مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

النموذج التايلاندي في تعليم المهتدين الجدد

كيف تتحول المعرفة إلى معايشة، ويصبح التاريخ أداة لبناء الهوية والانتماء؟

تجربة ملهمة تستحق أن يدرسها العالم الإسلامي

ويستفيد من فلسفتها التعليمية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

لا يواجه كثير من المهتدين الجدد إلى الإسلام تحدي تعلم العقيدة والعبادات فحسب، بل يواجهون تحديًا أكثر عمقًا يتمثل في بناء الهوية الإسلامية، والشعور بالانتماء إلى المجتمع المسلم، وفهم تاريخه وثقافته وحضارته.

ومن هنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن للمؤسسات الإسلامية أن تنتقل بالمهتدي الجديد من مرحلة تلقي المعلومات إلى مرحلة معايشة الإسلام واقعًا حيًا؟

في تايلاند، تقدم إحدى المؤسسات الإسلامية تجربة تعليمية لافتة تجيب عمليًا عن هذا السؤال. فهي لا تكتفي بتقديم الدروس داخل القاعات الدراسية، بل تنقل الطلاب إلى الميدان، وتربطهم بالمساجد التاريخية، وتعرفهم بجذور الوجود الإسلامي في بلادهم، وتمنحهم فرصة التعرف المباشر إلى المجتمع المسلم وتاريخه، في تجربة تجمع بين المعرفة والمعايشة، وبين التعليم وبناء الهوية.

من القاعة الدراسية إلى الميدان

تعتمد هذه التجربة على فلسفة تربوية بسيطة وعميقة في آن واحد، مفادها أن الهوية الإسلامية لا تُبنى بالمحاضرات وحدها، وإنما تحتاج إلى تجربة يعيشها الإنسان بنفسه. فحين يرى الطالب المساجد التاريخية، ويتعرف إلى قصص المسلمين الذين عاشوا قبل مئات السنين، ويلتقي أبناء المجتمع المسلم، يصبح التاريخ جزءًا من ذاكرته، لا مجرد معلومات يقرأها في كتاب.

وتجسدت هذه الفلسفة بوضوح في النشاط الميداني الذي نظمه برنامج “تعلم أكثر… ينمو الإيمان… واكتشف الإسلام”، حيث اصطحب طلابه في زيارة تعليمية إلى محافظة أيوثايا، ليتعرفوا على تاريخ الإسلام في واحدة من أقدم الحواضر التاريخية في تايلاند.

التاريخ وسيلة لبناء الهوية

بدأت الرحلة بزيارة مسجد كودي تشوفا التاريخي، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى نحو عام 1657م خلال عهد الملك ناراي الكبير، عندما استقرت الجالية الملايوية المسلمة في المنطقة، ليصبح المسجد شاهدًا حيًا على عمق الوجود الإسلامي في تايلاند.

ولم تكن الزيارة مجرد جولة تعريفية، بل تحولت إلى درس عملي في التاريخ والهوية، حيث أدرك المشاركون أن الإسلام في تايلاند ليس ظاهرة حديثة، وإنما جزء أصيل من تاريخ البلاد وتنوعها الحضاري.

التعلم بالمشاركة لا بالتلقين

ولم يقتصر البرنامج على الزيارات الميدانية، بل حرص على إشراك الطلاب في عملية التعلم نفسها، من خلال إعداد عروض علمية بعنوان “المسجد الذي أعرفه”، قدمت فيها كل مجموعة خلاصة أبحاثها أمام زملائها، في تجربة عززت مهارات البحث، والحوار، والعمل الجماعي، والثقة بالنفس.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط قوة النموذج التايلاندي؛ فالمتعلم لا يكتفي بالاستماع، بل يصبح باحثًا ومشاركًا في إنتاج المعرفة.

المجتمع كتاب مفتوح

بعد ذلك انتقل المشاركون إلى مسجد الإسلام واطانا، قبل الانطلاق في رحلة نهرية تعليمية عبر أنهار تشاو فرايا وباساك ولوبوري، للتعرف إلى تاريخ استقرار المسلمين، وأنماط حياتهم، وعلاقتهم بالمجتمع التايلاندي منذ عصر مملكة أيوثايا.

لقد تحولت المدينة بكل معالمها إلى قاعة دراسية مفتوحة، وأصبح المسجد، والنهر، والحي التاريخي، والمجتمع المحلي، مصادر حية للتعلم، وهو أسلوب تربوي يرسخ المعرفة بصورة أعمق بكثير من أساليب التعليم التقليدية.

تكامل المؤسسات في صناعة التجربة

وتكشف هذه المبادرة عن مستوى متميز من التعاون بين المؤسسات الإسلامية والجامعات وإدارات المساجد، حيث شارك القائمون على مسجد كودي تشوفا، إلى جانب الدكتور بانديت أرومان من كلية الآداب بجامعة كريك، في تقديم الشروح التاريخية والإجابة عن أسئلة المشاركين، بما حول الرحلة إلى تجربة علمية متكاملة.

دروس يمكن أن يستفيد منها العالم الإسلامي

تقدم هذه التجربة نموذجًا عمليًا يمكن للمؤسسات الإسلامية في مختلف دول العالم الاستفادة منه، ولا سيما تلك التي تعنى بالمهتدين الجدد. فبدل أن تقتصر برامج التأهيل على الدروس النظرية، يمكن دمج التعلم الميداني، والزيارات التاريخية، والتفاعل مع المجتمع المسلم، بما يسهم في بناء هوية راسخة وشعور حقيقي بالانتماء.

فالداخل الجديد إلى الإسلام لا يحتاج إلى معرفة الأحكام الشرعية فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى أن يرى الإسلام في حياة الناس، وأن يلمس تاريخه، ويتعرف إلى حضارته، ويشعر بأنه أصبح جزءًا من مجتمع حي له جذوره وإسهاماته.

تجربة تستحق أن تُصدر إلى العالم

قد لا تكون هذه التجربة الأكبر من حيث الإمكانات، لكنها تقدم فكرة تربوية بالغة الأهمية، تقوم على تحويل التعليم من عملية تلقين إلى تجربة إنسانية متكاملة. وهي فكرة تستحق أن تنتقل إلى المؤسسات الإسلامية في أنحاء العالم، لأنها تساهم في بناء مسلم أكثر وعيًا، وأعمق انتماءً، وأقوى ارتباطًا بدينه ومجتمعه.

إن النموذج التايلاندي في تعليم المهتدين الجدد يقدم رسالة واضحة مفادها أن أفضل وسيلة لتعليم الإسلام ليست أن نحدث الناس عنه فقط، بل أن نتيح لهم أن يعيشوه، ويتعرفوا إلى تاريخه، ويلتقوا بأهله، ويشعروا بأنهم جزء من حضارته الممتدة عبر الزمن.

المصدر: برنامج “تعلم أكثر… ينمو الإيمان… واكتشف الإسلام”.

التخطي إلى شريط الأدوات