حوار خاص لـ:(مسلمون حول العالم) مع الدكتور غزالي بن مد، العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية والقانون بجامعة فطاني، حول التطورات المتسارعة في مجال التعليم الإسلامي في تايلاند، ومشروع تحويل البلاد إلى مركز إقليمي للتعليم الإسلامي في جنوب شرق آسيا.
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
يرى الدكتور غزالي بن مد أن الموقع الجغرافي لتايلاند، وقوة بنيتها التحتية، وتطور قطاعي السياحة والرعاية الصحية، إلى جانب هامش الحرية السياسية والاقتصادية، ووجود مجتمع مسلم منظم وفاعل، كلها عوامل تجعل مشروع «المركز الإقليمي للتعليم الإسلامي» فرصة تاريخية حقيقية يمكن أن تضع تايلاند في موقع متقدم على خريطة التعليم الإسلامي في جنوب شرق آسيا.
ويؤكد أن الرؤية الجديدة لا تقوم فقط على توسيع التعليم الشرعي التقليدي، بل ترتكز على بناء نموذج إسلامي تطبيقي يجمع بين العلوم الشرعية والتخصصات المهنية والتقنية الحديثة، بما يعزز قدرة الخريجين على المنافسة في سوق العمل العالمي مع الحفاظ على هويتهم الإسلامية.
وفي هذا الحوار الخاص مع (مسلمون حول العالم) ، يتحدث الدكتور غزالي بن مد عن واقع التعليم الإسلامي في تايلاند، وأبرز التحولات التي شهدها خلال السنوات الماضية، والدوافع التي تقف خلف الرؤية الجديدة، إضافة إلى التحديات والفرص المرتبطة بهذا المشروع ومستقبله في المنطقة.
ـ بدايةً، نود التعريف بشخصكم الكريم ومسيرتكم الأكاديمية وأبرز اهتماماتكم العلمية؟
أنا الدكتور غزالي بن مد، من مواليد عام 1970م في سونكلا بتايلاند، ومتزوج وأب لثلاث بنات. حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه في الشريعة الإسلامية من جامعة الأمير سونكلا في تايلاند، وكانت رسالتي بعنوان: «المفتي التايلاندي: أهميته وإمكانية وجوده وحالاته».
وأعمل مديرًا لمدرسة تربية الصالحين في سونكلا، كما شغلت سابقًا منصب عميد كلية الدراسات الإسلامية والقانون بجامعة فطاني في جنوب تايلاند، وأعمل أيضًا مستشارًا للجنة حقوق الإنسان بحكومة تايلاند.
كما أنني عضو في لجنة تطوير المجالس الإسلامية التايلاندية بوزارة العدل التايلاندية، وباحث في مشروع تطوير المحكمة الإسلامية التايلاندية بهيئة القضاء التايلاندية، إضافة إلى مشاركتي باحثًا في مشاريع تطوير المجتمع المسلم التايلاندي لدى الأمم المتحدة.
ـ كيف تقيّمون التحول الذي شهده التعليم الإسلامي في تايلاند خلال السنوات الأخيرة، وما أبرز ملامح هذا التطور على مستوى المناهج والمؤسسات؟
على مستوى التعليم الأساسي، يفضّل معظم المسلمين في تايلاند إرسال أبنائهم إلى المدارس الأهلية الإسلامية. ورغم أن جودة التعليم الأكاديمي المعاصر في كثير من هذه المدارس ما تزال أقل مقارنة ببعض المدارس الأهلية العامة، إلا أن هناك عددًا من المدارس الإسلامية التي حققت مستويات تعليمية مرتفعة، بل وتفوّقت على بعض المدارس الحكومية والأهلية الأخرى، كما ظهرت تجمعات ومبادرات جادة لتطوير التعليم بشكل حقيقي.
وعلى مستوى التعليم العالي، انخفض عدد الطلاب بسبب التراجع السكاني في تايلاند، حيث ينخفض عدد السكان سنويًا بنحو 200 ألف نسمة، ما أدى إلى وجود مقاعد شاغرة كثيرة في الجامعات.
وفي المقابل، شهد التعليم العالي توسعًا في افتتاح برامج البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الدراسات الإسلامية، ومن أبرزها برنامج الدراسات الإسلامية ودراسات المسلمين في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الأمير سونكلا، وبرنامج تدريس الدراسات الإسلامية في جامعة يالا راجابات، وبرنامج الدراسات الإسلامية في جامعة فطاني، وبرنامج اللغة العربية في جامعة فطاني، إضافة إلى برنامج إدارة الأعمال الإسلامية في الكلية الإسلامية الدولية في بانكوك التابعة لجامعة كريك.
ورغم ازدياد الجامعات والتخصصات الإسلامية داخل تايلاند، فإن عدد الطلاب التايلانديين الذين يواصلون دراسة العلوم الإسلامية في الخارج لم ينخفض، بل ما يزال في توسع مستمر.
