مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

خطوة تاريخية.. متحف الثقافة والفنون الإسلامية يستعد لفتح أبوابه في سراييفو

ثلاثة فضاءات تاريخية تحتضن الذاكرة الإسلامية في البوسنة والهرسك

سجادة ومخطوطات وآثار تحكي

مسيرة الإسلام في البوسنة

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في قلب العاصمة البوسنية سراييفو، حيث تتجاور المساجد العريقة والمدارس والخانقاه والمكتبات، تتجسد ملامح تجربة إسلامية امتدت قرونًا في قلب أوروبا.

وبين جدران هذه المعالم التاريخية، يحضر الكتاب والمخطوط والسجاد والحرفة والفن، لتروي مقتنيات المتحف جوانب من ذاكرة البوشناق الإسلامية وثقافتهم التي تشكلت وتطورت عبر الأجيال.

المتحف يستعد لاستقبال الزوار

وفي هذا السياق، يستعد متحف الثقافة والفنون الإسلامية في سراييفو لفتح أبوابه أمام الزوار في 5 سبتمبر 2026، مقدمًا مجموعته الدائمة عبر ثلاثة فضاءات تاريخية هي خانقاه الغازي خسرو بك، ومدرسة كورشومليا، ومكتبة الغازي خسرو بك. ويهدف المتحف، الذي أسسته المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك، إلى جمع التراث الثقافي الإسلامي وحفظه ودراسته وتقديمه للجمهور، مع إبراز التجربة الإسلامية الأصيلة للبوشناق التي تشكلت عبر قرون من العيش على الأرض الأوروبية.

ويمثل افتتاح المتحف ثمرة مسار طويل من العمل العلمي والبحثي؛ إذ تعود فكرة إنشاء متحف إسلامي في البوسنة والهرسك إلى الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين، قبل أن تتجدد الجهود لتحقيقها خلال السنوات الأخيرة.

مشروع بحثي مهّد لإنشاء المتحف

وسبق تأسيس المتحف عمل بحثي متخصص امتد لسنوات، إلى جانب تنفيذ مشروع علمي وبحثي ومعرض متعدد الوسائط بعنوان «تحت سماء الإيمان الوضيء ـ الإسلام وأوروبا في التجربة البوسنية»، عُرض في سراييفو وزغرب وستراسبورغ، وأسهم في توفير قاعدة معرفية ومجموعة أولية من المواد التي قامت عليها المجموعة الدائمة للمتحف.

وأوضح أمير ساكيتش، مدير المتحف، أن المؤسسة جاءت ثمرة رغبة امتدت سنوات طويلة داخل المشيخة الإسلامية والأوساط الأكاديمية البوسنية في إنشاء متحف يقدم بصورة أصيلة أهم جوانب التقليد والثقافة والتراث الإسلامي في البلاد.

وأضاف أن المجموعة الدائمة تعتمد بدرجة كبيرة على نتائج المشروع البحثي السابق، إلى جانب مقتنيات كانت موجودة لدى المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك ولم تكن متاحة دائمًا للجمهور.

ثلاثة معارض في مجمع مواقع تاريخية

وتتوزع المجموعة الدائمة على ثلاثة معارض رئيسية، في مجمع مواقع تاريخية تشكل في الوقت نفسه جزءًا من القصة التي يرويها المتحف؛ إذ تحمل خانقاه الغازي خسرو بك ومدرسة كورشومليا صفة المعالم الوطنية في البوسنة والهرسك.

وفي خانقاه الغازي خسرو بك، يقدم معرض «الجمال في الدين، وإيمان الجمال» جوانب من الروحانية والتقاليد الصوفية والعلاقة بالطبيعة والماء والتنوع والتقاء الثقافات.

وتستضيف مدرسة كورشومليا معرض «الحياة والمكان والاستمرار»، الذي يتناول جوانب من الحياة والتراث من خلال الحرف والمنسوجات وثقافة السكن، إلى جانب تجربة واقع افتراضي معاصرة لفيلاجيڤينا في بلاغاي.

