مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

دور المرأة في نهضة التعليم الإسلامي في بلغاريا

التقرير السادس ضمن ملف «قرن من التعليم الإسلامي في بلغاريا»

من كتاتيب المساجد إلى قيادة العمل المؤسسي..

كيف أصبحت المرأة أحد أهم ركائز استدامة مشروع التعليم الإسلامي؟

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

لم تبدأ نهضة التعليم الإسلامي في بلغاريا بإعادة افتتاح المدارس الدينية بعد سقوط النظام الشيوعي، بل بدأت من الإنسان الذي حمل مسؤولية إعادة بناء الهوية الإسلامية داخل المجتمع. وفي قلب هذه المسيرة برزت المرأة، التي أدت دورًا محوريًا في تعليم الأطفال، وتأهيل الأجيال، وربط الأسرة بالمسجد، حتى أصبحت شريكًا رئيسًا في بناء واحدة من أكثر التجارب التعليمية الإسلامية تنظيمًا في البلقان.

ولم يكن هذا الدور وليد قرار إداري أو برنامج مؤقت، بل تطور عبر مسار متدرج امتد لسنوات، بدأ مع الجهود التي قادها مسلمو بلغاريا لإحياء التعليم الإسلامي من جديد عبر كتاتيب المساجد والدورات الموسمية، ثم انتقل إلى إعداد المعلمات وتأهيلهن، قبل أن يتوج بتأسيس إطار مؤسسي متخصص يقود العمل النسائي ويضمن استمراريته، لتصبح المرأة أحد أهم عوامل نجاح واستدامة مشروع التعليم الإسلامي في بلغاريا.

من كتاتيب المساجد بدأت صناعة المعلمات

عندما استعاد مسلمو بلغاريا حريتهم الدينية مطلع تسعينيات القرن الماضي، كانت كتاتيب المساجد أول مؤسسة تعليمية تستقبل الأطفال، وشكلت المرأة منذ تلك المرحلة العمود الفقري لهذا المشروع.

فقد تولت المعلمات تعليم الأحرف العربية، ثم القراءة الصحيحة للقرآن الكريم، وأساسيات العقيدة والعبادات، في مئات الحلقات المنتشرة داخل المساجد. ولم يكن التعليم يقتصر على قاعات الدرس، بل كان يتحول إلى تجربة تربوية يعيشها الطفل مع أسرته ومجتمعه.

وتجسد ذلك في قرى مثل ريبنوفو، حيث اعتاد الأهالي الاحتفال بإتقان الأطفال للأحرف العربية، باعتبارها الخطوة الأولى في رحلة تعلم القرآن الكريم. وكانت هذه الاحتفالات، التي تشرف عليها المعلمات بالتعاون مع دور الإفتاء الإقليمية، تعكس عودة التعليم الإسلامي إلى الحياة العامة بعد عقود طويلة من المنع، كما عززت ارتباط الأسرة بالمسجد منذ السنوات الأولى من عمر الطفل.

إعداد المعلمات… من التأهيل العلمي إلى التطوير المهني

ومع التوسع الكبير في كتاتيب المساجد والدورات الصيفية والشتوية، أدركت دار الإفتاء العامة أن نجاح المشروع مرهون بإعداد معلمات يمتلكن الكفاءة العلمية والقدرة التربوية.

ولهذا لم يقتصر إعداد المعلمات على الدراسة في المعهد الإسلامي العالي، بل اعتمدت دار الإفتاء برامج تدريبية سنوية منتظمة تجمع معلمات القرآن الكريم من مختلف المحافظات، بهدف تبادل الخبرات، وتطوير أساليب التدريس، وتعزيز مهارات التعامل مع الأطفال والأسر، ومواكبة الوسائل التعليمية الحديثة.

ومع مرور الوقت تطورت هذه البرامج بصورة لافتة، فأصبحت تشمل التدريب على التعليم القائم على اللعب، وتقنيات الدراما التعليمية، والتواصل الفعال، ولغة الجسد، والإبداع الفني، إلى جانب التأهيل الشرعي، في مؤشر على انتقال إعداد المعلمة من مرحلة التأهيل الأساسي إلى منظومة متكاملة للتطوير المهني المستمر.

كما تكشف تجارب عدد من المعلمات عن دورة تعليمية متكاملة؛ إذ بدأت كثيرات منهن طالبات في كتاتيب المساجد والدورات الصيفية، ثم واصلن الدراسة في المعهد الإسلامي العالي، قبل أن يعدن معلمات يربين جيلاً جديدًا من الأطفال، بما يضمن تجدد الكوادر التعليمية بصورة طبيعية ومستدامة.

