مدينة الجنوب الألباني نموذج حي يثبت أن التنوع يتحول إلى هوية مستقرة عبر الزمن
خاص بـ/مجلة رابطة العالم الإسلامي ـ هاني صلاح **
في واحدة من أندر التجارب الإنسانية في أوروبا، تقدّم مدينة بيرات الواقعة في جنوب ألبانيا نموذجًا حيًا للتسامح الديني بوصفه ممارسة تاريخية متجذّرة لدى الشعب الألباني في غرب البلقان، لا شعارًا حديثًا، حيث تتجسد قيم التعايش في تفاصيل العمران، وتروي الحجارة قصة مجتمع نجح في تحويل الاختلاف إلى حالة من الانسجام والاستقرار عبر قرون طويلة.
إدراج اليونسكو.. مدخل لفهم قيمة بيرات
لم يكن إدراج مدينة بيرات ضمن قائمة التراث العالمي المحمي لليونسكو عام 2008 مجرد اعتراف بقيمتها المعمارية، بل كان تأكيدًا دوليًا على خصوصية نموذجها الإنساني في التعايش الديني. فقد اعتُبرت المدينة مثالًا نادرًا يجمع بين الحفاظ على الطابع العمراني العثماني، المعروف بـ«مدينة الألف نافذة»، وبين تجربة تاريخية عميقة في إدارة التنوع الديني دون صراع.
ويشكّل هذا الإدراج مدخلًا مهمًا لفهم بيرات، ليس بوصفها موقعًا أثريًا فحسب، بل كحالة إنسانية متكاملة، حيث تتداخل الأديان والثقافات في نسيج واحد متوازن، ما يجعلها نموذجًا يُحتذى به في منطقة البلقان وأوروبا.
بيرات عبر العصور.. حين يصبح التاريخ وثيقة للتعايش
تُعد بيرات من أقدم المدن الألبانية، إذ يعود تاريخها إلى نحو 2400 عام، وقد تعاقبت عليها حضارات متعددة تركت بصماتها في نسيجها العمراني. غير أن القيمة الأبرز للمدينة لا تكمن في قِدمها فقط، بل في قدرتها على احتضان التعدد الديني داخل فضاء واحد، حيث تتجاور المساجد والكنائس في مشهد يعكس ثقافة اجتماعية قائمة على القبول والتعايش، دون صراع أو إقصاء.
ويمتد تاريخ بيرات عبر تسلسل حضاري متصل يبدأ من العصور الإيليرية قبل الميلاد، مرورًا بالعهد الروماني ثم البيزنطي، وصولًا إلى فترات حكم الإمبراطوريات البلقانية، ومنها الصربية، ثم العهد العثماني، وانتهاءً بالعصر الحديث، في مسار تاريخي متراكم لم يعرف الانقطاع أو الإلغاء، بل حافظ على جميع طبقاته الحضارية داخل فضاء واحد.
وعبر هذا الامتداد الزمني الطويل، لم تعرف بيرات القطيعة بين مراحلها التاريخية، بل عاشت حالة من التراكم الحضاري الهادئ، حيث أضافت كل حضارة طبقتها دون أن تمحو ما سبقها، وكأن المدينة ترفض فكرة الإلغاء وتؤمن بمنطق الاستمرارية.
ويُعد هذا التراكم نتيجة مباشرة لثقافة إنسانية راسخة، حيث لم تتحول التحولات الدينية أو السياسية إلى صراع يؤدي إلى هدم أو إقصاء، بل ظلّ الإرث المعماري محفوظًا بمختلف مكوناته، ولم يتعرض للتلف إلا بفعل الزمن وعوامله الطبيعية، لا بفعل الإنسان، وهو ما يمنح بيرات خصوصيتها الفريدة مقارنة بكثير من مدن المنطقة.
الجامع الأحمر.. شاهد على إسلام مندمج لا مُلغٍ
في قلب قلعة بيرات التاريخية، الواقعة على تلة تشرف على المدينة في جنوب وسط ألبانيا، تقف بقايا «الجامع الأحمر» بوصفها دليلًا معماريًا حيًا على مرحلة مبكرة من حضور الإسلام في المنطقة.
وتتجلى أهمية هذا المعلم في طرازه المختلف عن العمارة العثمانية اللاحقة، ما يعكس نشأة إسلام محلي تفاعل مع البيئة العمرانية القائمة بدل أن يفرض نفسه عليها، حيث أُقيم إلى جوار كنائس بيزنطية قائمة لم تُهدم، في صورة نادرة لتعدد ديني حافظ على توازنه داخل فضاء واحد.