ـ ما الدوافع الأساسية وراء إعلان مفتي تايلاند هذه الرؤية الهادفة إلى تحويل تايلاند إلى مركز إقليمي للتعليم الإسلامي، وما الذي يميز هذه الرؤية عن المراحل السابقة؟
تمنح تايلاند قدرًا كبيرًا من الحرية الدينية، ما يوفّر فرصة مناسبة لتطوير التعليم الإسلامي، إلى جانب وجود عشرات الجامعات الحكومية والأهلية التي تدرّس تخصصات مرتبطة بالإسلام، فضلًا عن وجود عدد كبير من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في هذه الجامعات، وهو ما يشكّل فرصة حقيقية للارتقاء بالتعليم الإسلامي وتحويل تايلاند إلى مركز إقليمي في هذا المجال.
وتعود الدوافع التي دفعت مفتي تايلاند والمجلس الإسلامي المركزي في البلاد إلى إعلان هذه الرؤية إلى عدة عوامل مهمة، من أبرزها الموقع الجغرافي لتايلاند في قلب منطقة جنوب شرق آسيا، إضافة إلى مكانتها في صناعة الأغذية الحلال، وامتلاكها نظامًا طبيًا بمعايير دولية، ما يجعلها مؤهلة لاستقبال الطلاب من الدول المجاورة، خاصة المسلمين من الأقليات في دول الآسيان والمناطق القريبة مثل لاوس وكمبوديا والصين. كما أن تحويل تايلاند إلى مركز للتعليم الإسلامي يعكس صورة إيجابية عن البلاد باعتبارها دولة تتقبل التنوع الديني، الأمر الذي ينعكس إيجابيًا على صورة حقوق الإنسان والسلام في أقاليم الجنوب الحدودية.
وتختلف هذه الرؤية الجديدة عن المحاولات السابقة بشكل واضح؛ ففي الماضي كان التعليم الإسلامي منفصلًا عن التعليم العام، أما اليوم فتركّز الرؤية الجديدة على الدمج بين العلوم الشرعية والتخصصات المهنية والتقنية واللغات، بما يساعد الخريجين على الاندماج في سوق العمل العالمي. كما جرى توقيع مذكرات تفاهم مع جامعات رائدة في العالم العربي ودول إسلامية أخرى بهدف الاعتراف المتبادل بالشهادات، ما يمنح الشهادات الصادرة من تايلاند قيمة أكاديمية أكبر على المستوى الدولي.
ـ ما أبرز الخطوات العملية التي تم اتخاذها حتى الآن لتحقيق هذه الرؤية، سواء على مستوى تطوير المؤسسات التعليمية أو بناء الشراكات الإقليمية والدولية؟
في هذا الإطار، قام مفتي تايلاند بتأسيس «مجلس العلماء المسلمين في تايلاند»، كما جرى بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والعلوم والبحث والابتكار إطلاق مشروع «Thailand Islamic Education Hub»، بمشاركة 12 مؤسسة تعليمية رائدة.
وشملت هذه المؤسسات 9 جامعات، وهي: جامعة الأمير سونكلا ـ فرع فطاني، وجامعة ناراثيوات راجاناكارين، وجامعة فطاني، وجامعة يالا راجابات، وجامعة بوكيت راجابات، وجامعة بورافا، وجامعة رامكامهانغ، وجامعة دوراكيت باندِت، وجامعة كريك، إضافة إلى 3 كليات مجتمعية هي: كلية مجتمع فطاني، وكلية مجتمع يالا، وكلية مجتمع ناراثيوات.
ـ ما أهم الإنجازات التي تحققت فعليًا على أرض الواقع في هذا المسار، وكيف انعكست هذه الإنجازات على جودة التعليم الإسلامي ومكانة تايلاند في هذا المجال؟
على أرض الواقع، يوجد حاليًا عدد متزايد من الطلاب القادمين من الدول المجاورة مثل الصين وكمبوديا ولاوس وميانمار للدراسة في المؤسسات الإسلامية ومعاهد اللغة العربية داخل تايلاند.
ومع ذلك، فإن مشروع تحويل تايلاند إلى مركز إقليمي للتعليم الإسلامي ما يزال رؤية حديثة وفي مراحله الأولى، كما أن مستوى الجاهزية لم يكتمل بعد، لذلك فإن المشروع لا يزال في طور الإعداد وبناء المقومات الأساسية لتحقيق هذا الهدف مستقبلًا.
ـ ما أبرز التحديات التي واجهت هذا المشروع خلال مرحلة التنفيذ، سواء كانت أكاديمية أو إدارية أو مجتمعية؟
إن حسن النية والرغبة الصادقة في تطوير المشروع أمر يستحق التقدير والدعم، لكن الوصول إلى الأهداف على أرض الواقع يواجه تحديات كبيرة ومتعددة.
