مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في خطوة وُصفت بالتاريخية للتعليم الإسلامي في جمهورية بلغاريا، أعلنت دار الإفتاء العامة في 13 مايو 2026، إصدار أول مناهج دينية إسلامية باللغة البلغارية مخصصة للمدارس الثانوية الشرعية التابعة لها، في مشروع يُعد الأول من نوعه في البلاد ويهدف إلى بناء قاعدة تعليمية متكاملة تجمع بين الأصالة الإسلامية ومتطلبات البيئة التعليمية البلغارية الحديثة.


ويكتسب المشروع أهمية خاصة إذ لم تكن المدارس الشرعية تمتلك سلسلة تعليمية متكاملة باللغة البلغارية للمواد الدينية الأساسية. كما يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها إصلاحًا تعليميًا متكاملًا يستهدف تطوير جودة التعليم، وتوحيد المعايير التعليمية، وبناء شخصية الطالب أخلاقيًا ودينيًا إلى جانب تنمية معارفه العلمية.
وقد أُعدّت هذه المناهج على أيدي علماء ومختصين مسلمين من بلغاريا، مع الحرص على المواءمة بين أصالة العلوم الإسلامية والواقع التعليمي المحلي، بما يعزز الفهم الصحيح للدين ويرسّخ القيم والأخلاق لدى الطلاب إلى جانب التحصيل المعرفي.
وللتعرف على تفاصيل هذا المشروع التاريخي، وأهدافه، ومراحله، وأثره المتوقع على مستقبل التعليم الإسلامي في بلغاريا، أجرى “مسلمون حول العالم” هذا الحوار الخاص مع:
أمير فليتي، رئيس قسم التعليم بدار الإفتاء العامة في جمهورية بلغاريا، ومنسق مشروع إعداد المناهج الدينية للمدارس الثانوية الشرعية.
ـ لماذا تمثل هذه المناهج خطوة تاريخية للتعليم الإسلامي في بلغاريا؟
يمثل إصدار هذه المناهج الدينية خطوة تاريخية للمشيخة الإسلامية والمدارس الثانوية الشرعية في بلغاريا، إذ يؤكد قدرة التعليم الإسلامي في البلاد على التطور بصورة منهجية ومهنية ومسؤولة، تجمع بين أصالة التقاليد الدينية ومتطلبات التعليم المعاصر.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب التعليمي فقط، بل يحمل أبعادًا دينية ومؤسسية، إذ لا يُنظر إليه بوصفه مجرد إصدار كتب، بل باعتباره إصلاحًا تعليميًا يضع للمرة الأولى في التاريخ البلغاري الحديث قاعدة تعليمية متكاملة باللغة البلغارية للمواد الإسلامية الأساسية المخصصة للمدارس الثانوية الشرعية.
ونؤمن بأن هذه السلسلة لن تخدم الطلاب الحاليين فحسب، بل ستفيد الأجيال القادمة أيضًا، عبر توفير أساس علمي وتربوي يبنون عليه معارفهم وشخصياتهم وانتماءهم.
ـ كيف كانت تُدرَّس المواد الدينية قبل إعداد هذه المناهج باللغة البلغارية؟
حتى الآن، لم يكن لدى طلاب المدارس الثانوية الشرعية في بلغاريا سلسلة تعليمية متكاملة باللغة البلغارية مخصصة لإعدادهم العلمي. ورغم أن المشيخة الإسلامية أصدرت على مر السنوات عددًا من الكتب القيّمة في الموضوعات الإسلامية، والتي شكّلت مرجعًا مهمًا للمعلمين والطلاب، فإنها لم تكن مطورة بوصفها مناهج دراسية متكاملة بالمعنى التربوي الكامل، سواء من حيث التسلسل المنهجي، أو التدرج التعليمي، أو الأهداف التربوية، أو اللغة المناسبة، أو المحتوى الملائم لاحتياجات طلاب المرحلة الثانوية الشرعية.
