مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في زيارة تتجاوز إطار البروتوكول الأكاديمي المعتاد، استقبلت كلية الدراسات الإسلامية بجامعة سراييفو وفدًا من مؤسسة «نيدا ترست» إلى جانب عدد من القيادات الإسلامية ومديري المؤسسات التعليمية والعلماء من المملكة المتحدة، في مشهد يعكس اهتمامًا متزايدًا بدراسة النموذج البوسني في التعليم الإسلامي وحفظ الهوية داخل السياق الأوروبي.
ولم تأتِ هذه الزيارة في إطار المجاملة المؤسسية، بل في سياق بحث عملي عن تجربة أوروبية أصيلة نجحت في الحفاظ على الهوية الإسلامية، وتطوير المؤسسات التعليمية، وإعداد الكوادر الدينية في بيئة أوروبية معقدة، وهو ما يمنحها بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الزيارة الأكاديمية التقليدية.
البوسنة.. من متلقية للخبرة إلى مرجع أوروبي
تكمن أهمية هذه الزيارة غير المسبوقة في التحول الرمزي الذي تعكسه؛ إذ اعتادت كثير من المؤسسات في شرق أوروبا والبلقان أن تستفيد من الخبرات القادمة من الغرب الأوروبي، غير أن هذا المشهد ينقلب هنا بصورة لافتة.
فالوفد البريطاني جاء إلى سراييفو ليتعرف على تجربة البوسنة، ما يعني أن النموذج البوسني بات يُنظر إليه بوصفه مرجعًا أكاديميًا ومؤسسيًا يمكن الاستفادة منه في معالجة تحديات المجتمعات المسلمة في أوروبا.
خصوصية النموذج البوسني
ما يمنح هذه الزيارة البحثية قيمتها الفريدة هو خصوصية الحالة البوسنية نفسها؛ فالمجتمع المسلم في البوسنة والهرسك ليس جالية مهاجرة، بل مجتمع مسلم أصيل يعيش في أرضه التاريخية، وقد مر بتجارب استثنائية شملت فترات الحكم الشيوعي، والحرب، ومحاولات طمس الهوية، قبل أن ينجح في إعادة بناء مؤسساته التعليمية والدينية.
ولهذا فإن اهتمام الوفد البريطاني بهذه التجربة يعكس رغبة واضحة في فهم كيفية صيانة الهوية الإسلامية داخل أوروبا من خلال نموذج تاريخي حي وناجح، يجمع بين الأصالة والقدرة على التكيف مع الواقع الأوروبي المعاصر.
التعليم والشباب في قلب النقاش
ركزت الزيارة على رسالة كلية الدراسات الإسلامية في إعداد الكوادر العلمية للمشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك، إلى جانب مناقشة التحديات المعاصرة المتعلقة بالتعليم والعمل مع الشباب وبناء المؤسسات.
ومن هنا تتعزز دلالة هذه الزيارة في أن البوسنة لا تُقدَّم فقط كنموذج تاريخي، بل كخبرة معاصرة في إدارة التعليم الإسلامي الأوروبي وتكوين الأجيال الجديدة، بما يجعل سراييفو مركزًا مرجعيًا في هذا المجال.
دلالة الزيارة في السياق الأوروبي
تحمل هذه الزيارة بُعدًا أوروبيًا واسعًا، لأنها تكشف أن النقاش لم يعد محصورًا في الشأن المحلي البوسني، بل أصبح مرتبطًا بمستقبل المجتمعات المسلمة في أوروبا.
ومن هذه الزاوية، تتحول سراييفو إلى مركز فكري وتعليمي يستقطب الاهتمام الأوروبي، ويقدم نموذجًا متوازنًا في الجمع بين الهوية الإسلامية والانخراط في الواقع الأوروبي الحديث، مع الحفاظ على الخصوصية التاريخية والثقافية للمجتمع المسلم.
تحول النموذج البوسني إلى تجربة مرجعية
لا تعكس هذه الزيارة مجرد تواصل أكاديمي بين مؤسستين، بل تكشف تحول النموذج البوسني إلى تجربة مرجعية داخل أوروبا، يُنظر إليها بوصفها أحد أنجح النماذج في حفظ الهوية الإسلامية وبناء المؤسسات التعليمية للأجيال القادمة.
ـ المصدر: كلية الدراسات الإسلامية بجامعة سراييفو



