مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كوسوفا.. متحف رابطة بريزرن في مدينة بريزرن.. ذاكرة الوحدة الألبانية وميلاد الحلم السياسي في غرب البلقان

رابطة بريزرن.. من مشروع الحكم الذاتي داخل الدولة العثمانية إلى رمز للمصير الألباني المشترك

من قاعة تاريخية في بريزرن إلى قضية شعب.. كيف شكّلت رابطة بريزرن لحظة فارقة في تاريخ الألبان؟

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في قلب مدينة بريزرن التاريخية جنوب جمهورية كوسوفا، وبين الجبال الخضراء والعمارة العثمانية العتيقة، يقف متحف رابطة بريزرن شاهدًا على واحدة من أهم اللحظات السياسية في تاريخ الألبان في غرب البلقان؛ لحظة اجتمع فيها ممثلو الولايات الألبانية الأربع سنة 1878م بحثًا عن حماية وجودهم الجماعي في زمن كانت فيه المنطقة تعيش تحولات عاصفة وضغوطًا دولية متصاعدة. ولا يزال المكان حتى اليوم يمثل رمزًا للذاكرة التاريخية ووحدة المصير المشترك لدى الشعب الألباني.

داخل المبنى الذي أعيد ترميمه بعناية ويحمل روح العمارة العثمانية التقليدية، تتحول الجدران إلى أرشيف حيّ لوثائق وخرائط وصور قادة تلك المرحلة، فيما تعكس القاعات الخشبية ذات الطابع الوقور أجواء اجتماع تاريخي سعى إلى إيجاد صيغة سياسية تحمي المجتمع الألباني من التفكك وفقدان الأراضي في مرحلة اتسمت بالتراجع المستمر للدولة العثمانية في البلقان خلال القرن التاسع عشر.

لماذا اجتمع الألبان في بريزرن؟

يُذكر بأن رابطة بريزرن تأسست سنة 1878م عقب مؤتمر برلين وفي أجواء ضاغطة شهدت محاولات لإعادة رسم حدود البلقان على حساب مناطق واسعة يسكنها الألبان. وفي ذلك الوقت كانت الولايات الألبانية الأربع التابعة للدولة العثمانية ــ كوسوفا، وشكودرا، ويانيه، ومناستر ــ تواجه احتمال اقتطاع أجزاء واسعة من أراضيها لصالح دول الجوار.

ومن هنا اجتمع ممثلو هذه الولايات في مدينة بريزرن، التي كانت آنذاك عاصمة ولاية كوسوفا، بهدف الاتفاق على مشروع سياسي يضمن وحدة الأراضي الألبانية ضمن إطار الحكم الذاتي داخل الدولة العثمانية، وليس الانفصال عنها في بدايات المشروع. فقد رأى كثير من زعماء تلك المرحلة أن الحفاظ على الارتباط بالدولة العثمانية مع توسيع الإدارة الذاتية يشكل حلًا وسطًا لحماية الوجود الألباني من الضغوط الخارجية المتزايدة.

الحكم الذاتي قبل الاستقلال

تكشف الخرائط المعروضة داخل المتحف، ومنها خريطة الأراضي الألبانية بين عامي 1877 و1881م، كيف كان التصور الأولي يقوم على جمع المناطق ذات الغالبية الألبانية في كيان إداري واحد داخل الدولة العثمانية، بهدف الدفاع المباشر عن الأرض والمجتمع في مواجهة مشاريع التقسيم الإقليمي التي بدأت تلوح في الأفق.

لكن مسار الأحداث تغيّر تدريجيًا خلال العقود اللاحقة، ومع تصاعد الضغوط الأوروبية والتحولات السياسية داخل المنطقة، تطور الاتجاه السياسي لدى قطاعات من النخب الألبانية نحو المطالبة بالاستقلال الكامل، وهو ما تحقق بإعلان استقلال ألبانيا سنة 1912م بعد نحو 34 عامًا من تأسيس رابطة بريزرن.

تقسيم الأراضي الألبانية وتشتت الشعب

غير أن الاستقلال لم ينهِ الأزمة التاريخية. ففي مؤتمر سفراء الدول الكبرى في لندن سنة 1913م، أُعيد رسم الحدود السياسية في البلقان بطريقة أدت إلى خروج أجزاء واسعة من الأراضي ذات الأغلبية الألبانية خارج حدود الدولة الألبانية الجديدة، لتصبح ضمن دول الجوار مثل صربيا واليونان والجبل الأسود، ولاحقًا ضمن مقدونيا الشمالية أيضًا.

وأدى ذلك إلى تشتت جزء كبير من الشعب الألباني بين عدة دول وحدود سياسية مختلفة، وهو ما جعل رابطة بريزرن تحتفظ بمكانتها الرمزية بوصفها أول محاولة سياسية جامعة لتوحيد الألبان والدفاع عن وجودهم الجماعي في غرب البلقان.

بريزرن.. حين يتحول المتحف إلى ذاكرة شعب

لا يبدو متحف رابطة بريزرن مجرد مبنى تاريخي أو قاعة عرض تقليدية، بل مساحة تستحضر لحظة مفصلية من الذاكرة الألبانية؛ حيث تمتزج الوثائق القديمة بصور القادة والخرائط التاريخية، فيما تمنح الساحات المحيطة به والزخارف المعمارية العثمانية إحساسًا بأن التاريخ ما زال حاضرًا في المكان.

وفي مدينة بريزرن، التي تُعد من أجمل المدن التراثية في كوسوفا وتشتهر بجوامعها وأسواقها القديمة وجسورها الحجرية، يظل متحف رابطة بريزرن محطة معرفية وثقافية مهمة لفهم التحولات الكبرى التي شكّلت هوية الألبان الحديثة في غرب البلقان.

ـ المصدر: مشاهدات خاصة ـ هاني صلاح – مراجع تاريخية 

 

التخطي إلى شريط الأدوات