تسجيل مبكر وخدمات متطورة ورعاية صحية..
نجاح إثيوبي يضع ملف الحج في مصاف التجارب الرائدة
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في إنجاز جديد يعكس التحول المؤسسي المتسارع الذي يشهده المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، فاز قطاع الحج والعمرة بالمجلس بجائزة «الماسة» (Diamond Award) المقدمة من وزارة الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية، تقديرًا للأداء المتميز الذي قدمه خلال موسم حج 1447هـ، في خطوة تُعد من أبرز مؤشرات التطور المتزايد في إدارة شؤون الحجاج الإثيوبيين ورفع جودة الخدمات المقدمة لهم.
وجاء الإعلان عن الجائزة خلال برنامج ختام موسم حج 1447هـ وإطلاق الاستعدادات لموسم حج 1448هـ، الذي نظمته وزارة الحج والعمرة السعودية في مدينة مكة المكرمة تحت شعار «ختامه مسك»، بحضور وزير الحج والعمرة الدكتور توفيق بن فوزان الربيعة، وعدد من وفود الدول والجهات المعنية بخدمة الحجاج، حيث مُنحت الجائزة للجهات والدول التي أظهرت أداءً استثنائيًا في إدارة خدمات الحج ورفع كفاءة التنظيم والرعاية.
ويكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة في دولة يبلغ عدد سكانها نحو 130 مليون نسمة، ما يجعلها ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، فيما تُقدَّر نسبة المسلمين بنحو 35 إلى 40% من إجمالي السكان، أي ما بين 45 و50 مليون مسلم تقريبًا، ليشكّل المجتمع المسلم أحد أكبر المكونات السكانية والدينية في البلاد، الأمر الذي يجعل إدارة ملف الحج تحديًا مؤسسيًا ولوجستيًا بالغ التعقيد والحساسية.
إنجاز إداري يضع إثيوبيا في واجهة التميز
ويُذكر بأن وزارة الحج والعمرة السعودية تمنح سنويًا جوائز تقديرية للجهات والدول التي تُظهر أداءً متميزًا في إدارة خدمات الحج، حيث حصد قطاع الحج والعمرة بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا جائزة «الماسة» عن موسم حج 1447هـ، بعد تقييم شامل لمستوى التنظيم وجودة الخدمات وكفاءة إدارة شؤون الحجاج.
وبحسب المعايير التي استندت إليها الجائزة، جاء هذا التتويج نتيجة نجاح المجلس في التسجيل المبكر للحجاج، وتنظيم البيانات بصورة دقيقة، وضمان جاهزية الحجاج قبل السفر، إلى جانب تطوير الرعاية الصحية والخدمات المقدمة للحجاج خلال رحلتهم، بما أسهم في تقديم تجربة أكثر تنظيمًا وكفاءة وانسيابية.
كما عكس النجاح قدرة المجلس على إدارة ملف شديد الحساسية يرتبط بعشرات الآلاف من الحجاج سنويًا، في ظل تعقيدات لوجستية وتنظيمية وصحية كبيرة، وهو ما جعل التجربة الإثيوبية تحصد اعترافًا رسميًا على مستوى دولي.
من خبر عابر إلى مؤشر على نهضة مؤسسية أوسع
غير أن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن في الجائزة وحدها، بل في ما تمثله من دلالة أوسع على التحول العميق الذي يشهده المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة، ضمن نهضة إسلامية شاملة يقودها المجلس، لم تعد تقتصر على ملفات الدعوة والتعليم الشرعي فقط، بل امتدت إلى بناء مؤسسات أكثر احترافية وتنظيمًا وقدرة على إدارة الملفات الكبرى بكفاءة عالية.
فالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا يشهد منذ سنوات عملية إعادة بناء مؤسسية واسعة، شملت تعزيز الهيكل الإداري، وتطوير المجالس الإسلامية الإقليمية، وتوسيع أدوار الشباب عبر تأسيس مجالس شبابية على مستوى الأقاليم والعاصمة وعلى مستوى البلاد، إلى جانب بناء شراكات متزايدة مع المؤسسات الحكومية والجهات المحلية والدولية العاملة في مجالات التنمية والخدمة المجتمعية.
