الحلقة الثالثة ضمن سلسلة:
«قرن من التعليم الإسلامي في بلغاريا»
نحو 12 ألف طفل و800 مجموعة تعليمية و600 معلم ومعلمة في أكبر منظومة قرآنية للأطفال تشرف عليها دار الإفتاء العامة
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
إذا كانت إعادة إعداد الأئمة والمعلمين قد شكّلت الخطوة الأولى في مسيرة إحياء التعليم الإسلامي في بلغاريا بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1989، فإن النجاح الحقيقي لهذا المشروع كان مرهونًا بالوصول إلى الأطفال. فبعد أكثر من أربعة عقود من تغييب التعليم الإسلامي المنظم، وجدت دار الإفتاء العامة نفسها أمام تحدٍ مصيري يتمثل في إعادة بناء جيل جديد يتعرف إلى القرآن الكريم ودينه وهويته منذ سنواته الأولى.
ومن هنا بدأت واحدة من أهم المبادرات التربوية في تاريخ المسلمين المعاصر في بلغاريا، حيث أعادت كتاتيب المساجد للمسجد رسالته التعليمية، وحولت تعليم الأطفال إلى حجر الأساس الذي قامت عليه النهضة التعليمية الإسلامية الحديثة في البلاد.
الطفل أولًا.. بداية مشروع النهضة
أدركت دار الإفتاء العامة أن إعادة بناء المجتمع المسلم لا تبدأ من المعاهد والجامعات، بل من الطفل. فالمعلم مهما بلغ علمه لا يستطيع أن يصنع مستقبلًا إذا لم يجد جيلًا يرتبط بالقرآن الكريم منذ طفولته، ولذلك جعلت المؤسسة الإسلامية الرسمية في بلغاريا بناء الطفل المسلم أولويتها التالية بعد إعداد الكوادر الدينية.
وانطلقت هذه الرؤية من قناعة راسخة بأن حماية الهوية الإسلامية تبدأ في السنوات الأولى من العمر، عندما يتعرف الطفل إلى كتاب الله، ويتعلم الصلاة، ويعيش أجواء المسجد، ويكتسب القيم التي ترافقه طوال حياته.
المسجد يستعيد دوره التاريخي
لم يكن اختيار المسجد نقطة انطلاق لهذا المشروع قرارًا عابرًا، بل امتدادًا لوظيفته التاريخية بوصفه المدرسة الأولى في الإسلام. فالمساجد كانت المؤسسة الأقرب إلى الأسر، والأوسع انتشارًا في المدن والقرى، والأقدر على احتضان الأطفال داخل بيئة تربوية تجمع بين التعليم والإيمان والانتماء.
ولهذا أعادت دار الإفتاء العامة إحياء كتاتيب المساجد في مختلف أنحاء بلغاريا، لتصبح أول محطة يلتقي فيها الطفل المسلم بالقرآن الكريم، ويتعلم خلالها التلاوة الصحيحة، وأركان الإسلام والإيمان، والعبادات، والسيرة النبوية، والأخلاق الإسلامية، والحروف العربية، في إطار تربوي يربط المعرفة بالسلوك، والعلم بالانتماء.
من مشروع صغير إلى أكبر منظومة تربوية
بدأت كتاتيب المساجد في أوائل التسعينيات بأعداد محدودة من الأطفال، لكنها سرعان ما تحولت إلى أكبر مشروع دعوي وتربوي وتعليمي للأطفال المسلمين في بلغاريا.
واليوم يشارك في هذه المنظومة نحو 12 ألف طفل وطفلة سنويًا، ينتظمون في أكثر من 800 مجموعة تعليمية، بإشراف أكثر من 600 معلم ومعلمة، داخل مئات المساجد المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، في واحدة من أكبر المبادرات التربوية التي تقودها مؤسسة إسلامية في منطقة البلقان.
ويعكس هذا التطور حجم الثقة التي اكتسبها المشروع لدى المجتمع المسلم، كما يؤكد نجاح دار الإفتاء العامة في تحويل كتاتيب المساجد من حلقات تعليمية محدودة إلى قاعدة شعبية واسعة للتعليم الإسلامي.
تعليم يصنع الشخصية قبل المعلومة
ورغم أن المشروع يقوم على تعليم القرآن الكريم، فإن رسالته تتجاوز الحفظ والتلاوة إلى بناء الإنسان.
فالطفل يتعلم خلال هذه الدورات مبادئ العقيدة، والعبادات، والآداب الإسلامية، والأخلاق، واحترام الوالدين، وروح التعاون، والانتماء للمجتمع، إلى جانب تعلم اللغة العربية والارتباط بالمسجد، بما يسهم في تكوين شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة والسلوك.
ولهذا لا تنظر دار الإفتاء العامة إلى القرآن الكريم باعتباره مادة تعليمية فحسب، بل بوصفه المدخل الرئيس لترسيخ الهوية الإسلامية وصناعة جيل أكثر وعيًا بدينه وثقافته ومسؤوليته تجاه مجتمعه.
منظومة تربوية متكاملة
ولم تكتفِ دار الإفتاء العامة بتنظيم حلقات تعليمية داخل المساجد، بل بنت منظومة متكاملة تقوم على إعداد المناهج، وتأهيل المعلمين والمعلمات، وتنظيم الدورات الصيفية والشتوية، وإقامة المسابقات القرآنية والثقافية، والأنشطة الرياضية والترفيهية، والرحلات التعليمية، والاحتفاليات الختامية التي يشارك فيها الأطفال وأسرهم.
