مسلمون حول العالم ـ متابعات
بقلم الدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المقيم في لندن
في زوايا الذاكرة الثقافية العربية تبقى بعض الكتب الصغيرة شاهدًا على لحظات تاريخية كبرى، إذ قد تغيب عن التداول سنوات طويلة، لكنها لا تفقد قيمتها المعرفية والإنسانية. ومن بين هذه الأعمال يبرز كتاب «المسلمون بين المطرقة والسندان» للدكتور سعد عبد العزيز مصلوح، ذلك العمل الذي تناول مبكرًا أوضاع المسلمين في الاتحاد السوفيتي، في وقت كانت فيه هذه القضية بعيدة عن اهتمامات كثير من القراء في العالم العربي.
ويستهل المؤلف كتابه بعبارة شديدة الدلالة والصدق الوجداني، يقول فيها: «حين نتناول بالحديث قضية المسلمين السوفييت والواقع الذي يعيشونه الآن تحت حكم السلطة السوفيتية لا يستطيع أي منا أن ينسى أنه مسلم وأنهم مسلمون، وأن رباطًا غلابًا من الحب والمودة والرحمة يصل بينه وبينهم مهما تناءت الديار». ومن هذه العبارة ينطلق الكتاب جامعًا بين الحس الإنساني والرؤية العلمية.
من ذاكرة القراءة الأولى إلى إعادة الاكتشاف
يستعيد كاتب المقال لحظة تعرفه الأولى على اسم الدكتور سعد مصلوح، حين وقع بصره عليه في القسم الأدبي لإحدى المجلات الإسلامية العامة، وهو لا يزال طالبًا في كلية الطب بجامعة القاهرة. ثم كانت المصادفة الأبرز حين وجد الكتاب نفسه في معرض للكتاب أقيم داخل الكلية أو الجامعة، فاقتناه بدافع اهتمامه المبكر بأحوال أمة الإسلام، ولا سيما المجتمعات المسلمة في المناطق البعيدة عن العالم العربي. هذا الارتباط الشخصي بالكتاب منح القراءة الحالية بعدًا مختلفًا، إذ لم تعد مجرد مراجعة لنص قديم، بل إعادة اكتشاف لعمل حافظ على راهنيته بعد مرور أكثر من أربعة عقود على صدوره.
سعد مصلوح.. عالم اللغة واللسانيات
عند صدور الكتاب عام 1400هـ الموافق 1980م، كان الدكتور سعد عبد العزيز مصلوح لا يزال مدرسًا لعلم اللغة في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وكان في السابعة والثلاثين من عمره.
تخرج في كلية دار العلوم عام 1963، ثم حصل على درجة الماجستير عام 1968 في دراسة صوتية للهجات المنيا، وهي محافظته الأصلية، في ضوء الجغرافيا اللغوية. وبعد ذلك نال الدكتوراه باللغة الروسية من معهد بلدان آسيا وإفريقيا التابع لجامعة موسكو عام 1975، في تخصص الصوتيات المختبرية، حول «الأسس الأكوستيكية للقافية في الشعر العربي». ويمثل هذا التكوين العلمي، إلى جانب إجادته الروسية واطلاعه المباشر على البيئة السوفيتية، أحد أهم عناصر قوة الكتاب ومنهجيته.
كتاب صغير.. موضوع كبير
جاء الكتاب في 112 صفحة فقط، لكنه تناول قضية ذات أبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية وفكرية شديدة التشعب. ويقول المؤلف في مقدمته: «وغني عن البيان أن قضية الإسلام والمسلمين في الاتحاد السوفيتي ذات أبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية وفلسفية متشعبة، وأن رسالة صغيرة الحجم كهذه لا تزعم لها قدرة على الوفاء بكل جوانب الموضوع». هذه العبارة تكشف وعيًا منهجيًا واضحًا بحدود العمل، وفي الوقت نفسه تؤكد طموحه إلى تقديم قراءة موضوعية موثقة.