المرأة وبناء الهوية الإسلامية داخل الأسرة والمجتمع

لم يكن الهدف من عمل المعلمات تعليم الأطفال القراءة الصحيحة للقرآن الكريم فحسب، بل بناء شخصية مسلمة تعتز بهويتها، وترتبط بالمسجد، وتترجم القيم الإسلامية إلى سلوك يومي.

ولهذا ركزت المعلمات على غرس محبة القرآن والإسلام، وتنمية الأخلاق، وتعزيز الانتماء للمجتمع المسلم، وهو ما انعكس تدريجيًا على الأسر التي أصبحت شريكًا أساسيًا في العملية التعليمية.

وقد ظهرت نتائج هذا الدور في صور متعددة، منها احتفالات الختمات القرآنية التي شهدت حضورًا واسعًا من الأسر والمجتمع المحلي، والمسابقات الثقافية الإسلامية السنوية التي يشارك فيها آلاف الأطفال بعد اجتيازهم برامج كتاتيب المساجد، إلى جانب بروز نماذج نسائية متميزة، مثل تخريج أول حافظة للقرآن الكريم من مدرسة الأئمة والخطباء في مومشيلغراد، وهو إنجاز اعتبرته إدارة المدرسة محطة تاريخية في مسيرتها.

كما امتد أثر المرأة إلى المجال المجتمعي، من خلال تنظيم المبادرات الخيرية والأسواق المخصصة لدعم الأيتام، لترتبط التربية الإسلامية عمليًا بقيم التكافل والعمل التطوعي. ولم تقتصر هذه المبادرات على ترسيخ القيم داخل نفوس الأطفال، بل أسهمت أيضًا في توفير بيئة مجتمعية داعمة للمؤسسات الإسلامية، حيث شاركت النساء في إعداد وتنظيم الأسواق الخيرية التي تقام في المساجد، بمشاركة الأطفال والأسر، لتصبح هذه المبادرات رافدًا يساند الأنشطة التعليمية والاجتماعية التي تشرف عليها دار الإفتاء العامة، ويعزز ارتباط المجتمع بمشروع التعليم الإسلامي واستمراره.

من العمل الميداني إلى المؤسسة

ومع اتساع البرامج النسائية وتزايد أعداد المعلمات والأنشطة التعليمية، انتقل العمل إلى مرحلة أكثر تنظيمًا عندما أنشأت دار الإفتاء العامة عام 2023 قسمًا خاصًا بالمرأة، يتولى تنسيق جميع الأنشطة النسائية التي تنفذها دور الإفتاء الإقليمية في مختلف المحافظات.

ولم يكن إنشاء هذا القسم بداية لدور المرأة، بل اعترافًا مؤسسيًا بنجاح تجربة امتدت سنوات، حتى أصبحت بحاجة إلى إدارة متخصصة تشرف على تطويرها وتوحيد برامجها وإعداد كوادرها.

وسرعان ما توسعت مهام القسم، فأصبح يشرف على الدورات العلمية والورش التدريبية الوطنية لمعلمات كتاتيب المساجد، ويعمل على تطوير المناهج والأساليب التربوية، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية، وبناء شبكة مهنية تجمع المعلمات في مختلف أنحاء البلاد، بما يعكس انتقال العمل النسائي من المبادرات المحلية إلى منظومة مؤسسية متكاملة.

المرأة… ضمان استدامة المشروع التعليمي

تكشف التجربة البلغارية أن استدامة التعليم الإسلامي لم تعتمد على بناء المدارس أو إعداد المناهج وحدها، بل على الاستثمار المستمر في إعداد الإنسان، وكانت المرأة في صدارة هذا الاستثمار.

فالمعلمة التي تبدأ مع الطفل بتعليمه الأحرف العربية، تواصل مرافقة رحلته في تعلم القرآن الكريم، وتؤهله للمشاركة في المسابقات والختمات القرآنية، ثم تلهم عددًا من الفتيات لمواصلة الدراسة والعودة معلمات في المستقبل، لتتجدد بذلك دورة التعليم جيلاً بعد جيل.

ومن هنا، لم تعد المرأة تؤدي دورًا مساعدًا داخل منظومة التعليم الإسلامي في بلغاريا، بل أصبحت أحد أعمدتها الرئيسة؛ فهي التي أسهمت في إعداد الكوادر، وربط الأسرة بالمسجد، وغرس الهوية الإسلامية في نفوس الأطفال، وتطوير العمل المؤسسي، وضمان استمرار المشروع التعليمي عبر الأجيال، لتثبت التجربة البلغارية أن نهضة التعليم الإسلامي لم تكن لتكتمل دون الدور المحوري الذي اضطلعت به المرأة.

التخطي إلى شريط الأدوات