مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كينيا.. مؤتمر دولي يسلط الضوء على الهوية الإسلامية واللغة السواحيلية في شرق إفريقيا

مشاركة مفتي أوغندا تكشف تنامي الحضور الأكاديمي والمؤسسي للمسلمين في المحافل الدولية

عشر دلالات بارزة تعكس توسع التعليم العالي الإسلامي

وتعزز الروابط التاريخية بين عُمان وشرق إفريقيا حتى أوغندا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

امتدت على سواحل شرق إفريقيا وداخلها عبر قرون طويلة جسور حضارية ربطت بين التجارة واللغة والدين، وأسهمت في تشكيل فضاء ثقافي مشترك تداخلت فيه التأثيرات العربية والإفريقية، فتركت الهجرات التجارية والعلمية آثارها في المجتمع واللغة والتعليم والمؤسسات الدينية. وما تزال كثير من هذه الروابط التاريخية حاضرة حتى اليوم في الذاكرة الجماعية وفي المبادرات والمؤسسات التي تحمل إرث تلك المرحلة وتواصل البناء عليه.

وتحتفظ اللغة السواحيلية بمكانة خاصة في هذا المشهد الحضاري، بوصفها إحدى أهم اللغات الإسلامية في إفريقيا وأكثرها انتشارًا، إذ ارتبطت عبر تاريخها الطويل بحركة العلماء والتجار والدعاة، وشكلت وعاءً ثقافيًا لنقل المعارف والقيم الإسلامية بين شعوب المنطقة. غير أن هذه الهوية اللغوية والثقافية واجهت خلال فترات الاستعمار الأوروبي والتحولات السياسية اللاحقة تحديات عميقة تركت آثارها على البنية الثقافية للمجتمعات السواحيلية.

وفي ظل هذه التحولات برزت الجامعات والمؤسسات العلمية والمؤتمرات الفكرية بوصفها أدوات جديدة للحفاظ على الهوية الحضارية وتعزيز الحضور الثقافي للمجتمعات المسلمة، حيث لم تعد تقتصر أدوارها على التعليم وحده، بل أصبحت فضاءات للحوار وإعادة قراءة التاريخ وبناء الجسور بين الماضي والحاضر، والمساهمة في صياغة رؤى مستقبلية تحفظ الخصوصية الثقافية للمسلمين في شرق إفريقيا وتدعم دورهم في التنمية والاستقرار.

«السياسة اللغوية والاستعمار والدين في شرق إفريقيا: أوغندا نموذجًا»

وفي هذا السياق، وصل فضيلة الشيخ الدكتور شعبان رمضان موباجي، مفتي أوغندا، إلى مدينة مومباسا الكينية للمشاركة في المؤتمر الدولي الثاني للاستقامة، الذي تستضيفه أكاديمية الاستقامة يومي 23 و24 يونيو 2026، بمشاركة علماء وأكاديميين وباحثين من عدد من دول المنطقة، لمناقشة أثر الأنشطة التبشيرية والاستعمار في الهوية العربية الإسلامية واللغة السواحيلية في شرق إفريقيا.

وتكتسب مشاركة مفتي أوغندا أهمية خاصة لكونه سيقدم ورقة علمية بعنوان «السياسة اللغوية والاستعمار والدين في شرق إفريقيا: أوغندا نموذجًا»، في وقت يشهد فيه الاهتمام بقضايا الهوية والثقافة والتعليم تزايدًا ملحوظًا داخل المؤسسات الإسلامية والأكاديمية في المنطقة.

الهوية السواحيلية في مواجهة آثار الاستعمار

ويطرح المؤتمر واحدًا من أكثر الملفات حساسية في تاريخ شرق إفريقيا الحديث، من خلال مناقشة تأثير الأنشطة التبشيرية والسياسات الاستعمارية على الهوية العربية الإسلامية للغة السواحيلية، وما شهدته المنطقة من تحولات ثقافية ولغوية خلال القرنين الماضيين.

وتُعد السواحيلية اليوم من أكثر اللغات انتشارًا في إفريقيا، كما تمثل أحد أبرز الأوعية الحضارية التي حملت التراث الإسلامي والثقافة العربية إلى شعوب شرق القارة عبر أجيال متعاقبة.