الجذور التاريخية للأزمة
يتوزع الكتاب على خمسة فصول، جاء أولها بمثابة تمهيد تاريخي واسع، تناول فيه المؤلف دخول الإسلام إلى تلك البقاع منذ القرن السابع الميلادي، ثم انقسام المسلمين إلى ممالك متناحرة، بالتوازي مع نشأة دولة الروس في القرن العاشر واعتناقها المسيحية.
ويمضي الفصل في تتبع تنامي القوة الروسية، ثم الغزو المغولي، وإسلام المغول، ثم استفاقة الروس واستغلالهم ضعف الممالك الإسلامية، وصولًا إلى ما فعله القياصرة، ثم الثورة الشيوعية وما تبعها من حركات مقاومة وثورات محلية. هذا الفصل يكشف قدرة لافتة على الربط بين التاريخ البعيد والتحولات السياسية الحديثة.
منهجية علمية في قراءة الواقع
في الفصول من الثاني إلى الرابع، يلتزم المؤلف بمنهجية واضحة تقوم على الوثائق والتحليل، ويصرح بذلك بقوله إن محاولة الوصول إلى كلمة موضوعية عبر تأمل الوثائق يقلل إلى حد كبير من خطر الأحكام الذاتية وسيطرة انفعالات الحب والكراهية.
في الفصل الثاني تناول حق تقرير المصير للشعوب والدول المسلمة التي خضعت للحكم السوفيتي، موضحًا كيف تباعدت الشعارات الثورية الأولى عن الواقع الفعلي على الأرض. أما الفصل الثالث فتناول قضية حرية الضمير والدين، وكيف تحولت الوعود الأولى بحرية المعتقد إلى سياسات قيدت المؤسسات الدينية وأحكمت الرقابة عليها.
وجاء الفصل الرابع، الذي حمل عنوان «الفتنة أشد من القتل»، ليتناول أخطر مراحل الأزمة، حيث رصد حملات الإلحاد المنظم، ومحاولات تسفيه الدين والتدين في نفوس الأجيال المختلفة، من الأطفال إلى الشباب والنساء، بهدف اقتلاع الدين من المجتمع.
استشراف سبق الزمن
في الفصل الخامس والأخير، يقدم الدكتور سعد مصلوح قراءة مستقبلية لواقع المسلمين في الاتحاد السوفيتي، متناولًا أسباب ضعف استجابة المجتمعات المسلمة لحملات الإلحاد مقارنة بغيرها، وفي المقابل يحذر من استمرار الخطر، ويطرح أفكارًا عملية يمكن للأمة الإسلامية أن تقوم بها لحماية المسلمين في تلك المناطق. والمفارقة اللافتة أن الكتاب صدر قبل نحو عشر سنوات فقط من تفكك الاتحاد السوفيتي، وهو ما يمنحه اليوم قيمة استشرافية خاصة.
دروس لا تزال تتكرر
ورغم مرور ستة وأربعين عامًا على صدور هذا الكتاب، فإن كثيرًا من دلالاته لا تزال حاضرة، خاصة ما يتعلق باستغلال تشرذم المجتمعات المسلمة وتفرق الدول التي يعيش فيها المسلمون. إنه كتاب من الماضي في زمنه، لكنه لا يزال حيًا في معناه، لأن الأسئلة التي طرحها حول الهوية والدين والسلطة والتاريخ لم تغب عن واقعنا المعاصر. وفي هذا تكمن قيمة إعادة قراءة هذا العمل اليوم، ليس فقط بوصفه وثيقة تاريخية، بل باعتباره نصًا يضيء الحاضر من خلال قراءة دقيقة للماضي.
ـ المصدر: الدكتور مجدي سعيد / مراجعة كتاب «المسلمون بين المطرقة والسندان» للدكتور سعد عبد العزيز مصلوح