ـ كيف انطلق مشروع إعداد المناهج الدينية الجديدة؟
بدأ هذا المشروع بمبادرة شخصية وإصرار مباشر من الدكتور مصطفى حاجي، مفتي جمهورية بلغاريا، بهدف سد فجوة كبيرة في نظام التعليم الديني الإسلامي، تمثلت في غياب مناهج دراسية منظمة ومُعدّة وفق أسس تربوية سليمة، ومتدرجة وملائمة لأعمار الطلاب في المواد الدينية الإسلامية المتخصصة.
وانطلق العمل العملي على المشروع في نوفمبر 2024، عقب اجتماع جمع فريق قسم التعليم في المشيخة الإسلامية بالدكتور مصطفى حاجي، حيث جرى الاتفاق على إعداد مناهج تستجيب لعدة معايير أساسية، أبرزها الالتزام بالتقاليد العلمية الإسلامية، والتوافق مع البيئة التعليمية في بلغاريا، والقابلية التطبيقية تربويًا، وتقديم محتوى بلغة واضحة وميسّرة للطلاب.
واستمرت عملية الإعداد قرابة عام ونصف، واكتملت في مايو 2026، وخلال هذه الفترة تم إعداد ومراجعة وتجهيز مناهج المواد الدينية الأساسية للطباعة، وتشمل: الفقه، والعقيدة، والحديث، والخطابة، والقرآن الكريم، والسيرة والأخلاق.
ـ من أشرف على إعداد هذه المناهج؟
أُعدّت هذه المناهج على أيدي علماء شريعة مسلمين من بلغاريا، إلى جانب معلمين ومتخصصين يجمعون بين المعرفة بالعلوم الإسلامية وفهم الواقع التعليمي للمدارس الثانوية الشرعية في البلاد. وقد جرى الاستفادة من نماذج تعليمية معتمدة، مع تكييف المحتوى بما يتناسب مع احتياجات الطلاب، وتقاليد المجتمع المسلم في بلغاريا، والإطار القانوني للدولة.
ومن المهم التأكيد على أن هذه المناهج لا تدّعي الإحاطة بجميع العلوم الإسلامية، بل تمثل – كما وصفها الدكتور مصطفى حاجي في مقدمة السلسلة – «المفتاح» إليها. فهدفها الأساسي هو وضع بداية صحيحة وتأسيس قاعدة علمية متينة، تُمكّن الطلاب من بناء معارفهم الدينية وتعزيز قيمهم وإحساسهم بالمسؤولية.
ـ ما النتائج والأهداف التي يُنتظر أن تحققها هذه المناهج الجديدة؟
من المتوقع أن تُسهم هذه المناهج في تحقيق أربعة أهداف رئيسية على المستويين التعليمي والتربوي:
أولًا، توفير معرفة منظمة، إذ سيتمكن الطلاب من الدراسة وفق دروس مرتبة بوضوح تعتمد التدرج من المفاهيم الأساسية إلى الموضوعات الأكثر عمقًا، بما يساعد على بناء فهم علمي متماسك.
ثانيًا، توحيد معايير التعليم بين المدارس الثانوية الشرعية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل اختلاف المدن والبيئات التعليمية، بما يضمن إعداد الطلاب وفق أسس مشتركة ومستوى موحد من الجودة.
ثالثًا، دعم المعلمين، فالكتاب المدرسي لا يمثل مادة تعليمية للطالب فقط، بل يُعد أيضًا أداة تساعد المعلم على التخطيط للعملية التعليمية، وتسهّل التدريس، وتوفر وضوحًا منهجيًا أكبر.
رابعًا، تعزيز البعد التربوي والهوياتي، فالمدارس الثانوية الشرعية لا تُعِدّ فقط أئمة أو عاملين في المجال الديني، بل تسهم أيضًا في بناء شخصيات نافعة للمجتمع، ومسؤولة تجاه دينها وأسرتها ووطنها. ومن هذا المنطلق، لا تُعد هذه المناهج مجرد مصدر للمعرفة، بل وسيلة لغرس القيم، وتعزيز الأخلاق، وترسيخ حب العلم والإحساس بالمسؤولية لدى الطلاب.