرض وقرى ومنازل تركوها وراءهم في أراكان.

فماذا حدث لأرض الروهينجا بعد رحيلهم؟ ومن يسيطر عليها اليوم؟ وماذا بقي من قراهم؟ وإلى ماذا سيعود مئات الآلاف إذا فُتح أمامهم يومًا طريق العودة؟

هذا هو ملف التقرير الثاني من سلسلة «الروهينجا.. أزمة تبحث عن حل».

ـ المصدر: أرشيف موقع مسلمون حول العالم

التخطي إلى شريط الأدوات