أما مكتبة الغازي خسرو بك فتحتضن معرض «حب الكتب»، الذي يتتبع تاريخ الكتابة والتعليم والإنتاج الثقافي في البوسنة والهرسك، من المخطوطات الأولى إلى المؤسسات التعليمية والثقافية الحديثة التي تحفظ المعرفة وتنقلها.

مقتنيات نادرة تختصر قرونًا من التراث

وتبرز بين مقتنيات المتحف سجادة بانيا لوكا، وهي سجادة صلاة بوسنية أصيلة ورد أول ذكر لها عام 1690، إلى جانب غطاء من قبر النبي محمد ﷺ أهداه السلطان العثماني عبد العزيز إلى مسلمي البوسنة والهرسك.

وفي معرض «حب الكتب»، تبرز مخطوطة لكتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي، وهي أقدم كتاب في مكتبة الغازي خسرو بك، وقد نُسخت سنة 1106هـ، أي قبل وفاة مؤلفها بخمس سنوات.

كما تقدم المعروضات نماذج من الحرف والمنسوجات وثقافة السكن، إلى جانب المخطوطات والكتب والقطع المرتبطة بالتعليم والروحانية والفنون، لتكشف عن تعدد مجالات حضور الإسلام في المجتمع البوسني.

ولا تقوم المعارض على تقسيم القطع بحسب أنواعها فحسب، وإنما تربط كل قطعة بوظيفتها الأصلية ومعناها والسياق الاجتماعي والثقافي والروحي الذي ظهرت فيه، لتتحول المقتنيات إلى وسيلة لسرد قصص الناس والذاكرة والتجربة الإسلامية عبر الزمن.

مؤسسة للحفظ والبحث والتعليم

ولا يقتصر دور المتحف على عرض المقتنيات، إذ يشارك في حماية وصون المباني والممتلكات ذات القيمة الثقافية التابعة للمشيخة الإسلامية، ومن بينها المعالم الوطنية في البوسنة والهرسك، كما يضم قسمًا للبحث العلمي يهتم بدراسة وتوثيق التراث الإسلامي في أراضي البلاد.

وقال دجيفاد هودجيتش، مدير إدارة التعليم والعلوم في رئاسة المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك، إن إنشاء المتحف يحقق فكرة استمرت نحو قرن، مشيرًا إلى أن فكرة إنشاء متحف إسلامي طُرحت عام 1935 على يد المؤرخ حميدية كريشيفلياكوفيتش والعالم محمد هانجيتش، ثم واصل عدد من المثقفين البوسنيين دعمها.

وأكد أن المتحف لا يمثل مؤسسة للمشيخة الإسلامية وحدها، بل يقدم لسراييفو والمجتمع البوسني والجمهور المحلي والدولي مؤسسة ذات مهمة تعليمية وترويجية وبحثية.

الإسلام البوسني

في السياق الأوروبي

وتتجاوز رسالة المتحف مجرد عرض القطع الأثرية، إذ يقدم الإسلام في البوسنة والهرسك ضمن سياقه التاريخي والثقافي الأوروبي، موضحًا كيف عاش الإسلام وتطور وتعبّر عن نفسه من خلال التعليم والكتاب والفن والحرف والعمارة والحياة اليومية.

وتكمن خصوصية التجربة أيضًا في عرض المقتنيات داخل فضاءات تاريخية عاشت فيها الثقافة الإسلامية ونمت، بما يجعل الخانقاه والمدرسة والمكتبة جزءًا من الرواية المتحفية نفسها، وليس مجرد أماكن لعرض القطع.

ومع استعداده لاستقبال الزوار في 5 سبتمبر، يقدم متحف الثقافة والفنون الإسلامية في سراييفو مساحة جديدة للتعرف على التراث الإسلامي البوسني بوصفه تراثًا حيًا ومتعدد الأبعاد، يجمع بين الذاكرة الدينية والإنتاج الثقافي والعلمي والفني، ويبرز استمرارية التجربة الإسلامية للبوشناق ومكانتها في التاريخ الأوروبي.

ـ المصدر: موقع بريبورود

التخطي إلى شريط الأدوات