أوغندا شريك في إنتاج المعرفة

وتعكس مشاركة مفتي أوغندا في المؤتمر تحولًا متزايدًا في دور المؤسسات الإسلامية الأوغندية، التي لم تعد تقتصر على الاستفادة من الخبرات الخارجية، بل أصبحت تشارك في إنتاج المعرفة وتقديم الدراسات والأوراق العلمية المرتبطة بقضايا المسلمين في المنطقة.

ويبرز ذلك من خلال مشاركة شخصيات أكاديمية ومؤسسية أوغندية في فعاليات المؤتمر، بما يعكس تنامي الحضور العلمي للمؤسسات الإسلامية في البلاد.

جامعة الاستقامة ومشروعات التعليم العالي

وكشف المؤتمر عن استمرار العمل على مشروع جامعة الاستقامة الدولية في أوغندا، الذي تتبناه الجمعية الخيرية الإسلامية الدولية للاستقامة ومقرها سلطنة عُمان، حيث يجري الإعداد لإنشاء الجامعة في منطقة ناموغانغالوي بمقاطعة إيغانغا، وهي منطقة ارتبطت تاريخيًا باستقرار التجار العُمانيين الأوائل.

ويأتي هذا المشروع في وقت يشهد فيه قطاع التعليم العالي الإسلامي بأوغندا توسعًا ملحوظًا، مع استمرار جهود تطوير المؤسسات الأكاديمية التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا.

روابط تاريخية بين عُمان وشرق إفريقيا

ويعيد المؤتمر التذكير بالعلاقات التاريخية الممتدة بين سلطنة عُمان وشرق إفريقيا، وهي علاقات تجاوزت حدود التجارة لتشمل نشر الإسلام والتعليم والثقافة وبناء المجتمعات المحلية على امتداد السواحل والداخل الإفريقي.

ولا تزال آثار هذه الروابط حاضرة في العديد من المؤسسات والمبادرات التعليمية والخيرية، كما تظهر في مشاركة شخصيات تنحدر من عائلات عُمانية استقرت في المنطقة منذ أجيال.

شخصيات تجسد الذاكرة المشتركة

ومن بين المشاركين البارزين في المؤتمر الأستاذ الدكتور عبود الصوافي، الأكاديمي والمحسن المعروف وأحد أحفاد التجار العُمانيين الذين جابوا شرق إفريقيا وأسهموا في نشر التجارة والإسلام.

وتحمل سيرته دلالة خاصة، إذ وُلد في أوغندا قبل انتقال أسرته إلى سلطنة عُمان في سبعينيات القرن الماضي، وما يزال يتحدث عددًا من اللغات المحلية في شرق إفريقيا، في صورة تعكس عمق التداخل الحضاري بين العالمين العربي والإفريقي.

شبكة أكاديمية إقليمية متنامية

كما يبرز المؤتمر حجم التعاون بين المؤسسات التعليمية الإسلامية في المنطقة، بمشاركة جهات أكاديمية من كينيا وأوغندا وعُمان، من بينها جامعة الأمة في نيروبي والجامعة التقنية في مومباسا وجامعة إنسان الدولية التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا.

ويشارك في الوفد الأوغندي الدكتور عبد الله إدريس سيروادا نائب رئيس جامعة إنسان الدولية، في مؤشر على تنامي الحضور الأكاديمي للمؤسسات الإسلامية الأوغندية في الفعاليات العلمية الإقليمية.

القوة الناعمة للمؤسسات الإسلامية

وتعكس هذه المؤتمرات جانبًا من القوة الناعمة التي باتت تمارسها المؤسسات الإسلامية في إفريقيا من خلال التعليم والبحث العلمي والعمل الخيري والحوار الثقافي، حيث أصبحت الجامعات والمؤسسات الأكاديمية أدوات فاعلة في الحفاظ على الهوية وبناء الكفاءات وتعزيز التنمية المجتمعية.

وتؤكد فعاليات المؤتمر أن مستقبل الحضور الإسلامي في شرق إفريقيا لا يرتبط فقط بالمؤسسات الدينية التقليدية، بل يعتمد كذلك على الجامعات ومراكز البحث والمؤتمرات الفكرية القادرة على إنتاج المعرفة وصناعة الرؤى وبناء الجسور بين التاريخ والواقع والمستقبل.

المصدر: المجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا (تأسس عام 1972).

التخطي إلى شريط الأدوات