مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

البوسنة.. من الحجاب إلى المعطف الأبيض.. طبيبات مسلمات يجمعن بين الهوية والتميز

سنوات من الدراسة والانضباط والتميز العلمي والديني تقود شابات محجبات إلى كلية الطب

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في المجتمعات المسلمة، لا تنفصل الهوية عن مسيرة الإنسان العلمية والمهنية، بل يمكن أن تكون مصدرًا للثبات والانضباط وتحمل المسؤولية. وحين تجتمع الهوية الإسلامية مع التعليم المتخصص والتميز الأكاديمي، تظهر نماذج تؤكد أن المحافظة على الدين والثقافة لا تعني الابتعاد عن ميادين العلم، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من شخصية علمية ومهنية فاعلة.

وتكتسب هذه النماذج أهمية خاصة لدى الأجيال الجديدة، لأنها تقدم صورة عملية عن إمكانية الجمع بين الاعتزاز بالهوية الإسلامية، والحجاب بوصفه أحد مظاهرها، والطموح العلمي، والتخصص المهني، وخدمة المجتمع، بعيدًا عن اختزال المرأة المسلمة في مظهرها أو افتراض تعارض هويتها مع نجاحها.

وفي هذا السياق.. سلط تقرير نشره موقع «بريبورود» الضوء على مجموعة من الشابات المسلمات في كلية الطب بجامعة سراييفو، ممن حققن نتائج أكاديمية متميزة، وبينهن طبيبات تخرجن حديثًا، وطالبات يواصلن مسيرتهن العلمية، وحافظة للقرآن الكريم، وحاصلات على تقديرات وجوائز جامعية.

وتبرز في هذه التجربة الطبيبة إدينا سرداريفيتش، والطبيبة آسيا ميفيتش، والطبيبة وحافظة القرآن الكريم حتيجة تشينغيتش، إلى جانب الأستاذة الدكتورة فاطمة غافرانكابيتانوفيتش-سمايلبيغوفيتش، التي تابعت هذه المجموعة من موقعها الأكاديمي في كلية الطب بجامعة سراييفو.

غاية واحدة.. نفع الناس 

تخرجت الطبيبة إدينا سرداريفيتش في 15 يوليو من العام الجاري، وكانت منذ المرحلة الابتدائية تتطلع إلى أن تصبح جرّاحة. وترى أن الطب بالنسبة إليها ليس مجرد مهنة، وإنما رسالة لخدمة الإنسان، وأن الدافع الأهم لمواصلة سنوات الدراسة الصعبة هو ما يمكن أن يقدمه الطبيب من نفع للناس.

أما الطبيبة وحافظة القرآن الكريم حتيجة تشينغيتش، فلم تكن تخطط منذ طفولتها لدراسة الطب، قبل أن تتجه إلى هذا المجال في نهاية دراستها بالمدرسة الثانوية الإسلامية، بعدما رغبت في اختيار مهنة مرتبطة مباشرة بخدمة الإنسان.

وكانت قد أتمت حفظ القرآن الكريم قبل التحاقها بكلية الطب، وترى أن تجربة الحفظ شكلت إعدادًا مهمًا لها، لما علمتها إياه من الانضباط والصبر والمثابرة وتحمل المسؤولية.

وتؤكد تشينغيتش أن الدافع قد يدفع الإنسان إلى بداية الطريق، لكن الانضباط هو الذي يساعده على مواصلة المسيرة عندما تصبح الدراسة شاقة، مشيرة إلى أن العلم أمانة ينبغي استخدامه في خدمة الناس.

تفوق أكاديمي وحضور للهوية

أنهت الطبيبة آسيا ميفيتش كلية الطب بمتوسط 9.24، وحصلت على الميدالية الفضية لجامعة سراييفو، بعد اهتمام مبكر بمجال الطب وتعقيد جسم الإنسان.

وفي بداية دراستها، كانت لديها مخاوف من كيفية الجمع بين هويتها بوصفها فتاة مسلمة محجبة وبوسنية وطالبة طب وباحثة مستقبلية، إلا أن تجربتها الجامعية عززت لديها قناعة بأن المكانة الحقيقية داخل البيئة الأكاديمية تُبنى بالعلم والعمل والمهنية وحسن التعامل مع الناس.