كما تحرص المؤسسة سنويًا على تنظيم برامج تدريبية متخصصة للأئمة والمعلمين والمعلمات قبل انطلاق الدورات، تتناول طرائق تعليم القرآن الكريم، ومهارات التواصل مع الأطفال، وأساليب التربية الحديثة. وقد شهدت إحدى هذه البرامج التدريبية مشاركة نحو 460 إمامًا ومعلمًا، استعدادًا لإطلاق الدورات الصيفية التي استهدفت نحو 9000 طفل في مختلف أنحاء بلغاريا، قبل أن يواصل المشروع توسعه في السنوات اللاحقة ليصل عدد المشاركين إلى نحو 12 ألف طفل سنويًا.
ومن خلال هذه المنظومة، لم يعد المسجد مكانًا للتعليم فحسب، بل أصبح فضاءً تربويًا متكاملًا يعيش فيه الطفل تجربة إيمانية وثقافية واجتماعية متوازنة.
التعليم يستمر طوال العام
ولضمان استمرارية البناء التربوي، اعتمدت دار الإفتاء العامة نظامًا متكاملًا يجمع بين الدورات الصيفية والدورات الشتوية، بحيث يبقى الطفل على صلة بالقرآن الكريم والتعليم الإسلامي طوال العام، ولا يقتصر ارتباطه بالمسجد على موسم واحد.
كما أطلقت برنامج المدرسة الصيفية، الذي يمثل حلقة انتقالية بين كتاتيب المساجد والتعليم الإسلامي النظامي، حيث يعيش الطلاب تجربة تعليمية داخل المدارس الثانوية الإسلامية، ويتعرفون إلى بيئتها التعليمية، بما يشجعهم على مواصلة مسيرتهم العلمية داخل مؤسسات التعليم الإسلامي.
من حلقات القرآن الكريم إلى قيادات المجتمع
لا تنتهي رحلة الطفل عند إتمام دورة القرآن الكريم، بل تبدأ منها. فكتاتيب المساجد تمثل الحلقة الأولى في منظومة تعليمية متكاملة، ينتقل بعدها الطالب إلى المدرسة الصيفية، ثم إلى المدارس الثانوية الشرعية، فالمعهد الإسلامي العالي، ثم إلى الجامعات، قبل أن يعود كثير منهم أئمة ومعلمين ودعاة وقادة يسهمون في خدمة المجتمع المسلم ومؤسساته.
وقد بدأت ثمار هذه المنظومة تظهر بوضوح في نماذج ملهمة، من بينها الطفل محمد أحمدوف الذي أصبح أصغر حافظ للقرآن الكريم في بلغاريا وهو في الثانية عشرة من عمره، كما برزت نماذج أخرى واصلت مسيرتها العلمية في المدارس الشرعية، قبل أن تتجه إلى خدمة المؤسسات الدينية والتعليمية، في تجسيد عملي لاستمرارية هذا المشروع عبر الأجيال.
وهكذا نجحت دار الإفتاء العامة في بناء مسار تعليمي متصل يعيد إنتاج الكوادر العلمية والدعوية جيلاً بعد جيل، ويضمن استمرارية الرسالة التعليمية للمسجد، لتتحول حلقات القرآن الكريم إلى نقطة الانطلاق التي تُبنى عليها قيادات المستقبل.
الخاتمة
بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل المتواصل، لم تعد كتاتيب المساجد مجرد مشروع لتحفيظ القرآن الكريم، بل أصبحت أكبر مشروع تربوي في تاريخ المسلمين المعاصر في بلغاريا، والقاعدة التي انطلقت منها النهضة التعليمية الإسلامية الحديثة.
فعندما دخل الطفل البلغاري المسجد ليتعلم الحروف الأولى من القرآن الكريم، لم تكن دار الإفتاء العامة تؤسس لدورة صيفية تنتهي بانتهاء العطلة، بل كانت تؤسس لمسار تعليمي يمتد سنوات، يبدأ بكتّاب المسجد، ويواصل طريقه إلى المدرسة الصيفية، ثم المدارس الثانوية الشرعية، فالمعهد الإسلامي العالي، قبل أن يعود بعض هؤلاء الأطفال أئمة ومعلمين وقادة يحملون الرسالة نفسها إلى الجيل التالي.
وهكذا لم تكن كتاتيب المساجد مجرد فصل في تاريخ التعليم الإسلامي في بلغاريا، بل كانت البذرة التي نبتت منها النهضة التعليمية الحديثة بأكملها، لتثبت أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ ببناء المباني، وإنما ببناء الإنسان.
لكن نجاح كتاتيب المساجد في إعداد آلاف الأطفال طرح تحديًا جديدًا أمام دار الإفتاء العامة: كيف يمكن توفير تعليم إسلامي نظامي يجمع بين العلوم الشرعية والتعليم العام، ويستوعب هذه الأعداد المتزايدة من الطلاب؟
هذا ما سنتعرف عليه في الحلقة الرابعة من سلسلة «قرن من التعليم الإسلامي في بلغاريا»:
«المدارس الثانوية الشرعية في بلغاريا.. كيف أعادت دار الإفتاء العامة بناء التعليم الإسلامي النظامي وصنعت جيلاً جديدًا من العلماء والأئمة؟»
المصدر: دار الإفتاء العامة في جمهورية بلغاريا، وأرشيف موقع «مسلمون حول العالم».