وفي هذا السياق، لا يبدو فوز قطاع الحج والعمرة بجائزة «الماسة» حدثًا منفصلًا أو استثنائيًا معزولًا، بل يأتي ضمن سلسلة متصلة ومتزايدة من النجاحات المؤسسية التي تعكس انتقال العمل الإسلامي في إثيوبيا من الطابع التقليدي إلى نموذج أكثر احترافية قائم على التخطيط والإدارة والكفاءة وقياس الأداء.
نموذج جديد لدور المؤسسة الإسلامية
ويعكس هذا الإنجاز أيضًا تحوّلًا مهمًا في فهم دور المؤسسة الإسلامية في إثيوبيا، إذ لم يعد دورها مقتصرًا على المنابر والمساجد والتعليم الشرعي، وإنما أصبح يمتد إلى الإدارة والخدمات والتنمية وبناء السلام وتعزيز ثقافة التعايش المشترك والمساهمة العملية في دعم استقرار البلاد.
وقد ظهر ذلك بوضوح في اتساع الشراكات المجتمعية للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية مع الوزارات والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والجهات الإنسانية، بما يعكس رؤية جديدة ترى أن خدمة المجتمع جزء أصيل من الرسالة الدينية، وأن نجاح المؤسسة الإسلامية يُقاس أيضًا بقدرتها على خدمة الناس وتحسين جودة حياتهم.
وفي هذا الإطار، برزت خلال الفترة الأخيرة نماذج متعددة من المبادرات الميدانية التي دعمها المجلس أو شجعها، من بينها مشاريع المياه النظيفة والإغاثة والتنمية والخدمات الاجتماعية، وهو ما يعزز صورة المجلس بوصفه مؤسسة دينية ووطنية ذات دور عملي مباشر في حياة الناس.
إشادة رسمية ودلالات سياسية ومجتمعية
وأكد رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، فضيلة الشيخ الحاج إبراهيم توفا، أن الجائزة تحمل دلالة خاصة؛ لأنها جاءت بعد فترة وجيزة من انتخاب القيادة الحالية للمجلس، معتبرًا أن هذا النجاح يعكس حسن اختيار المجتمع المسلم لقياداته وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وأضاف أن الجائزة أسهمت في إبراز اسم إثيوبيا بصورة إيجابية على المستوى الدولي، ومنحت البلاد حضورًا مشرّفًا في أحد أهم الملفات المرتبطة بخدمة المسلمين عالميًا.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد صالح، مسؤول قطاع الحج والعمرة بالمجلس ورئيس بعثة الحج الإثيوبية، أن الجائزة تمثل اعترافًا دوليًا بالتطور الذي شهدته منظومة الحج الإثيوبية، وأسهمت في الارتقاء بمكانة البلاد عالميًا في هذا المجال.
ثلاث رسائل رئيسية حملها الإنجاز
أولها، أن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا بات ينجح بصورة متزايدة في تحويل العمل الديني إلى نموذج مؤسسي احترافي قادر على إدارة ملفات كبيرة ومعقدة بكفاءة عالية.
وثانيها، أن النهضة الإسلامية الجارية في إثيوبيا لم تعد تقتصر على الخطاب الديني أو التعليم الشرعي، بل باتت تشمل الإدارة والتنمية والخدمات وبناء الشراكات وتحقيق نتائج عملية قابلة للقياس.
أما الرسالة الثالثة، فهي أن المؤسسة الإسلامية الإثيوبية أصبحت أكثر حضورًا وتأثيرًا على المستوى الدولي، وباتت قادرة على تقديم نموذج ناجح يعزز صورة إثيوبيا في العالم الإسلامي عبر نجاحات ملموسة وليست شعارات.
وفي المحصلة، تبدو جائزة «الماسة» السعودية أكثر من مجرد تكريم إداري لملف الحج؛ إذ تمثل مؤشرًا واضحًا على مسار متصاعد من النضج المؤسسي والاحتراف الإداري الذي يعيشه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، ضمن مرحلة يراها كثيرون بداية عصر جديد للمجتمع المسلم في البلاد، عنوانه: بناء المؤسسات، وتعزيز الكفاءة، وتحويل الحضور الإسلامي من ردّ الفعل إلى صناعة الأثر.



