إصدارات جديدة ترصد رحلة حفظ التراث العلمي عبر المكتبات والمؤسسات التاريخية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
على امتداد قرون طويلة، ظلت البوسنة والهرسك بوابة حضارية حملت أصداء العلوم والمعارف القادمة من المراكز الكبرى للحضارة الإسلامية، وحفظت بين جدران مكتباتها ومدارسها ومؤسساتها الثقافية كنوزًا من المخطوطات التي عبرت الأزمنة وبقيت شاهدة على ازدهار المعرفة في قلب أوروبا.
وبين رفوف الكتب القديمة وأوراق المخطوطات المصونة، تتجلى قصة أمة صنعت جسورًا من العلم والثقافة والتواصل الحضاري، وربطت البوسنة والعالم الإسلامي بروابط تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة لتبقى حاضرة في الذاكرة الإنسانية حتى اليوم.
كنوز المخطوطات الشرقية في قلب أوروبا
فقد شهدت المكتبة العامة بمدينة ترافنيك في البوسنة والهرسك تقديم كتابين متخصصين في المخطوطات المكتوبة باللغات الشرقية، وذلك ضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة بعد الخمسمائة من مهرجان أيام آيفاتوفيتسا الثقافي، أحد أبرز التظاهرات الثقافية والدينية في البلاد.
وتناول الكتابان جانبًا مهمًا من التراث المخطوط في البوسنة والهرسك، وهما: «المجموعات المخطوطة باللغات الشرقية» و«التراث العلمي والثقافي للبوسنة والهرسك.. الإرث المخطوط باللغات الشرقية»، حيث يسلطان الضوء على الثروة المعرفية التي احتفظت بها المؤسسات العلمية والمكتبات التاريخية عبر مئات السنين.
شاهد على ازدهار العلم والمعرفة
وأوضح مدير المعهد الشرقي الدكتور علاء الدين هوشيتش أن هذين الإصدارين يمثلان نصبًا تذكاريًا علميًا لذاكرة المخطوطات التي نجت من الضياع وحافظت على جزء مهم من التراث الحضاري للبوسنة والهرسك.
وأشار إلى أن ما تم توثيقه في هذين العملين لا يمثل سوى نسبة محدودة من الإنتاج العلمي الذي شهدته البلاد عبر العصور، مؤكدًا أن محتوى المخطوطات يكشف أن البوسنة كانت فضاءً للمعرفة الرفيعة ومركزًا للثقافة والكتابة المتقدمة التي واكبت حركة الحضارة الإسلامية في عصرها.
وأضاف أن علماء البوسنة استخدموا في فترات تاريخية متعاقبة ثلاث لغات كبرى هي العربية والتركية والفارسية، ما يعكس عمق ارتباط البلاد بالمجال الحضاري الإسلامي واتساع آفاقها العلمية والثقافية.
رحلة توثيق المؤسسات الحافظة للتراث
ومن جانبها أوضحت الباحثة الدكتورة مجيدة ماشيتش، مؤلفة كتاب «المجموعات المخطوطة باللغات الشرقية»، أن الدراسة جاءت ثمرة مشروع علمي هدف إلى حصر وتصنيف أوضاع المجموعات المخطوطة الموجودة في الأديرة الفرنسيسكانية ومؤسسات المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك التي تحتفظ بمخطوطات مكتوبة باللغات الشرقية.
وأضافت أن البحث سعى للإجابة عن مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالمؤلفات الأكثر تداولًا ونسخًا في العهد العثماني، والمؤسسات التي اضطلعت بحفظ هذه الكنوز المعرفية، إضافة إلى الدور الذي قام به العلماء والباحثون والأفراد في صون هذا الإرث التاريخي.
المخطوطات جسور بين البوسنة والعالم الإسلامي
أما الدكتورة جليلة بابوفيتش، مؤلفة كتاب «التراث العلمي والثقافي للبوسنة والهرسك.. الإرث المخطوط باللغات الشرقية»، فأكدت أن المخطوطات كانت الوسيلة الأساسية لنقل العلوم والمعارف في الأزمنة السابقة، ولذلك فإن دراسة هذا التراث تكشف مسارات التطور العلمي والثقافي في البوسنة والهرسك عبر القرون.
وأوضحت أن الأبحاث اعتمدت على دراسة مجموعات محفوظة في عشر مؤسسات ومكتبات وأرشيفات عامة داخل البوسنة والهرسك، من بينها مكتبة الغازي خسرو بك في سراييفو، إلى جانب عدد من الأرشيفات والمراكز الثقافية الأخرى.
وأكدت أن الكتاب صيغ بلغة علمية مبسطة تجعله متاحًا للقراء والطلاب والباحثين على حد سواء، كما يتناول موضوعات متنوعة تشمل الطب والرياضيات والجغرافيا والعلوم الإسلامية والآداب، بما يعكس تنوع الحضور العلمي للمخطوطات الشرقية في تاريخ البلاد.
ذاكرة حضارية تتجاوز رفوف المكتبات
وخلال الندوة شدد المشاركون على أن المخطوطات العربية والتركية والفارسية ليست مجرد كتب قديمة محفوظة في خزائن المكتبات، بل وثائق حية تنقل تفاصيل حياة الأجيال السابقة، وتحفظ معارفهم وقيمهم الروحية وإسهاماتهم الثقافية، كما تجسد عمق الصلات التاريخية التي ربطت البوسنة والهرسك بالحضارة الإسلامية الكبرى عبر مئات السنين.
ويبلغ المسلمون نحو 50% من سكان البوسنة والهرسك، ويشكل هذا التراث المخطوط أحد أبرز الشواهد على الدور الحضاري والعلمي الذي أسهم به مسلمو البوسنة في حفظ المعرفة وتعزيز التواصل الثقافي بين قلب أوروبا والعالم الإسلامي.
– الموقع الإعلامي للمشيخة الإسلامية.