وترى ميفيتش أن حصول عدد من الفتيات المحجبات في جيلها على الميدالية الفضية للجامعة يمثل اعترافًا بالمعرفة والعمل المستمر والتميز الأكاديمي.

الحجاب جزء من الهوية وليس بديلًا عن الكفاءة

وتكشف تجارب الشابات أن الحجاب حاضر بوصفه أحد مظاهر هويتهن الإسلامية، لكنه لم يكن تفسيرًا لنجاحهن ولا بديلًا عن الكفاءة العلمية.

وتقول سرداريفيتش إن الحجاب لم يكن عائقًا خلال مسيرتها التعليمية، لكنها شعرت بمسؤولية أكبر تجاه طريقة عملها وتعاملها مع الآخرين، وحرصها على أن تكون معرفتها ومهنيتها جديرة بالثقة.

وترى تشينغيتش أن وجود أشخاص يحملون تصورات مسبقة أمر وارد، لكن التخصص والمعرفة والعلاقة مع الناس هي التي تثبت نفسها في العمل.

أما ميفيتش فتستحضر موقفًا مع إحدى الأستاذات بعد امتحان حققت فيه نتيجة متميزة، وترى أن مثل هذه المواقف تؤكد أن العمل والعلم والشخصية المهنية يمكن أن تغير التصورات المسبقة.

وتؤكد أن المرأة المسلمة المحجبة يمكن أن تكون حاضرة في مختلف المجالات التي تستطيع أن تقدم فيها علمها وجهدها وقيمها.

ومن موقعها الأكاديمي، تابعت الأستاذة الدكتورة فاطمة غافرانكابيتانوفيتش-سمايلبيغوفيتش مسيرة هذه المجموعة، ولاحظت خلال إحدى محاضراتها العدد الكبير من الطالبات المحجبات.

وترى الأستاذة أن هذه الطالبات يجمعن بين الاعتزاز بالإيمان والرغبة في أن يصبحن طبيبات يخدمن الناس بالعلم والإنسانية، مشيرة إلى وجود حاصلات على الميداليات الفضية، وحافظة للقرآن الكريم، وعدد من الطالبات ذوات النتائج الأكاديمية المتميزة.

وفي الوقت نفسه، تؤكد أن المعيار الأكاديمي والمهني في كلية الطب واحد للجميع، وأن الطالب والطبيبة يُقاسان بالعلم والعمل والمسؤولية والشخصية، بينما يفرض المعطف الأبيض متطلبات واضحة تتمثل في الكفاءة والتعاطف والإنسانية والتفاني في خدمة المريض.

من الهوية إلى خدمة المجتمع

لا تنظر هذه النماذج إلى التخرج باعتباره نهاية المسيرة، بل بداية مرحلة تصبح فيها المعرفة مسؤولية مباشرة تجاه الإنسان والمجتمع.

وتتطلع سرداريفيتش إلى التخصص في جراحة البطن، بينما تركز تشينغيتش على ممارسة الطب بمسؤولية وخدمة الناس، في حين تربط ميفيتش طموحها بالعمل العلمي والبحثي، وترى أهمية أن يكتسب الشباب من البوسنة والهرسك خبرات في المراكز العلمية الكبرى، ثم يوظفوا ما تعلموه في خدمة مجتمعهم.

وتقدم هذه التجارب صورة أوسع من مجرد نجاح طالبات محجبات في كلية الطب؛ فهي نماذج لشابات مسلمات حافظن على هويتهن، وجعلن الحجاب جزءًا من حضورهن، وفي الوقت نفسه خضن مسارًا علميًا شاقًا، وحققن التميز، وحملن تطلعات مهنية تتجه إلى الجراحة والبحث العلمي وخدمة المرضى.

وهنا تكمن القيمة الأبرز لهذه التجربة: أن الهوية الإسلامية والعلم والتخصص والنجاح المهني يمكن أن تجتمع في شخصية واحدة، وأن الحفاظ على الهوية لا يعني الابتعاد عن ميادين التميز، بل يمكن أن يكون دافعًا لتحمل مسؤولية أكبر تجاه العلم والإنسان والمجتمع.

المصدر: بريبورود إنفو.

 

التخطي إلى شريط الأدوات