ومن أبرز هذه التحديات عدم استقرار الدعم الحكومي نتيجة التقلبات السياسية المستمرة، إضافة إلى مخاوف بعض التيارات القومية المتشددة من توسع المؤسسات الإسلامية، ما دفع مفتي تايلاند إلى توضيح أن هذا المشروع يساهم في دعم الاقتصاد والسياحة التعليمية في البلاد، ولا يشكل تهديدًا للهوية الوطنية. كما أن المشروع يحتاج إلى تعاون حقيقي بين الأكاديميين المسلمين القادمين من خلفيات ومؤسسات تعليمية متنوعة.
ومن التحديات المهمة أيضًا أن تايلاند تُعد دولة ذات أقلية مسلمة، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بمنافسة دول إسلامية مجاورة مثل ماليزيا وبروناي وإندونيسيا، التي تمتلك حضورًا أكاديميًا أقوى وأكثر رسوخًا في مجال التعليم الإسلامي، وهو ما يتطلب البحث عن حلول مناسبة ونوعية.
ـ كيف ترون دور الكوادر العلمية والأكاديمية في دعم هذا التحول، وما مدى جاهزية المؤسسات التعليمية في تايلاند لقيادة هذا المشروع إقليميًا؟
لا يقتصر دور الأكاديميين وأعضاء هيئة التدريس في هذا المشروع على العملية التعليمية داخل الجامعات، بل توسّع ليشمل أدوارًا استراتيجية أوسع.
ففي أواخر عام 2567 بالتقويم التايلاندي الموافق 2024م، وبداية عام 2568 التايلاندي الموافق 2025م، جرى توقيع اتفاقية تاريخية لتأسيس «المجلس الأكاديمي الإسلامي»، بهدف أن يكون الجهة الرئيسية لتنسيق التعاون بين الباحثين والجامعات المختلفة داخل تايلاند، والعمل على تطوير المناهج والبحوث العلمية المشتركة.
ـ في ضوء ما تحقق حتى الآن، ما هي رؤيتكم المستقبلية والتوصيات التي ترونها ضرورية لضمان استدامة هذا المشروع وتعزيز موقع تايلاند كمركز إقليمي للتعليم الإسلامي؟
لضمان استدامة هذا المشروع وتحويله من مجرد «رؤية وطموح» إلى «واقع مستدام» قادر على منافسة مراكز التعليم الإسلامي في المنطقة، يجب الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تعزيز الجودة والكفاءة النوعية.
كما ينبغي أن تسعى تايلاند إلى بناء نموذج يجعل الدول الإسلامية ودول الأقليات المسلمة تحظى بفرص متكافئة في التعليم الإسلامي العالمي.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يركّز العلماء والأكاديميون المسلمون في تايلاند على المنافسة في الجوانب النظرية البحتة المتعلقة بالفتوى والاجتهاد الأكاديمي فقط، بل ينبغي التركيز بصورة أكبر على التطبيقات العملية، مثل المدارس الإسلامية النموذجية، والمؤسسات المالية الإسلامية، والصناعات الحلال، ومؤسسات الأسرة الإسلامية، وغيرها من المجالات التي تدمج المبادئ الإسلامية مع التميز المهني والتقني. ومن شأن هذا النموذج التطبيقي أن يجذب الطلاب ليس فقط من جنوب شرق آسيا، بل أيضًا من آسيا الوسطى وإفريقيا.
أما أبرز التوصيات الاستراتيجية لضمان الاستدامة فتشمل:
1. إنشاء برامج للمنح الدراسية، مثل إطلاق «منحة شيخ الإسلام»، بهدف استقطاب الطلاب المتميزين من الدول المجاورة مثل فيتنام وكمبوديا وميانمار، بما يعزز الحضور الثقافي والتعليمي لتايلاند في تلك الدول مستقبلًا.
2. بدلًا من منافسة المراكز الإسلامية الكبرى في الجوانب النظرية، ينبغي أن تركز المؤسسات الإسلامية في تايلاند على مجالات تمتلك فيها ميزة تنافسية، مثل التعايش الإسلامي في المجتمعات متعددة الثقافات، وتقنيات صناعة الأغذية الحلال، والسياحة الإسلامية.
3. توسيع الشراكات مع المراكز العالمية للتعليم الإسلامي، ليس فقط عبر الاعتراف المتبادل بالشهادات، بل أيضًا من خلال برامج الدرجات المشتركة مع الجامعات الرائدة في ماليزيا ودول الخليج العربي.
إن الموقع الجغرافي لتايلاند، وقوة بنيتها التحتية، وتطور قطاعي السياحة والرعاية الصحية، إلى جانب هامش الحرية السياسية والاقتصادية، ووجود مجتمع مسلم منظم وفاعل، كلها عوامل تجعل مشروع «المركز الإقليمي للتعليم الإسلامي» فرصة تاريخية حقيقية.
وفي النهاية، فإن استدامة هذا المشروع لا تعتمد على عدد السكان المسلمين فقط، بل على جودة الخريجين وقدرتهم على المنافسة في سوق العمل العالمي مع الحفاظ على هويتهم الإسلامية.