ويمثّل «الجامع الأحمر» دليلًا معماريًا أعمق على جذور هذا التعايش، إذ يكشف اختلاف طرازه ومواد بنائه عن مرحلة تسبق اكتمال الحضور العثماني، ما يرجّح وجود نواة إسلامية مبكرة، سواء لمجتمع صغير أو لقوافل التجار، في إطار من التعايش مع المحيط الديني القائم، دون صدام أو إقصاء.
وتتأكد هذه الدلالة من سلوك العثمانيين لاحقًا، إذ اكتفوا في البداية بهذا المسجد داخل القلعة رغم وجود عدد كبير من الكنائس، ثم شيّدوا مسجدًا آخر بعد فترة دون أن يُحوّلوا أي كنيسة إلى مسجد، على الرغم من تحوّل غالبية السكان إلى الإسلام مع مرور الوقت.
بل إن بعض الكنائس خضعت للترميم والحفاظ، ما يعكس حساسية عالية تجاه تراث الآخر، ووعيًا راسخًا بأهمية صونه، لتقدّم بيرات نموذجًا نادرًا لمجتمع لم يقم على «إلغاء الآخر»، بل على حفظه.
الكنائس البيزنطية.. ذاكرة التسامح التي لم تُمحَ
تنتشر في بيرات كنائس تعود إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وتحتفظ بجداريات وأيقونات فنية محفوظة، ويبرز بينها متحف أونوفري بوصفه شاهدًا حيًا على استمرارية التراث المسيحي.
ويؤكد بقاء هذه الكنائس في مواقعها الأصلية أن التحولات التاريخية لم تتحول إلى سياسة إقصاء، بل حافظت على التعدد بوصفه جزءًا أصيلًا من هوية المدينة، في نموذج فريد لإدارة الاختلاف بهدوء واستمرارية.
وقد أسهم هذا الحرص العميق على حفظ التراث المسيحي داخل قلعة بيرات ومحيطها في صون كنوز دينية وثقافية نادرة، من أبرزها مخطوطتا «كوديكس بوربوريوس بيراتينوس» من القرن السادس الميلادي، و«كوديكس أورياس أنثيمي» من القرن التاسع الميلادي، وهما من أندر المخطوطات الإنجيلية في العالم، وقد أدرجتهما اليونسكو ضمن برنامج «ذاكرة العالم». كما يحتضن متحف أونوفري، الذي افتُتح عام 1986 داخل كاتدرائية «رقاد القديسة مريم»، مجموعة فريدة من الأيقونات التي تمتد من القرن الرابع عشر حتى التاسع عشر.
الحضور اليهودي.. ذروة التسامح حين يتحول إلى موقف إنساني
يرتبط الحضور اليهودي في بيرات بسياق تاريخي أوسع، حيث استقر اليهود في الأراضي الألبانية منذ أواخر القرن الخامس عشر بعد سقوط الأندلس، وانتقلوا عبر السواحل إلى مدن عدة، من بينها بيرات، حيث اندمجوا في النسيج الاجتماعي إلى جانب المسلمين والمسيحيين.
وتجلّت أعمق صور هذا التعايش خلال الحرب العالمية الثانية، حين قدّم الألبان نموذجًا استثنائيًا في أوروبا، إذ لم يكتفوا بحماية اليهود المقيمين، بل آووا أيضًا يهودًا فارين من دول أخرى، وأخفوهم في بيوتهم، ووفّروا لهم الحماية الكاملة رغم المخاطر.
هذا السلوك يعكس قيمة إنسانية راسخة في المجتمع الألباني تقوم على حماية الضيف وصون كرامته، وهو ما جعل هذه التجربة واحدة من أبرز نماذج التضامن الإنساني في التاريخ الحديث.
خاتمة: بيرات.. حين يصبح التسامح هوية
تقدّم بيرات تجربة إنسانية متكاملة تُثبت أن التعايش ليس استثناءً عابرًا، بل ثقافة راسخة وهوية مجتمعية. ففي هذه المدينة، لا يقف المسجد في مواجهة الكنيسة، ولا تُمحى ذاكرة الآخر، بل تتجاور المعالم وتتكامل لتصنع نموذجًا حيًا للعيش المشترك.
وهكذا، تؤكد بيرات أن التسامح حين يترسخ في الوعي والسلوك والعمران، لا يبقى فكرة نظرية، بل يتحول إلى تاريخ حي يُرى ويُعاش، وإلى تجربة إنسانية قادرة على إلهام العالم.
** كاتب صحفي ومؤسس موقع “مسلمون حول العالم” الالكتروني.





